علاقة حكام مصر برؤساء أمريكا: ندية وتبعية وتوتر ورقص على الحبال

علاقة حكام مصر برؤساء أمريكا: ندية وتبعية وتوتر ورقص على الحبال

على مدار التاريخ المعاصر، تباينت علاقة حكام مصر بالرؤساء الأمريكيين، ولعبت المعطيات السياسية في كل عصر دوراً كبيراً في تحديد ماهية هذه العلاقة ما بين الفتور والانتعاش، والعداء والصداقة، والندية والتبعية.

ترجع العلاقات بين الحكام المصريين وأمريكا إلى عهد محمد علي. قال الدكتور عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر لرصيف22 إنه في عام 1832 أنشئت أول قنصلية أمريكية في الإسكندرية لتسهيل المعاملات التجارية بين البلدين ورعاية الجالية الأمريكية.

وأشار الدكتور عبد المنعم الجميعي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر لرصيف22، إلى أن الخديوي إسماعيل رغب في دعم العلاقات التجارية مع أمريكا بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، فأهدى إليها مسلة مصرية (موجودة الآن في حديقة سنترال بارك في مانهاتن بنيويورك).

الملك فاروق: الاعتراف بإسرائيل مقابل البقاء في السلطة

لفت الجميعي إلى أن القضية الفلسطينية أطلقت حوارات متبادلة بين الملك فاروق والرئيسين الأمريكيين فرانكلين روزفيلت (1933 – 1945) وهاري ترومان (1945 – 1953).

وعقب ثورة 23 يوليو 1952 عرض السفير الأمريكي بمصر جيفرسون كافري بإيعاز من ترومان دعم بلاده لفاروق ضد ضباط الجيش مقابل اعترافه بإسرائيل، وهو ما رفضه الملك، بحسب الجميعي.

محمد نجيب: مسدس هدية من أيزنهاور

الرئيس_المصري_السابق_محمد_نجيب الرئيس المصري السابق محمد نجيب

في 10 أغسطس 1952 اعترف الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان بثورة 23 يوليو، وأراد استقطاب مصر إلى المعسكر الغربي ضد المعسكر الشرقي أثناء الحرب الباردة.

وعندما تولى دوايت أيزنهاور (1953 – 1961) رئاسة بلاده سار على نهج سلفه وأوفد وزير خارجيته جون فوستر دالاس إلى مصر لإقناع الرئيس المصري محمد نجيب وعضو مجلس قيادة الثورة جمال عبد الناصر بسياسة أمريكا في تطويق الاتحاد السوفياتي، شرح الدسوقي.

وقال لويد سي. غاردنر، أستاذ التاريخ في جامعة روتجرز الأمريكية، في كتابه "مصر كما تريدها أمريكا... من صعود ناصر إلى سقوط مبارك" (ترجمته إلى العربية الدكتورة فاطمة نصر) إن أيزنهاور ودالاس تخيرا هدية غريبة لتقديمها إلى نجيب وهي مسدس عيار 38، وكان بقشرة من الفضة حُفر على عقبه "إلى اللواء محمد نجيب من صديقه دوايت أيزنهاور".

وكانت لدالاس دلالات من وراء تقديم المسدس، إذ حملت الهدية وعوداً بتزويد مصر بالسلاح، وقال لنجيب: "ستكون الولايات المتحدة على استعداد لدراسة جعل الجيش المصري قوة عالمية حقيقية"، وأضاف أن مصر بتنفيذها المتطلبات الأمريكية لن تقتصر مكافأتها على المعونة العسكرية فقط.

وأوضح له أن الولايات المتحدة ربما تكون قد ركزت في الماضي على نحو أكثر مما ينبغي على إسرائيل لتحقيق مصالحها كنتيجة لممارسات جماعات الضغط بأمريكا، لكن الإدارة الجديدة تسعى إلى تبني نظرة أكثر توازناً إلى الشرق الأوسط لا تتوجه ضد العرب أو ضد اليهود".

جمال عبد الناصر: تودد كينيدي وتوتر مع جونسون

رفض عبد الناصر الشروط الأمريكية لمساعدة مصر، وحصل على مساعدات من الاتحاد السوفياتي، ما تسبب في توتر العلاقات بينه وبين رؤساء أمريكا دوايت أيزنهاور (1953 – 1961)، ثم جون كينيدي (1961 – 1963)، وليندون جونسون (1963 – 1969)، وريتشارد نيكسون (1969 – 1974).

إلا أن العلاقات السيئة وصلت ذروتها عقب هزيمة 1967، حين قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بعد مساندتها لإسرائيل، قال الدسوقي.

وكان أول ما قام به كينيدي بعد توليه منصبه عام 1961 هو كتابة رسالة إلى ناصر، عارضاً عليه إحياء الصداقة بين البلدين. وقال مايكل بي. أورين في كتابه "القوة والإيمان والخيال. أمريكا في الشرق الأوسط منذ 1776 حتى الآن"، إن كينيدي ذكّر نظيره المصري بأن الولايات المتحدة كانت في يوم من الأيام مثل العالم العربي مجموعة من المستعمرات المحررة التي تتوق إلى التجمع في كيان واحد، وهنأ ناصر بعيد تكوين الجمهورية العربية المتحدة، وقال "هو تاريخ ميلاد رئيسنا الأول جورج واشنطن"، حسبما روى غاردنر.

قوبل خطاب كينيدي بحماسة، وعبر ناصر عن تقديره العميق للرسالة مؤكداً على الحب والإعجاب اللذين ينظر بهما هو وشعبه للأمريكيين.

جمال-عبد-الناصر

ولكن مبادرة كينيدي انهارت عقب الإطاحة بإمام اليمن الموالي للغرب على يد مجموعة من الضباط الأحرار المقربين من ناصر، فقد تدخلت المملكة السعودية لإعادة الملكية، ورد ناصر بإرسال قواته إلى اليمن، وبدأت الطائرات المصرية في قصف أهداف سعودية، وكان على كينيدى أن يختار بين تصالحه مع الناصرية وبين الدفاع عن الخليج العربي، وفي النهاية فرض الخيار الثاني نفسه عندما أرسل قوات أمريكية للدفاع عن أراضي المملكة، وكان ذلك في نوفمبر 1963، أي بعد عامين من إرسال أول خطاب له إلى القاهرة، حسبما أشار أورين.

وفي عام 1963 تولى ليندون باينز جونسون منصب الرئيس في بلاده بينما كان ناصر يشن حرباً دعائية ضارية ضد حليفتي أمريكا الأردن والسعودية.

وفي نوفمبر سنة 1964 قام متظاهرون بإحراق مكتبة السفارة الأمريكية بالقاهرة، وعندما احتج السفير الأمريكي قال له ناصر "اشرب من البحر"، وهدده بقطع لسان من يتحدث بسوء عن مصر، وقال "لن نقبل بوجود عصابات الجريمة المنظمة من رعاة البقر" مشيراً إلى الرئيس الأمريكي الذي ترجع جذوره إلى تكساس. ورداً على ذلك أوقف جونسون شحنات القمح إلى مصر، كما ذكر أورين.

أقوال جاهزة

شارك غردمن هو الرئيس المصري الذي قال لأحد السفراء الأمريكيين "اشرب من البحر" وهدده بقطع لسان من يتحدث بسوء عن مصر؟

شارك غردترامب يلتقي السيسي اليوم... إليكم خريطة العلاقات التي جمعت حكام مصر بالرؤساء الأمريكيين

السادات: مغازلة نيكسون وتقارب شخصي مع كارتر

Biden-Church-Sadat

يذكر أورين في كتابه أن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون كان يتوق إلى استكشاف أنور السادات عقب توليه رئاسة مصر في سبتمبر عام 1970، فالتقط الرئيس المصري الخيط ولم يضيع وقتاً في توضيح إمكانية تعاونه مع واشنطن، فأبلغ نظيره الأمريكي: "ستكون مخطئاً لو ظننت أن مصر تخضع للنفوذ السوفياتي"، وأكد له أنه "إذا أثبتت الولايات المتحدة صداقتها لنا، فسنقابل صداقتها بعشرة أضعاف من الود والصداقة".

وأشار السادات أيضاً إلى أنه في مقابل عقد اتفاق مؤقت يسهل إعادة فتح قناة السويس المغلقة منذ حرب 1967، وعودة عدد رمزي من القوات المصرية إلى سيناء، فإنه على استعداد لطرد المستشارين السوفيات من مصر، وقال: "لا يوجد سبب يجبر العرب على التحيز إلى الاتحاد السوفياتي، فشعبي يفضل الغرب"، وأطلق السادات على عام 1971 عام الحسم، مؤكداً على أن الاتجاه الذي ستسلكه مصر، سواء أكان نحو السلام أم الحرب يتوقف أساساً على أمريكا.

وبيّن أوين أن الظروف الدولية في ذلك الوقت حالت دون تواصل فعلي بين الطرفين. وبعدها بعام واحد فقط طرد السادات فجأة نحو 1500 مستشار سوفياتي من مصر، ولكن هذه الضربة المفاجئة فشلت في إحداث أي تغيير على صعيد العلاقة بين الرئيسين المصري والأمريكي، فقد كان حل الأزمة الدولية مع السوفيات لا يزال له الأولوية على السلام العربي الإسرائيلي.

وعقب توليه رئاسة بلاده عام 1977 فشل جيمي كارتر (1977 – 1981) في إثارة إعجاب السادات، فقد أصيب الحاكم المصري بالهلع بسبب استعداد كارتر لإخضاع عملية السلام لنزوات السوفيات والسوريين ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبسبب معارضته الواضحة للي ذراع الإسرائيليين.

وبدلاً من انتظار حدوث تغيير في سياسات واشنطن، فتح السادات قنوات اتصال سرية مباشرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت مناحيم بيغين انتهت بوصول السادات إلى مطار تل أبيب في 19 نوفمبر 1977.

وخلال المحادثات التي تلت الزيارة، والتي كانت برعاية أمريكية، شعر كارتر بنفور شخصي من حدة بيغين، في حين فضل السادات بشخصيته الودودة وكان يراه غير مقيد في اتخاذ قراراته، وفي صورة "البدوي النبيل الحر"، حتى أن كارتر أخبره ذات مرة أنه أكثر رجل سياسة محبوب في الولايات المتحدة، بحسب أورين.

مبارك: تقديم فروض الولاء لخمس رؤساء أمريكيين

فور توليه السلطة في بلاده عام 1981، عمد مبارك إلى تقديم كل فروض الطاعة والولاء للإدارة الأمريكية. وقال غاردنر إن ذلك تجلى في موقفه من اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 وما ارتكبته من مجازر بتواطؤ ودعم أمريكيين، ووقتها كانت الإدارة الأمريكية تخشى من أن هذا الاجتياح قد يجبر رئيس مصر الجديد على تغيير مواقفه السياسية ما قد يؤدي في المستوى البعيد إلى إضعاف أمريكا في المنطقة.

وبدلاً من تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك أو حتى التهديد بذلك وعلى عكس كل التوقعات الأمريكية، نشر مبارك مقالاً تحريرياً في صحيفة واشنطن بوست عن الوضع في لبنان، استجاب له البيت الأبيض بتعاطف شديد، حتى أن رونالد ريغان (1981 – 1989) كتب له خطاباً بدأه بـ"عزيزي حسني" بيّن فيه أنه يتفق معه على أن الأمور تتعدى الموقع المباشر الذي تقع فيه المعارك، وقال "الأحرى أن هذه الأزمة وضعتنا مباشرة في مواجهة الحاجة إلى التحرك باتجاه إيجاد حل للقضية الفلسطينية بكامل أوجهها. لقد استوقفتني بخاصة كلماتك التالية: من رماد الخراب والدمار، علينا ألا ندخر جهداً كي نبعث بروح السلام والأمل إلى حيز الوجود مرة أخرى". ثم مضى يمتدح مبارك لالتزامه غير الملتبس بالسلام رغم الضغوط الواقعة عليه، حسبما ذكر غاردنر.

وقال الجميعي إن مبارك عاصر 5 رؤساء أمريكيين (ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن وأوباما)، إلا أن أكثرهم قرباً له هو جورج بوش الأب (1989 – 1993)، فقد توطدت علاقتهما بعد استجابة الرئيس المصري لطلبه مشاركة الجيش المصري في حرب تحرير الكويت عام 1991.

وكتب بوش في مذكراته أنه تحدث طويلاً على الهاتف مع مبارك، وأبلغه أن الولايات المتحدة على استعداد لإعفاء مصر من ديونها، وأكد له أيضاً أن حصار العراق ستنجم عنه مصاعب اقتصادية حادة لمصر، وإذا لم تعوضها الولايات المتحدة فقد تحدث مشاكل سياسية خطيرة في ذلك البلد. وأضاف أنه كان يعلم أن الكونغرس لن يوافق بسهولة على إعفاء مصر من ديونها، لكنه كان بحاجة إلى مبارك باعتباره عنصراً حاسماً في تكوين التآلف العسكري، حسبما قال غاردنر.

وقال الدسوقي إن علاقة مبارك بأوباما (2009 – 2017) تفاوتت من فترة لأخرى، إذ شهدت تقارباً بلغ ذروته عندما ألقى الرئيس الأمريكي خطابه الشهير في جامعة القاهرة عقب توليه السلطة مباشرة، وأثنى كل منهما على الآخر، إلا أنه بعد ثورة يناير 2011 طالب الرئيس الأمريكي السابق الحاكم المصري بترك منصبه والاستجابة للثوار.

Netanyahu_and_Mubarak_checking_their_watches

محمد مرسي: تطمينات متبادلة وعلاقة لم تكتمل

عام واحد لا يكفى للحكم على ماهية العلاقة بين الرئيس الأسبق محمد مرسي ونظيره الأمريكي أوباما. قال الباحث السياسي محمد محمود السيد لرصيف22 إنه رغم ضبابية المشهد بعد ثورة يناير، فإن الولايات المتحدة كانت حريصة على العلاقات مع مصر بعد ثورة يناير وتولي مرسي مقاليد السلطة في يونيو 2012، وفي نفس الوقت كان الرئيس الأسبق دائماً يرسل برسائل طمأنة للإدارة الأمريكية تؤكد التزام مصر بسياستها الخارجية.

وقال إن الأحداث التي شهدتها مصر خلال العام الذي تولى فيه مرسى الحكم حال دون وجود اتصال مباشر مع الرئيس أوباما، وتكوين علاقة بين الطرفين لا سيما أن المستقبل السياسي للرئيس المصري كان غامضاً.

عبد الفتاح السيسي: مؤشرات لعلاقة جيدة مع ترامب

Secretary_Kerry_Meets_With_Egyptian_Defense_Minister_al-Sisi

في يونيو 2014 وصل عبد الفتاح السيسي إلى رأس السلطة في بلاده بعد مرور عام من أحداث 30 يونيو 2013 التي أطاحت بالرئيس الأسبق مرسي. وقال السيد إن العلاقة بين السيسي وأوباما شهدت توتراً شديداً، بسبب عدم رضا الرئيس الأمريكي على طريقة انتقال السلطة لنظيره المصري، ما تسبب في قطع المعونات العسكرية الأمريكية لمصر، إلا أنه بعد فترة تعامل أوباما مع النظام المصري الحالي على أنه أمر واقع، وأعاد المعونات العسكرية مرة أخرى.

وقال السيد إن المؤشرات الظاهرية تشير إلى أن العلاقة بين السيسي والرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ستكون قوية، فقد قال الثاني إنه معجب بشخصية الرئيس المصري الذي أثنى بدوره على ترامب، إلا أن طريقة تعاطي الرئيس الأمريكي مع ملفات سوريا واليمن وليبيا سترسم إلى حد كبير معالم هذه العلاقة.

كلمات مفتاحية
أمريكا مصر

التعليقات

المقال التالي