جمال الدين الأفغاني... "الماسوني" الذي خرج زعماء مصر من معطفه

جمال الدين الأفغاني... "الماسوني" الذي خرج زعماء مصر من معطفه

يقول عنه البعض إنه مصدر الإلهام والأب الروحي لحرکة الإصلاح والتجدید والثورة علی الاستعمار والتخلف في البلاد الإسلامیة والعربیة، في حين يقول البعض الآخر إنه أخذ أكثر من حجمه الحقيقي وكان حريصاً على تجنب الصدام مع الغرب.

إنه السيد جمال الدين الأفغاني الذي توفي في 9 مارس 1897، ويقول الدكتور محمد عمارة في كتابه "جمال الدين الأفغاني موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام" إن اسمه محمد جمال الدين بن صفتر بن علي ويرجع نسبه إلى الأشراف من جهة الحسين بن علي. لذلك حمل لقب السيد، وقد ولد عام 1838 في بلدة أسعد أباد قرب العاصمة الأفغانية كابول.

التجربة الأولى

اشتهر منذ شبابه المبكر بسعة علمه وإجادته عدة لغات منها العربية، وكانت أولى تجاربه السياسية في كابول حيث ساند الأمير محمد أعظم خان في تولي الحكم عام 1862 وأصبح رئيس وزرائه، ولكن وقعت حروب أهلية انتهت باحتلال الأمير شير علي خان (شقيق محمد أعظم خان) والمدعوم من البريطانيين لكابول عام 1868.

ونفي محمد أعظم خان إلى إيران ورحل الأفغاني إلى الهند وهناك فرض الإنجليز حصاراً حول بيته لمنع لقائه بالعلماء وجماهير المسلمين. وبعد شهر تم ترحيله على متن إحدى السفن لمصر.

وصل الأفغاني إلى القاهرة عام 1869 فأقام بها 40 يوماً ثم اتجه إلى الآستانة عاصمة الدولة العثمانية فأحسن سلطانها عبد العزيز محمود استقباله.

خلال وجوده في تركيا برزت أزمة اليمن مع رفض القبائل العربية الزيدية سلطة العثمانيين التركية السنية، فعرض الأفغاني على قادة الدولة وساطته فرفضوا خشية أن ينجح في ما فشلوا فيه.

وكان الأفغاني يلقي خطبه في جامع الفاتح الكبير، وقد أثارت بعقلانيتها وتحررها مخاوف أصحاب الفكر الجامد الذين شككوا في عقيدته ودسوا له عند السلطان بزعم أنه قال إن النبوة تنال بالاكتساب،  فأبدى السلطان رغبته في مغادرة الأفغاني وهذا ما حصل.

وصل الأفغاني إلى مصر في 23 مارس 1971 وأدت مقابلته لرياض باشا رئيس الوزراء ودعوته له للبقاء في مصر إلى تغيير رأيه في الذهاب منها إلى الهند، ومنحته الحكومة منزلاً بخان الخليلي وراتباً شهرياً قدره عشرة جنيهات.

مصر والماسونية

بدأت في مصر أخصب فترات حياته إذ كون وقاد أول أحزاب الشرق الوطنية (الحزب الوطني الحر السري) الذي رفع شعار مصر للمصريين، وعمل للديمقراطية السياسية، والتحرر من استبداد الحكم الفردي والنفوذ الأجنبي. كما كان وراء إصدار الصحف الناطقة باسم حركة التجديد والإصلاح مثل "مرآة الشرق".

وأدرك الأفغاني دور التنظيم وأهميته في حركة التغيير، وكانت الحركة الماسونية حينئذ ذات سمعة حسنة، فهي ترفع شعار الثورة الفرنسية "حرية إخاء مساواة" وتواصل النضال الذي بدأته منذ العصور الوسطى ضد الكهنوت وتسعى لفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية، كما كانت تضم صفوة المجتمع، بصرف النظر عن الجنس والدين مما جعلها أملاً جديداً في عالم تمزقه العصبيات والمذاهب والتعصب للأديان.

ولعل ذلك ما جعله يتخذها شكلاً من أشكال التنظيم، ولكنه اكتشف الخيوط التي تربط قيادات المحفل بالاستعمار، فقد دعاهم لتطبيق شعارات المحفل فقالوا إن الماسونية لا دخل لها بالسياسة، فقاد الأفغاني التمرد ضد المحفل الغربي، وأحدث انشقاقاً في المحفل الماسوني بمصر.

خرج الأفغاني بخيرة عناصر المحفل وأسس بهم محفلاً ماسونياً شرقياً ارتبط بعلاقات مع المحفل الفرنسي، نظراً لمناوأة الفرنسيين لأطماع الإنجليز بمصر، وبلغ عدد أعضائه 300، وقسمه إلى شعب للدراسة والتشريع والتخطيط لمختلف أوجه الإصلاح في المجتمع.

في هذه الشعب ثم في الحزب الوطني الحر، تكونت القيادات التي لمعت في مصر وقادت الثورة العرابية، ومنهم أحمد عرابي ومحمود سامي البارودي وعبد السلام المويلحي وإبراهيم المويلحي ومحمد عبده وإبراهيم اللقاني وعلي مظهر والشاعر الزرقاني وسليم نقاش وأديب إسحق وعبد الله النديم.

أقوال جاهزة

شارك غردهل كان الأب الروحي لحرکة الإصلاح والتجدید والثورة علی التخلف في البلاد العربیة، أم أنه أخذ أكثر من حجمه؟

شارك غردقصة السيد الذي أسس محفلاً ماسونياً شرقياً في مصر، خرجت منه القيادات التي لمعت وقادت الثورة العرابية

التوجه الشعبوي

اتجه الأفغاني للخطابة في المحافل العامة لنشر أفكاره بين الناس، ووصفه بلغاء عصره بأنه "خطيب الشرق" يلقي الخطاب الذي يدهش سامعيه والذي يستغرق ساعات. وعقدت لسماع خطبه مجتمعات النساء كما عقدت لها اجتماعات الرجال.

ومن هنا دخلت في عباراته الأساليب العنيفة، ومنها قوله: "إنكم معاشر المصريين قد نشأتم في الاستعباد، وربيتم في حجر الاستبداد، وتوالت عليكم قرون منذ زمن الملوك والرعاة حتى اليوم، وأنتم تحملون عبء الفاتحين، وتعنون لوطأة الغزاة الظالمين، تسومكم حكوماتهم الحيف والجور، وتنزل بكم الخسف والذل، وأنتم صابرون بل راضون، وتستنزف قوام حياتكم ومواد غذائكم التي تجمعت بما يتحلب من عرق جباهكم بالعصا والمقرعة والسوط، وأنتم معرضون، فلو كان في عروقكم دم فيه كريات حيوية، وفي رؤوسكم أعصاب تتأثر فتثير النخوة والحمية، لما رضيتم بهذا الذل وهذه المسكنة، وتناوبتكم أيدي الرعاة ثم اليونان والرومان والفرس، ثم العرب والأكراد والمماليك والعلويين وكلهم يشق جلودكم بمبضع نهمه، وأنتم كالصخرة الملقاة في الفلاة لا حس لكم ولا صوت. أنظروا أهرام مصر، وهياكل ممفيس، وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم هبوا من غفلتكم، اصحوا من سكرتكم، عيشوا كباقي الأمم أحراراً سعداء، أو موتوا مأجورين شهداء".

توفيق والنفي

كان ولي عهد مصر الأمير محمد توفيق باشا من المترددين على الأفغاني، وكان يؤكد له إيمانه بالشورى والديمقراطية ورغبته في الإصلاح ومناوأة النفوذ الأوروبي، فاعتقد الأفغاني أن التعجيل بتنصيب توفيق خديوياً على مصر يخدم حركة الإصلاح، فانضم الحزب الوطني الحر إلى التيار الداعي لاعتزال الخديوي إسماعيل.

ولكن بعد تولي توفيق الحكم عام 1879 نقض تعهداته للأفغاني بتأثير قنصلي فرنسا وانجلترا اللذين أقنعاه أن الأفغاني والحركة الوطنية يمثلان خطراً على سلطانه، فكان قرار نفيه في 24 أغسطس عام 1879 إلى الهند.

في الهند، شارك في الحياة الفكرية عندما تصدى للدفاع عن التدين ضد جماعة من الهنود كانوا يتلقون الدعم من سلطات الاحتلال البريطاني هناك لتقديم العلوم العصرية والتفسيرات الحديثة لقضايا الكون بشكل مناوئ للدين. وشارك الأفغاني في هذه المعركة برسالته الشهيرة "الرد على الدهريين".

وعندما بدأت الثورة العرابية في مصر عام 1882 تم نقل الأفغاني من بومباي إلى كالكتا حيث حددت إقامته وفرضت عليه العزلة عن أخبار العالم حتى انتهت الأحداث باحتلال الجيش البريطاني لمصر وهزيمة الثورة العرابية، وعندها سمحت له السلطات بالسفر إلى حيث يشاء.

المسألة السودانية

توجه الأفغاني إلى باريس ومنها إلى لندن عام 1883 بدعوة من الإنجليز للتباحث بشأن المسألة السودانية والمصرية، وكانت الثورة المهدية مشتعلة في السودان.

وعن هذه المفاوضات قال: "إن انكلترا أرادت أن أكون في وفدها الذي عزمت على إيفاده للثائر في السودان بقصد الصلح وكانت ثورته هي الشغل الشاغل لانكلترا في ذلك الحين،  وقد سررت في نفسي من هذه الرحلة إلى السودان لأن الطريق انفتح أمام عيني لخدمة المسألة المصرية ومعالجة أسبابها وإنقاذها من سلطة الإنكليز لو تم ذلك ولكنه لم يتم بسبب موت المهدي".

نشاطه في باريس

وفي باريس، التقى الأفغاني بعدد من قادة الفكر، وأقام تعاوناً بين المنظمات الاجتماعية والثورية وجمعية العروة الوثقى السرية التي كانت قد تكونت بأوطان الشرق كي تحارب الاستعمار، وتدعو للتضامن الإسلامي والجامعة الإسلامية، وتبشر بالتجديد والإصلاح.

وكان الأفغاني رئيساً لهذه الجمعية التي كلفته بإصدار مجلة عربية في باريس تدعو لأهدافها، فصدرت مجلة العروة الوثقى التي كان لها تأثير كبير وصدر منها 18 عدداً ثم توقفت بسبب الحصار الإنجليزي ومنع دخولها إلى البلاد الخاضعة له. وكان الأفغاني مدير سياسة المجلة في حين كان الشيخ محمد عبده محررها الأول.

وفي باريس، أسهم الأفغاني في الدفاع عن العروبة والإسلام بالمنتديات والصحف الفرنسية وبعث النشاط في نوادي الشرقيين الذين يدرسون هناك.

الخلافة والشاه

ظل الأفغاني بين باريس ولندن حتى عام 1886 عندما توجه إلى الجزيرة العربية على أمل السعي لإقامة خلافة إسلامية عصرية، ولكن الشاه الإيراني ناصر الدين دعاه لطهران فغادر شبه الجزيرة لإيران عندما وعده الشاه خيراً في ما يخص الإصلاح والديمقراطية.

تراجع الشاه عن وعده، فغادر الأفغاني إلى موسكو سعياً للتنسيق مع روسيا ضد الإنجليز، ثم توجه إلى ألمانيا التي كان يزورها الشاه الذي طالبه بالعودة واعداً إياه بمنصب رئيس الوزراء.

وفي طهران، تجدد الخلاف بينهما فطلب الأفغاني العودة لأوروبا فلم يسمح له. وفي عام 1891 اتفق رأي البلاط الإيراني على طرده للعراق.

ومن العراق حرّض الأفغاني كبار علماء الشيعة ضد سياسات الشاه الموالية للإنجليز. وعلى أثر ذلك أصدر العالم المجتهد الشيرازي فتواه بتحريم شرب التمباك الذي كان الشاه قد منح امتيازه للإنجليز فكسدت بضاعة الشركة الإنجليزية، وألغي الامتياز، ودفع الشاه تعويضاً. وغادر الأفغاني العراق إلى لندن حيث واصل حملته ضد الشاه الذي لجأ للسلطان العثماني ليساعده في وقف حملة الأفغاني.

الجامعة الإسلامية

فى عام 1892 دعا السلطان العثماني عبد الحميد الأفغاني إلى الآستانة فاستجاب الأخير، وفي بادئ الأمر حظي بحفاوة السلطان، فاعتقد الأفغاني أنه بمعونة السلطان يستطيع أن يوسع دائرة الإصلاح، فيضع خطة لجامعة إسلامية.

وفي ذلك الوقت لقي الشاه ناصر الدين حتفه على يد أحد تلاميذ الأفغاني، وروى أنه عندما طعنه القاتل قال: "خذها من يد جمال الدين".

وعلى أثر ذلك قضى الأفغاني عامه الأخير شبه سجين فى البلاط السلطاني. ويقال إن طبيب الأسنان الذى كان يعالجه دس له السم فتوفي عام 1897 ودفن في الآستانة.

قضايا وانتقادات

في كتابه "قضايا ساخنة في فكر جمال الدين الأفغاني"، كتب فارس الأشقر يقول إن الأفغاني فجر العديد من القضايا مثل قضية وحدة الأديان السماوية إذ تقوم هذه الوحدة برأيه على تمام الاتفاق في الأصول واعتبار أن الاختلاف الحاصل حول الأديان السماوية هو اختلاف سياسي بشري لا يستند إلى الحقيقة الدينية التي مصدرها الخالق العظيم، ومن ثم يدعو إلى توحيد أهل الأديان السماوية كما اتحدت في أصولها ومبادئها، فضلاً عن قضية الاجتهاد حيث أنه دعا إلى عدم سد باب الاجتهاد والانحياز إلى العقل والعلم في تأويل النصوص الدينية، إضافة إلى دعوته للجامعة الإسلامية من أجل وحدة المسلمين ضد المستعمر.

Tomb-of-Jamaluddin-Afghani

ولكن هناك من اعتبر  أنه أخد حجماً يتجاوز حقيقته، فتحت عنوان "جمال الدين الأفغانى... جموحه وطموحه وأثره على الإسلام السياسي" كتب عمار علي حسن في صحيفة المصري اليوم بتاريخ 17 ديسمبر 2015: "والخيال السياسي للأفغاني امتد إلى أنه كان قادراً على شحذ خيال من تحلقوا حوله، وتأثروا به، فهناك جمال الدين كما هو في ذاته، أو فلنقل على حقيقته. وهناك أيضاً أسطورته كما نشرها هو ببراعة عظمى، واستخدم في نشرها عشرات من التلاميذ، وبعضهم كأنه شبه مسحور، وأسطورته تلك هي التي عرفه الناس من خلالها".

ويرفض الدكتور عمارة اتهام الأفغاني بمهادنة الغرب، ويقول إنه واجه الطغيان والتدخل الأجنبي وكتب العديد من المقالات التي هاجم فيها الاستبداد، ومما قاله: "إن الأمة التي ليس في شؤونها حل ولا عقد، ولا تستشار في مصالحها، ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية، وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، تلك أمة لا تثبت على حال واحد، ولا ينضبط لها سير".

كما قال: "إن من يساسون بالحكومة الدستورية تستيقظ فيهم الفطرة الإنسانية السليمة التي تحفزهم للخروج من حياتهم البهيمية الوضيعة لبلوغ أقصى درجات الكمال والتخلص من نير الحكومة الاستبدادية التي تثقل كواهلهم".

كلمات مفتاحية
العالم مصر

التعليقات

المقال التالي