خريطة الصراع الإيراني السعودي خارج الشرق الأوسط

خريطة الصراع الإيراني السعودي خارج الشرق الأوسط

اتخذ الصراع بين إيران والسعودية أبعاداً شتى منذ نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، فهو صراع عرقي ومذهبي وأيديولوجي. وتطور ليمتد إلى دول مختلفة في منطقة الشرق الأوسط، منها على سبيل المثال البحرين وسوريا والعراق واليمن. ولكن ماذا عن ساحات هذا الصراع خارج الشرق الأوسط؟

أذربيجان

تمتد أذربيجان على مساحة 86.6 ألف كيلومتر مربع، وتقع شمال إيران، ورغم أن أكثر من 60% من الشعب الأذربيجاني من المسلمين الشيعة، إلا أن هناك الكثير من المشكلات الحدودية بين البلدين.

السعودية التي تعاني من المضايقات الفارسية المستمرة على تخومها الشرق أوسطية، لم تترك هذه الفرصة السانحة دون أن تحاول استغلال الشقاق بين طهران وباكو.

ففي الوقت الذي اتهمت فيه إيران الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف بأنه دمية في يد كل من أميركا وإسرائيل، وأنه يدبر للاشتراك في الحرب الأمريكية المتوقعة ضد إيران، وفي الوقت الذي تساند طهران أرمينيا في نزاعها الحدودي مع أذربيجان، كانت السعودية تقوم بتقديم الدعم للشعب الأذري عبر المنح والمساعدات المادية والإنسانية والدوائية، كما أن الرياض أعلنت تضامنها الكامل مع الدولة الأذربيجانية في النزاع الحدودي مع أرمينيا على منطقة ناغورني كاراباخ.

أذربيجان

ولكن المحاولات السعودية في استغلال العلاقات السيئة ما بين الجارتين تصطدم بمجموعة من العوامل المهمة التي لا يجب التغافل عنها. من هذه العوامل الدور الاقتصادي الذي تلعبه الاستثمارات الايرانية في أذربيجان، إذ وصل مجموع تلك الاستثمارات في أواخر 2016 إلى ما يقارب 1.5 مليار دولار بحسب تصريح بعض المسؤولين الأذريين، بالإضافة إلى أن هناك عدداً من المشاريع الإستراتيجية المهمة التي يتم الإعداد لها حالياً بين البلدين، كما أن التوافق المذهبي بين الإيرانيين والأذريين يُضعف من احتمال حدوث تحالف حقيقي قوي ما بين الرياض وباكو.

آسيا الوسطى

تتكون منطقة آسيا الوسطى من خمس دول، وهي قرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزباكستان وكازخستان.

وتمثل إيران قوة رئيسة في التبادل التجاري مع كازخستان وتركمانستان خصوصاً، كما أن حجم العلاقات الاقتصادية بين إيران وطاجيكستان يبلغ 300 مليون دولار، ما يجعل من طهران خامس أكبر شريك تجاري بالنسبة لدوشنبه، وكذلك فإن خط السكك الحديدية الذي وصل بين كازخستان وإيران في أواخر 2014، زاد من الأهمية الإستراتيجية التي تلعبها طهران بالنسبة لطشقند.

أما السعودية، فهي تحاول أن تجد لنفسها مكاناً على الساحة الوسط آسيوية، وتستند في ذلك إلى أن الأغلبية العظمى من مسلمي آسيا الوسطى، يتبعون المذهب السني، مما يوجد نقاطاً للتقارب مع دولهم، باعتبار أن السعودية هي زعيمة العالم السني.

المحور الاقتصادي يشغل مكاناً مهماً في العلاقة بين الطرفين، فالمملكة قدمت الكثير من المساعدات والمنح والقروض للجمهوريات الإسلامية. وفي مايو 2014 شهدت العاصمة السعودية، توقيع "إعلان الرياض" الذي بموجبه ستتم تنمية التبادل التجاري بين السعودية والعرب من جهة ودول آسيا الوسطى من جهة أخرى.

وفي السياق نفسه أعلن عدد من المسؤولين السعوديين في وقت سابق نيتهم التوسع في استقدام العمالة الوسط آسيوية إلى بلادهم، كما أن الكثير من الوفود السياسية والتجارية السعودية قد ذهبت في السنين السابقة إلى عواصم آسيا الوسطى لبحث سبل تنمية التجارة.

كل تلك الجهود، تمخضت عنها نتائج سياسية مهمة، منها أن طاجيكستان قد أعلنت في أواخر 2015 رغبتها في الانضمام للتحالف الذي دعت الرياض لعقده ضد الإرهاب، ولكن يبدو من الصعب أن تنضم أي من الدول الوسط آسيوية الخمس لتحالف حقيقي مع السعودية ضد إيران.

أقوال جاهزة

شارك غردلا يقتصر الصراع الإيراني-السعودي على سوريا واليمن والبحرين والعراق في المنطقة، بل يمتد إلى خارجها

شارك غردأفغانستان، باكستان، نيجيريا، أذربيجان... محطات الصراع الإيراني-السعودي خارج الشرق الأوسط

أفغانستان

تمتد أفغانستان على مساحة تقترب من 650 ألف كيلومتر مربع، وتحدها إيران من الغرب، وتشترك الدولتان في حدود يبلغ طولها نحو 900 كيلومتر.

ورغم أن معظم الأفغان من المسلمين السنة، ونسبة قليلة منهم لا تتعدى العشرين في المئة من الشيعة، من الملاحظ أن لطهران دوراً كبيراً في الأحداث الجارية على الساحة الأفغانية، فمؤسسة الإمام الخميني تلعب دوراً بارزاً في نشر النفوذ الإيراني في أفغانستان، وذلك من خلال جهودها الإغاثية ومساعداتها المادية للمواطنين الأفغان فيما يخص القروض والسلف، وكذلك تقديم الخدمات التعليمية والصحية لهم، كما أن إيران تلعب دوراً اقتصادياً مهماً في أفغانستان، إذ وصل حجم التبادل التجاري بين الدولتين في فبراير 2017 إلى ملياري دولار.

Kabul-Afghanistan

ولم يقتصر الاهتمام الإيراني بأفغانستان على الناحيتين الثقافية والاقتصادية، بل امتد كذلك إلى الناحية السياسية، وهو ما ظهر واضحاً في تصريح الرئيس الإيراني خاتمي في بداية العام الحالي بأن "إيران لن تألو جهداً لمساعدة أفغانستان".

أما الجانب السعودي، فيعتمد في علاقته مع أفغانستان على عدد من الأوراق المهمة، أهمها الوحدة المذهبية بين السعوديين وأغلبية الشعب الأفغاني، وثانيها الاعتقاد السائد في الأوساط السياسية الأفغانية، بأن للمملكة دوراً مهماً في توجيه طالبان والقاعدة، ومن ثم فإنه يمكن أن تلعب الرياض دوراً في التهدئة ما بين تلك الجهات من جهة والنظام السياسي الأفغاني القائم من جهة أخرى.

أما آخر تلك الأوراق فهي استقدام العمالة الأفغانية إلى السعودية. ففي أبريل من عام 2015 توجه وفد سعودي إلى كابول لبحث إجراءات إعادة استقدام العمالة الأفغانية بعد 37 عاماً من التوقف، ولكن العمالة الأفغانية لم تعد.

وقد اعتادت الدولة الأفغانية أن تمسك بالعصا من منتصفها في ما يتعلق بعلاقتها مع كل من إيران والسعودية، فنجدها تعلن تأييدها للدعوة الثانية للمشاركة في عاصفة الحزم، دون أن تكون لمشاركتها فعالية حقيقية، حتى لا تغضب منها الأولى، مع أن أي قوات رمزية لأفغانستان كانت ستعود عليها بمكاسب من السعودية.

باكستان

تمتد باكستان على مساحة 800 ألف كيلومتر مربع، في الجنوب والجنوب الشرقي من إيران، وتعتبر من أهم المناطق التي تشهد صراعاً ملتهباً بين السعودية وإيران.

يمكن القول إن السلطة الرسمية في باكستان تميل بشكل واضح وصريح إلى الجانب السعودي، والسبب أن رئيس الوزراء الباكستاني الحالي نواز شريف، مدين بحياته للمملكة، فشريف الذي حُكم عليه بالإعدام في عام 2004، لقي تأييداً سعودياً كبيراً، إذ اقنعت المملكة حينذاك الرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف، بالإفراج عن شريف وتبديل حكم الإعدام بالنفي إلى السعودية، وبعد سبعة أعوام رجع شريف إلى بلده مرة أخرى وشارك في العمل السياسي حتى تمكن من الوصول إلى رئاسة الوزراء.

من جانب آخر، فإن إيران هي الأخرى ترتبط بعلاقات قوية جداً مع جارتها الجنوبية، وذلك بفضل حضورها الإعلامي والثقافي والفكري المؤثر على الساحة الباكستانية.

كما أن إيران تمد باكستان بنحو 21.5 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مما يجعل منها شريكاً إستراتيجياً لا غنى عنه في خطة التنمية والتحديث التي تتطلع إليها باكستان.

وقد ظهر أثر تلك الشراكة القوية، في الاتفاقات التي عقدها الجانبان في عام 2014، إذ تم التخطيط لرفع حجم التجارة بينهما بنسبة 20% سنوياً.

Islamabad-Pakistan

تلك العوامل كلها، جعلت لإيران شعبية كبيرة في باكستان. وبحسب استطلاع الرأي الذي أجراه مركز بيو في منتصف 2015، تبيّن أن الباكستانيين هم أكثر شعوب الأرض تأييداً لإيران، إذ أعرب 57% من المستطلعين عن إعجابهم بالسياسات الإيرانية، بينما أظهر 16% فقط منهم رفضهم لها.

نيجيريا

تقع نيجيريا في غرب القارة السمراء، وتُعتبر أكبر دول غرب إفريقيا من حيث عدد السكان، ويقدر عدد مواطنيها بـ150 مليوناً، منهم ما يقارب 60% من المسلمين السنة.

ونيجيريا هي إحدى محطات الصراع الإيراني-السعودي الواقع خارج الشرق الأوسط، فتلك الدولة لديها إمكانيات بشرية هائلة واحتياطات نفطية كبيرة وتُعتبر من أهم البلدان النامية بشكل متصاعد في القارة الأفريقية، مما يجعل منها قوة مستقبلية صاعدة وقطباً إقليمياً متوقعاً.

ABuja-Nigeria_Mark-Fischer_FLICKR

إيران كانت سباقة في العمل لإيجاد نفوذ لها في نيجيريا، ومن أمثلة نجاحها في ذلك تحول الشيخ النيجيري إبراهيم الزكزاكي للتشيع في بداية الثمانينيات من القرن الماضي وعمله على نشر هذا المذهب في موطنه، واستغل التمويل الإيراني له، في الدعوة للسياسة الإيرانية وأعلن تبعيته للولي الفقيه في طهران.

الرياض في تلك الفترة لم تكن حريصة على إقامة علاقات جدية مع أبوجا، ولكن في الأعوام الأخيرة، بدأ ميزان الصراع يميل للكفة السعودية بشكل واضح، بعد أن تم عقد بعض الاتفاقات في مجالات النفط وحركة الطيران بين الطرفين.

ولهذا لم يكن من الغريب أن نشهد صداماً بين الجيش النيجيري والحركة الإسلامية النيجيرية التي يترأسها الزكزاكي. ففي ديسمبر 2015 قامت القوات النيجيرية بمهاجمة الحركة، وقتلت العديد من أعضائها.

وقد أثارت تلك العملية ردود فعل واحتجاجات قوية من جانب الدبلوماسية الإيرانية، وقيل وقتها إن السعودية لعبت دوراً كبيراً في التحريض عليها.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
إيران السعودية

التعليقات

المقال التالي