توماهوك أمريكا...​ هل أعاد إليها دور شرطي العالم أم فتح باب الجحيم؟

توماهوك أمريكا...​ هل أعاد إليها دور شرطي العالم أم فتح باب الجحيم؟

تباينت قراءة المحللين في إسرائيل للضربات الصاروخية الأمريكية على قاعدة الشعيرات في ريف حمص، والتي تقول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنها القاعدة التي انطلقت منها قبل ذلك بيومين طائرات سورية شنت هجوما كيميائياً على بلدة خان شيخون بمحافظة إدلب.

خصصت الصحف والمواقع العبرية نهار الجمعة 7 مارس، مساحة واسعة لتحليل الهجوم الأمريكي الذي نُفذ بإطلاق 59 صاروخاً من طراز توماهوك، وذلك نظراً لما له من تبعات وانعكاسات مباشرة على الكيان العبري.

لماذا الآن؟

"كيف يسارع ترامب الذي أعلن "أمريكا أولاً" إلى تنفيذ هجمات في سوريا؟"، تساءل "بوعاز بيسموت" محلل شؤون الشرق الأوسط والسفير الإسرائيلي السابق في موريتانيا، في مقال بصحيفة "إسرائيل اليوم".

وأجاب: "الإجابة هي أن "أمريكا أولاً" تعني أيضاً العودة لتكون زعيمة العالم وقائده. يدرك ترامب أن ما يحدث في سوريا لا يظل في سوريا: هناك أزمة اللاجئين والإرهاب العالمي، وهو ما يعني أنه بحال عدم الرد في سوريا فسوف يدفعون جزاء ذلك في باريس وبرلين وحتى في أورلاندو".

واعتبر "بيسموت" أن "التغيير الذي طرأ على الموقف الأمريكي، حدث أولاً لأن استخدام السلاح الكيميائي هو في الحقيقة خط أحمر، وهذه المرة يرسم ترامب مجدداً هذا الخط ويمنحه لوناً؛ ثانياً، صور الأطفال. الرئيس إنسان حساس، والصور التي صدمت العالم بأسره، أثرت أيضاً فيه".

ورأى المحلل الإسرائيلي أن الهجوم الأمريكي على قاعدة الشعيرات الجوية، حقق أقصى مكسب بأقل مخاطرة، موضحاً أنه "أقل مخاطرة كونه نُفّذ من البحر. وحقق أقصى مكسب لأن ترامب يرسل بهذا الهجوم رسائل للعالم كله، بما في ذلك الجمهور الأمريكي".

وأوضح: "الرسالة للروس هي أنه لم يعد هناك فراغ أمريكي في سوريا، تقول الولايات "المتحدة نحن هنا"، ويقول ترامب للأمريكيين إنه بالفعل ليس دمية للروس. الرسالة الأخرى بالطبع موجهة لنظام الأسد وإيران ودول الخليج وللعالم كله: الآن هناك زعيم جديد في البيت الأبيض، هذا الزعيم قادر أيضاً على إطلاق النار".

وحول رسالة ترامب للعالم العربي، يقول الدبلوماسي الإسرائيلي السابق: "رداً على الانتقادات التي وجهت إليه بأنه عنصري. أظهر أنه الوحيد الذي انتفض لأجل أطفال سوريا. في بيانه بشأن الهجوم وصف الأطفال القتلى في إدلب بأنهم أطفال جميلون وأبناء الرب".

أما "آلون بن ديفيد"، المحلل العسكري، فقد كتب في صحيفة "معاريف": "كانت هذه بالنسبة للرئيس الأمريكي فرصة مثالية كي يثبت أنه ليس فقط رجل كلام، وأن بإمكانه إظهار القوة الأمريكية انطلاقاً من مبادئ وقيم، بشكل لا يسمح حتى لمعارضيه بإدانته".

وتابع: "يحظى الهجوم الأمريكي بدعم كامل في الغرب والشرق الأوسط السني. لقد وجد ترامب نفسه مع الكرة أمام مرمى خال، فسارع لتسجيل الهدف".

بدوره، أدلى "أنشيل بيبر" المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" بدلوه في هذه المسألة بقوله: "من السهل التخمين بأن ترامب يحاول تشتيت الاهتمام الإعلامي في الولايات المتحدة حول التحقيقات بشأن العلاقات غير القانونية بين مقربيه وبين الكرملين، لكن إن كانت هذه نيته، فإنها تنطوي على مخاطرة كبيرة".

وتابع: "يمكن أن يؤدي حرق الجسور مع بوتين إلى تسريبات حول مضمون المكالمات السرية. يسجل الروس كل شيء. مع ذلك يتوقع أن يكتفي بوتين بالإدانات التي أطلقها المتحدث باسمه. وما زال الحديث يدور عن مواجهة قد لا تتكرر. حذر الأمريكيون الروس بشكل مسبق، وكانوا حريصين على ما يبدو على عدم المساس برجالهم خلال الهجوم".

أقوال جاهزة

شارك غردمساحة واسعة خصصتها الصحف العبرية للهجوم الأمريكي على سوريا... كيف تفاعل معه المحللون الإسرائيليون؟

التبعات على الأرض

يقول "آفي يسسخاروف" محلل الشؤون العربية بموقع "والا": "صحيح أن الهجوم الأمريكي فجر الجمعة على القاعدة الجوية في سوريا حدث كبير، لكنه ليس تغيراً بـ180 درجة في السياسة العسكرية الأمريكية. يدور الحديث عن هجوم محدود، لا يتضح ما إن كان سيتواصل، ولا نتوقع أن يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإسقاط نظام بشار الأسد. مع ذلك، يدور الحديث عن تحول، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما التي كان عنوانها اللافعل".

ولفت إلى أن الهجمات الصاروخية على قاعدة الشعيرات تمثل رسالة واضحة للمعسكر الشيعي، إيران وحزب الله، ولموسكو بصفتها راعية لهذا المعسكر، مضيفاً: "بالأمس فقط تحدث الملك الأردني عن محاولة إيران خلق مجال سيطرة شيعية من طهران وصولاً إلى بيروت واللاذقية. الخطوة التي حدثت الليلة الماضية، ومهما كانت مبدئية ومحدودة، إلا أنها تمثل رسالة لكل الأطراف، الشيعة والروس، بأن قواعد اللعبة قد تغيرت. لا يمكن العربدة والاحتلال والذبح واستخدام الأسلحة غير التقليدية وتنفيذ عمليات إرهابية دون أن يكون هناك ثمن لدفعه".

"بن ديفيد" كان أكثر وضوحاً في تحليل التبعات الميدانية للهجوم بقوله: "من السابق لأوانه القول إن الهجوم يبشر بعودة شرطي العالم. من المشكوك فيه إن كان لدى ترامب نفسه حتى الآن سياسة متسقة حيال الشأن السوري. لذلك لا يبدو الآن أن الهجوم سوف يردع الروس والسوريين عن الاستمرار في سحق المتمردين. ربما سيكونون أكثر حذراً في استخدام الأسلحة غير التقليدية".

وتابع: "جيب إدلب شوكة في جسد الأسد وسوريا الصغيرة التي يحاول ترسيخها. وبعد احتلال حلب أصبحت إدلب الجيب الكبير الأخير للمتمردين الذي ما زال بإمكانه تهديد تجمعات العلويين في مناطق الساحل وفي حماة وحلب. لذلك ستتركز جهود الأسد والروس هناك خلال الفترة القادمة، ولن توقفهم أية إدانات دولية. هذا هو العالم الجديد".

وفي السياق، يلفت "أنشيل بيبر" إلى أن تدمير الصواريخ الأمريكية عدداً من الطائرات والبنى التحتية لسلاح الطيران السوري، ليس أكثر من ضربة تكتيكية لقوة الأسد الجوية الضعيفة أصلاً. وكما في السابق، فإن الروس قادرون على تعويض الطائرات المدمرة.

التوزان العسكري بين واشنطن وموسكو

يرى "بيبر" محلل "هآرتس" أن الهجمات الصاروخية الأمريكية التي نفذتها سفينتان حربيتان أمريكيتان في البحر المتوسط، تكشف حجم التباين في القدرات العسكرية بين الولايات المتحدة وروسيا.

ويؤكد أن العمليات العسكرية الروسية في سوريا تركزت خلال عام ونصف على قصف أهداف مدنية كالمدارس والمخابز، بدلاً من استخدام الأسلحة الموجهة ضد معاقل المعارضة المسلحة. وأن العمليات الأكثر تعقيداً كإطلاق صواريخ كروز، واستخدام القاذفات الاستراتيجية طويلة المدى، والزج بحاملة الطائرت كوزينتسوف، كانت مرهقة وعديمة التأثير على الأرض. حادت الصواريخ عن مسارها، وتضطر القاذفات لعمل ترانزيت في إيران، وطائرات الكوزينتسوف لم تنجح بشكل كامل في تنفيذ مهمة قتالية واحدة".

وأضاف: "وعلى سبيل المقارنة، نجحت الولايات المتحدة بدون إعداد أو تخطيط طويل في إطلاق صواريخ توماهوك دقيقة من مسافة مئات الكيلومترات، من مدمرتين في البحر المتوسط".

وتابع: "من غير الواضح ما إن كان الروس حاولوا اعترض تلك الصواريخ بواسطة أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة التي بحوزتهم في سوريا، لكن من غير المؤكد على الإطلاق أنهم كانوا سينجحون إذا حاولوا".

وتابع "بيبر" في تحليله الذي جاء تحت عنوان "ماذا يمكننا أن نتعلم من أول رد غربي على المذابح المتواصلة في سوريا": "هذا تذكير هام بالفجوة الهائلة التي لا تزال قائمة بين القدرات العسكرية للولايات المتحدة وبين روسيا في عهد بوتين، خاصة في كل ما يتعلق باستخدام القوة بسرعة وفاعلية في أي مكان بالعالم. مع ذلك، فإن الاستعداد السياسي لاستخدام القوة العسكرية، هو العنصر الحاسم. نجح بوتين بفضل تصميمه على التحكم في مصير سوريا رغم القدرات المحدودة التي لديه. اختار الرئيس أوباما عدم استخدام خياراته. الآن يجسد ترامب كيفية تمتع الولايات المتحدة بتفوق مطلق. السؤال الآن ما إن كان ينوي استخدام قدراته مجدداً".

كيف يرد الدب الروسي الغاضب؟

تذهب معظم التحليلات الإسرائيلية إلى أن روسيا لا تملك عسكرياً الكثير من الأوراق للرد على الهجوم الأمريكي.

يقول "بيسموت": بالطبع من وجهة نظر الروس حدث هنا انتهاك لسيادة الأسد. يتعين على روسيا الرد. السؤال إذا ما كانت سترد بتصريحات أم بأفعال كتنفيذ هجمات ضد المتمردين، أم أن هناك رداً آخر. مع ذلك من الأهمية القول إن إمكانية قيام الروس برد عسكري محدودة".

لكن "حامي شيلو" المحلل الإسرائيلي، كتب في "هآرتس" محذراً من تورط واشنطن في مواجهات عسكرية مع موسكو، وقال: "هناك العديد من الطرق التي يمكن أن يتورط ترامب من خلالها بشكل يحوّل نشوة اليوم إلى ندم في الغد. حتى إن كان هناك تنسيق مسبق بين البيت الأبيض والكرملين، فلا شك في أن القصف الأمريكي يحرج الروس الذين بشكل عام لا يستجيبون جيداً للإهانات. إذ يُتوقع منهم اتخاذ خطوات تؤدي إلى تفاقم التوتر، وربما حقبة جديدة من الاستنزاف الساخن، بعكس الحرب الباردة بيت القوتين العظميين".

ومضى يقول: "حتى إذا لم تنجرّ الأطراف إلى سيناريوهات نهاية العالم، يجب الأخذ في الاعتبار أن الأسد يمكن أن يرد بهجوم كيماوي جديد يضع ترامب أمام معضلة صعبة بين ضبط نفس مهين، وتصعيد خطير".

إسرائيل في المشهد

يقول "أنشيل بيبر" إن الهجوم الأمريكي جاء بعد ساعات من مكالمة تليفونية بين بوتين ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، احتج فيها الرئيس الروسي على اتهام إسرائيل للأسد بشن هجوم كيماوي على خان شيخون بغطاء روسي، دون إجراء تحقيق مفصل ونزيه.

وأشار إلى أن الحديث يدور عن لحظة نادرة جداً لحدوث خلاف علني بين تل أبيب وموسكو، إذ اعتاد زعماء إسرائيل منذ وصول بوتين للحكم حل الخلافات مع الروس خلف الأبواب المغلقة.

ولكن تغير الموقف الإسرائيلي. نشر نتنياهو بعد 90 دقيقة من الهجوم، في السادسة صباحاً بيان تأييد "كامل" لقرار ترامب، معرباً عن أمله في أن يجد الهجوم الأمريكي أصداء ليس فقط في دمشق بل في طهران أيضاً وبيونغ يانغ. ويأتي ذلك على خلفية اعتراض موسكو على إلحاح تل أبيب بشأن عدم السماح لإيران وحزب الله بإقامة مناطق نفوذ في سوريا بعد انتهاء الحرب، بحسب "بيبر".

ولفت إلى أن سرعة التقييمات الاستخبارية في إسرائيل حول تقديم روسيا الغطاء للهجوم الكيميائي المنسوب للأسد، لا تعكس فحسب الخلاف المتواصل مع بوتين حول مستقبل سوريا، بل إدراك تل أبيب أن ترامب على وشك تنفيذ مفاجأة واتخاذ موقف شديد العدائية تجاه روسيا.

هل يمكن أن يشن الأسد هجوماً على إسرائيل؟

يقول "بوعاز بيسموت": "فيما يتعلق برد سوري تجاه إسرائيل، خسر الأسد العالم العربي ولذلك إذا ما هاجمنا لن يحظى بالدعم العربي، وسيمنح إسرائيل مدخلاً "لإنهاء العمل" في سوريا".

لكن ثمة تخوفات في إسرائيل من استمرار حيازة النظام السوري، كما يقولون، لأسلحة كيميائية، وهو ما يدفع البعض في تل أبيب للتساؤل حول عدم توزيع السلطات الأقنعة الواقية من الغاز على المواطنين.

"لماذا إذن سحبوا من المواطنين أقنعة الغاز، وهل آن الأوان لإعادة توزيعها عليهم؟ بعيداً عن التكلفة الاقتصادية المهولة، أعتقد أن قرار أي دولة توزيع أقنعة غاز على جميع مواطنيها ينقل للطرف الآخر رسالة مفادها أن هذه الدولة تعتقد بإمكانية تعرضها لهجوم كيماوي. وهذا أمر غير مقبول. يمكن لإسرائيل باستخدام قدراتها المتنوعة أن توضح لأي عدو أن تعرضها لهجوم كيماوي سيواجه برد متطرف. إن الإنفاق على التحصين من هجوم كهذا، كالاعتراف بأنه يمكنك القبول به"، خلص "آلون بن ديفيد" في مقاله المنشور بـ"معاريف".

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية وعضو في نقابة الصحافيين.

التعليقات

المقال التالي