سكان جبال النوبة يطالبون بحق تقرير المصير... انفصال جديد في السودان؟

سكان جبال النوبة يطالبون بحق تقرير المصير... انفصال جديد في السودان؟

"سياسة شد السودان من أطرافه فشلت تماماً"، قال مساعد الرئيس السوداني إبراهيم محمود. ولكن المفارقة تكمن في كون تصريحات المسؤول الرفيع أتت على بعد أيام فقط من مطالبات "مجلس تحرير جبال النوبة" بحق تقرير المصير.

وتقع منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان، على الحدود مع دولة جنوب السودان التي نالت استقلالها نتيجة استفتاء شعبي عام 2011، بموجب اتفاقية سلام بين حكومة الرئيس عمر البشير والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل جون قرنق.

وكانت اتفاقية السلام الشامل المبرمة في منتجع نيفاشا الكيني عام 2005 قد أقرت حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

ويتبع "مجلس تحرير جبال النوبة" سياسياً وعسكرياً للحركة الشعبية – شمال. ويخوض أبناء قبائل النوبة (النوبة) في صفوف الحركة، التي تعتبر الوريث الشرعي للحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان، حرباً طاحنة ضد القوات الحكومية في كل من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

ظلامات تاريخية

تبرز مخاوف جدية من أن تقود مناداة أعلى هيئة ممثلة لشعب النوبة بحق تقرير المصير إلى تكرار سيناريو دولة جنوب السودان، لا سيما في ظل عوامل الشبه الكثيرة بين الجنوب ومنطقة الجبال. زد على ذلك، الآصرة القوية التي تربط جوبا والحركة الشعبية – شمال، إذ تواصل الخرطوم الشكوى مما تسميه توفير جوبا الدعم للمتمردين المناوئين للحكومة السودانية.

يقول المحلل السياسي المتحدر من جبال النوبة يوسف كافي كوة إن شعب النوبة ما يزال يشكو من الظلامات التاريخية نفسها التي تسببت سابقاً في مساندة أبناء الإقليم للحركة الشعبية لتحرير السودان، وتدفعهم اليوم لمساندة الحركة الشعبية – شمال.

ويعدد كافي لرصيف22 بعض هذه الظلامات التي يرى أنها كافية لتمرد المنطقة، وعلى رأسها التهميش، ومحاولة فرض نموذج عروبي إسلامي في منطقة غالبية سكانها من الأفارقة، وإبعاد النوبيين من المواقع السلطوية المؤثرة، علاوة على حشر النوبة في ذهنية أهل الوسط النيلي في مهن هامشية كالعمالة اليدوية والخدمة العسكرية.

Nuba_Judy-McCallum_FLICKR

ويشكو كوة على سبيل المثال من اعتبار السلطات بعضاً من مشروباتهم وطقوسهم الكرنفالية مخالفةً للشريعة الإسلامية، ذلك مع اعتناق غالبية أبناء النوبة للديانة الإسلامية، فيما تدين البقية بمعتقدات وثنية، في مقابل قلة تنتمي للديانة المسيحية.

ويتخوف النوبة القاطنون خارج الجبال من أن تقود السياسات القهرية إلى اندثار ثقافتهم، ويرى كوة إن حملات الدهم لأحياء النوبة، في المدن السودانية الرئيسة لا سيما العاصمة الخرطوم، وتوقيفهم بتهم صناعة "المريسة" بحسبانها نوعاً من الخمور، تُعد نموذجاً صارخاً لرفض التنوع الذي يقره الدستور السوداني، منوهاً بأن المريسة المصنوعة من الذرة تعتبر طعاماً لدى كثيرين من أهل الجبال ولا يتم تصنيفها كما يحدث في الخرطوم بأنها من المسكرات.

أقوال جاهزة

شارك غردهل يتكرر سيناريو دولة جنوب السودان ونشهد انفصال جبال النوبة؟

شارك غردالسلطات السودانية تعتبر مشروبات سكان جبال النوبة وطقوسهم الكرنفالية مخالفة للشريعة وتواجههم بالتهميش

حصن عسكري

تقع منطقة جبال النوبة في الجزء الجنوبي من السودان، وتتبع إدارياً لولاية جنوب كردفان، بيد أن المنطقة المقدرة مساحتها بحوالي 30 ألف ميل مربع، ظلت لعقود خارج قبضة السلطة المركزية، وفي يد النوبة.

وساهمت الطبيعة الجبلية للمنطقة، حوالي 50 ألف قدم فوق سطح البحر عند القمم، و20 ألف قدم لدى السفوح، في منح مقاتلي النوبة ميزة قتالية إستراتيجية، تتمثل في حرمان القوات الحكومية من سلاح الطيران، وفي صد الهجومات البرية المتكررة.

ويقول الضابط النوبي في صفوف الحركة الشعبية توتو كندة، إن أبناء النوبة عرفوا طوال تاريخهم بأنهم مقاتلون أشداء، وعززت روحَهم القتالية طبيعةُ المنطقة القاسية، وثقافة الأهالي التي تضع المحاربين في مكانة خاصة.

وأشار لرصيف22 إلى أن خبرات النوبة بالطرق الواصلة بين جبال المنطقة التسعة والتسعين، تجعل دخول أي كتائب إلى تلك المناطق بمثابة انتحار.

ويشكل النوبة حالياً حوالي 80% من قوام قوات الحركة الشعبية – شمال، طبقاً لإفادة كندة.

تنوع مدهش

لفهم كنه الصراع الأهلي بين النوبة وحكومات المركز السودانية، تنبغي معرفة الدواعي والمسببات التي أودت بالنوبة الموسومين بالتعايش إلى حمل البندقية للمطالبة بالحقوق.

shutterstock_71688796

لكن قبل ذلك، ننبه إلى أن النوبة عبارة عن اسم جامع لمجموعات من القبائل التي تعيش في تلك المناطق، وتتحدث بلهجات مختلفة، وتعتنق موروثات خاصة، فمثلاً لا تعرف بعض القبائل الثياب البتة ويتجول أفرادها عراة، كما تمارس بعض القبائل طقوساً وثنية كعادة الكجور (محاولة ربط الأهالي بروح الأسلاف).

وتنقسم الجبال بين القمم التي تقطنها قبائل النوبة ذات الجذور الإفريقية (السكان الأصليون في السودان)، والسفوح التي ترتع فيها القبائل الرعوية العربية، وبين الفريقين تتوزع قبائل وفدت من غرب إفريقيا.

يقول الباحث تاج السر فضل الله إن أكبر دواع لتمرد النوبة على سلطة المركز، هو محاولة السيطرة الاقتصادية على مورادهم المعدنية الكبيرة (يشاع أن المنطقة تحتوي على اليورانيوم) وأراضيهم الخصبة، مع محاولات فرض ثقافة المركز عليها بصورة قسرية.

وقال لرصيف22 إن تسليح القبائل العربية إبان عهد الديمقراطية الثالثة (1986 – 1989) قاد إلى حسم كثير من الصراعات العادية التي كانت تحل عن طريق الإدارات الأهلية، بآلية السلاح، وقاد الاستقطاب الحاد إلى تسليح قبائل الجبال، ومن ثم دخلت السياسة على الخط لتزيد الشرخ.

ويشدد فضل الله على أن سياسة "فرق تسد" التي اتبعها المستعمر الأنجليزي بضرب طوق من العزلة على سكان الجبال ضمن سياسة "المناطق المقفولة" ساهم في القطيعة بين القبائل الإفريقانية والعربية، ولاحقاً أسهمت السياسات الوطنية الخاطئة (التهميش، غياب المشاريع، التجاوزات الأمنية) في تنامي إحساس الغبن لدى النوبة.

أما العلامة الفارقة التي تقود النوبة اليوم للمطالبة بإعطائهم حق تقرير المصير فمردّه إلى انتماء عدد كبير من الأهالي إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بداية من العام 1986، جراء وعود الأخيرة للأقاليم المهمشة بنيل حقوقها السياسية والاقتصادية.

تكتيك أم إستراتيجية؟

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بقوة، ما إذا كانت المناداة بشعار تقرير مصير جبال النوبة محض تكتيك سياسي أم إستراتيجية لها ما بعدها.

يوضح يوسف كافي أن التعامل مع هذا المطلب على أنه تكتيك، أمر مخل، وتبسيطي، وأضاف أن محاولة الاتحاد الإفريقي التوصل إلى تسوية سلمية للنزاع في السودان، على حساب النوبة سيكون أمراً مرفوضاً لدى "مجلس تحرير النوبة" الذي يرفض قادته حل أزمتهم ذات الخصوصية في إطار قومي، ربما هو في مستوى رفضهم تسليم أسلحتهم ضمن مقترح ترتيبات أمنية يقودها الإتحاد الافريقي، مخافة نكوص الخرطوم عن تعهداتها. وبالتالي في ظل هذه الأطروحة لا يجد النوبة بداً من الاتكاء على بنادقهم والمناداة بتقرير مصيرهم.

بيد أن القيادية المنتمية إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم بقيادة الرئيس السوداني عمر حسن البشير، د. عفاف تاور، تقول لرصيف22 بحكم انتمائها للمنطقة، إن أبناء النوبة في صفوف الحركة الشعبية - شمال يعيشون في حالة غيبوبة تامة، تجعلهم وقود حرب لخدمة أجندات تخص قادتهم في صفوف الحركة المصابين بجرثومة الانفصال، مضيفةً أن قيادات الحركة الحالية أسهمت سابقاً في جعل الانفصال خياراً مفضلاً لدى الجنوبيين بالدعاوى نفسها التي يرفعها "مجلس تحرير جبال النوبة".

أما المحلل السياسي، حامد الخير، فيذهب إلى أن مناداة النوبة بحق تقرير المصير، في الغالب، هو تكتيك لتعلية سقوف التفاوض مع الحكومة السودانية في الجولات المقبلة، ليس إلَّا.

وحذّر في حديثه إلى رصيف22، من تكرار سيناريو انفصال الجنوب في جبال النوبة ذات الغالبية المسلمة والمشتركات العديدة مع الشمال خلافاً للجنوب، استناداً إلى أن ذهاب الجبال أمر سيدفع إلى تفكيك السودان لدويلات عديدة.

كلمات مفتاحية
السودان

التعليقات

المقال التالي