خريطة القبائل في ليبيا ودورها الأساسي في الصراع

خريطة القبائل في ليبيا ودورها الأساسي في الصراع

بعيداً عن التأويلات النمطية التي تعزو الانقسام في المشهد السياسي الليبي إلى تأجج الصراع بين سلطات أربع تدعي جميعها شرعية الحكم في البلاد، إلا أن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية عما سبق، إن لم يكن هو الأساس في تكريس مشهد الانقسام وتعقيده، ألا وهو البعد القبلي والجهوي، الذي يمثل لاعباً رئيسياً في تحديد ملامح خارطة الصراع داخل الأراضي الليبية.

في ليبيا حالياً أربع سلطات هي الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب برئاسة عبد الله الثني، ومقرها طبرق، شرقاً، وحكومتا الإنقاذ المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام برئاسة خليفة الغويل، والوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات برئاسة فايز السراج، غرباً، فضلاً عن السلطة التي يمثلها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، والتي لا تخضع لحكومة الثني وإن تحالفت معها.

دور القبيلة في ليبيا

المجتمع الليبي مجتمع قبلي بطبيعته، تلعب القبيلة فيه الدور الرئيسي في تشكيل خارطة الولاءات والانتماءات. وبالرغم من الآراء التي تذهب إلى أن سيطرة التحالفات القبلية على العقل المجتمعي الليبي بدأت مع ثورة العقيد معمر القذافي 1969، حين ألغيت الأحزاب السياسية المدنية فاتحةً المجال للفكر القبلي للتمدد والانتشار، فإن هناك آراء أخرى ترى أن معاداة الليبيين للفكر الحزبي بدأت عقب الاستقلال بعام واحد فقط، تحديداً في 1951 في عهد الملك إدريس السنوسي، ثم جاءت أحداث ما بعد 2011 لترسخ مبدأ القبلية وسيطرتها بصورة كبيرة.

اعتمدت كافة الأنظمة السياسية التي حكمت ليبيا، بدءاً بالملكية وصولاً إلى مرحلة الثورة مروراً بالجمهورية، على القبلية وما لديها من ميليشيات مسلحة في بناء تحالفاتها.

وفي السنوات الست الماضية، استغلت القبائل الغياب شبه الكامل لدور الجيش والشرطة والمنظومة المؤسسية لصالحها من خلال الحصول على النفوذ والمكاسب المادية.

كيف ظهرت الميليشيات القبلية؟

البرلماني حسن صالح، عضو مجلس النواب الليبي، أشار إلى أن القبيلة في البداية كانت تقوم بدور مجتمعي ثقافي في المقام الأول، في ظل إحكام الأنظمة الحاكمة سيطرتها على البلاد بصورة كاملة، إلا أنه مع سقوط نظام القذافي عام 2011، وما تبعه من انهيار لمؤسسات الجيش والشرطة، لم تجد القبائل بداً من القيام بدور المؤسسة الأمنية في الدفاع عن نفسها والمناطق التي تتواجد بها.

أوضح صالح لرصيف22 أن المسؤولية الأمنية الملقاة على كاهل القبائل بعد 2011 قادت إلى تشكيل ما يسمى بـ"الميليشيات القبلية" سواء من أفراد الجيش السابقين، أو من منتسبي القبيلة المدنيين، خاصة في ظل تناثر الدولة وتباعد أطرافها، إضافة إلى بنية المجتمع الليبي غير المتماسكة والتي لا يمكن التعويل عليها كوحدة مترابطة، ومن ثم بات للقبائل دور كبير في رسم الخارطة السياسية الليبية طوال السنوات الست الماضية.

وأضاف أن قوات الجيش في المنطقة الشرقية بدأت في اتخاذ بعض الخطوات لتحجيم دور الميليشيات القبلية من خلال الاتفاق مع القبائل الكبرى لتشكيل تحالف إقليمي لمواجهة الميليشات المتطرفة مثل "أنصار الشريعة" و"داعش"، وهو ما نجح بصورة نسبية مقارنة بما كان عليه الوضع سابقاً.

أقوال جاهزة

شارك غرد كيف ساهمت الصراعات القبلية في تكريس مشهد الانقسام الليبي؟

شارك غردالعشائر القبلية هي مَن تتحكم في خارطة الصراعات داخل الأراضي الليبية... تعرفوا إليها

لكن الوضع يختلف بشكل كبير في المناطق الغربية والجنوبية، حيث تسيطر الميليشيات القبلية على القرار السياسي في تلك المناطق، كما هو الحال مع قبيلة أولاد سليمان في الجنوب، وهي تمتلك أكبر ميليشيات المنطقة، وتتدخل في الشأن السياسي بشكل لافت للنظر بغية الحصول على مكاسب ونفوذ عن طريق المحاصصة. وكذلك هو حال ميليشيات قبائل مصراته والزنتان في المنطقة الغربية.

خارطة الصراع القبلي في ليبيا

المعضلة الأساسية في المشهد السياسي داخل ليبيا هي تكريس الفرقة القبلية من قبل نظام القذافي السابق، إذ عمل على إعطاء امتيازات لقيادات بعض القبائل مثل الورفلة والزنتان في الغرب، على حساب بعض القبائل الأخرى مثل مصراته وأولاد سليمان في الجنوب، ما ساعد على تنامي روح الكراهية والتربص والحقد بين القبائل المختلفة، وهو ما تجسد في الصراع بينها عقب سقوط نظام القذافي. هذا ما أشار إليه الدكتور خالد حنفي، الخبير في الشؤون الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.

وأشار حنفي في بحث له بعنوان "خرائط القوى القبلية والسياسية والجهادية في ليبيا بعد الثورة" إلى وجود نحو 140 قبيلة ليبية لها تداخلات وعلاقات وترابطات عائلية وجغرافية مع دول الجوار.

inside_libyan-tribes_AFP

إلا أن القبائل الأكثر تأثيراً في المشهد السياسي لا تتجاوز 30 قبيلة وتكتلاً عائلياً، استطاعت أن تفرض نفسها من خلال ميليشياتها المسلحة وتتحول إلى اللاعبين الأبرز حضوراً في المشهد الليبي.

وتتوزع هذه القبائل على ثلاثة محاور:

الأول: غرب ليبيا

تسيطر خمس قبائل كبيرة على صناعة القرار السياسي والأمني في منطقة غرب ليبيا بصورة كبيرة، خاصة في السنوات الأخيرة، لما تمتلكه من مقومات أمنية وشعبية كبيرة، أولها قبيلة الورفلة التي تعد أكبر القبائل الليبية، إذ يتجاوز عدد أبنائها مليون نسمة أي ما يقرب من سدس سكان ليبيا. وتتمركز في منطقة فزن في جنوب وجنوب شرق العاصمة طرابلس. وتشكل هذه القبيلة إحدى أبرز دعائم مواجهة الإسلاميين والجماعات المتطرفة.

تليها قبيلة المقارحة المناهضة للجهاديين أيضاً، في وادي الشاطئ في الوسط الغربي الليبي، ثم قبائل ترهونة، والمكونة من حوالي 60 قبيلة فرعية وتتمركز في جنوب غرب طرابلس ويشكل أبناؤها ثلث سكان العاصمة، ثم قبائل مصراتة، وهي أكبر القبائل المعارضة لنظام حكم القذافي، وتملك تأثيرات قوية على درنة وبنغازي، كما أن لها علاقات كبيرة مع الجهاديين الإسلاميين، خاصة أن غالبية المنتمين إلى ميليشات "درع ليبيا" المنتشرة في الغرب والوسط ينتمون لهذه القبائل.

الثاني: شرق ليبيا

هناك خيط مشترك يجمع بين قبائل شرق ليبيا بصفة عامة، ألا وهو التصدي للجماعات الإسلامية المتطرفة، ويقطن هذه المنطقة عدد من القبائل أبرزها العبيدات والبراعصة والعواقير والمسامير، وتعيش في منطقة الجبل الأخضر وطبرق حتى نهاية بنينه بالقرب من بنغازي، ومعظم هذه القبائل لها امتدادات عائلية داخل مصر.

ومن أكثر القبائل تأثيراً في المنطقة الشرقية، قبيلة المغاربة، المنتشرة في منطقة أجدابيا، والتي ينتمي إليها إبراهيم الجضران، قائد ميليشيات برقة المؤيد للفيدرالية، والذي حاصر الموانئ النفطية حتى وقت قريب.

وكان للقبيلة دور ملحوظ في التوصل إلى اتفاق لإنهاء هذا الحصار بين الجضران والحكومة، كما تعد المغاربة من أكثر القبائل عداءاً للجماعات الجهادية الليبية، خاصة "أنصار الشريعة" في بنغازي، وكتيبة 17 فبراير في القوارش.

وتتميز قبائل المنطقة الشرقية دون غيرها من قبائل المناطق الأخرى بمزيد من الاصطفاف وهو ما جسدته عملية الكرامة التي قادها اللواء خليفة حفتر ضد الإسلاميين المسلحين، حيث نال تأييد ودعم كافة قبائل المنطقة بالكامل سوى بعض القبائل الصغيرة غير المؤثرة كالقذاذفة بمنطقة سبها وسط ليبيا والتي ينتمي إليها معمر القذافي.

الثالث: جنوب ليبيا

وتعاني قبائل هذه المنطقة من تجاهل الأنظمة الحاكمة على مر العصور، إذ يشهد الجنوب صراعات مستمرة بين القبائل التي تنحدر من أصول إفريقية كالتبو، والقبائل العربية كالزوي، تدور في معظمها حول التجارة غير الشرعية عبر الحدود مع دولة تشاد. كذلك هناك قبيلة أولاد سليمان التي تعد من أكبر القبائل المسيطرة في الجنوب، في مقابل قبيلة الطوارق ذات الأصول الأمازيغية، والمحرومة من أدنى حقوقها الطبيعية كالأرقام القومية وجوازات السفر.

دور إيجابي للقبلية... ولكن

"ديموغرافياً، العشائر القبلية هي مَن تتحكم في خارطة الصراعات داخل الأراضي الليبية، وهي مَن تغذي ساحات المواجهة بين الميليشيات المتناحرة شرقاً وغرباً وجنوباً بالعدة والعتاد"، شرح المحلل السياسي الليبي الدكتور محمد أبو راس الشريف، وأرجع الأزمة الليبية في المقام الأول إلى التدخلات القبلية، خاصة بعد صراعها الفئوي والجهوي من أجل الخروج بأفضل المكاسب في ظل غيبة مؤسسات الدولة، ومن ثم فإن الحديث عن دولة مدنية بليبيا خلال الفترات المقبلة بات ضرباً من الخيال.

وأضاف لرصيف22 أن الطبيعة القبلية من الممكن أن يكون لها دور إيجابي في المشهد السياسي الليبي، وهو ما فطن إليه البعض مؤخراً من خلال توافقه مع بعض القبائل للتصدي للجماعات المتطرفة، فضلاً عن دور القبائل في وقاية مدينة سبها أكبر مدن الجنوب من الدخول في أتون حرب أهلية.

وأشار المحلل الليبي إلى أن هناك جهوداً لتحجيم الدور السلبي للقبائل في تعزيز المشهد الانقسامي داخل ليبيا من خلال إنشاء ما يسمى بالمجلس الأعلى للقبائل الليبية والمعني بوضع الحلول والآليات للم الشمل الليبي، إلا أن نجاح المجلس في تحقيق الهدف المنشود يتوقف على مدى استجابة معظم القبائل والتزامها بما تم وضعه من إستراتيجيات ومبادرات لوقاية ليبيا المزيد من الدماء في الشرق والغرب.

كلمات مفتاحية
ليبيا

التعليقات

المقال التالي