كيف نواجه ترامب؟ إستراتيجية من 5 نقاط

كيف نواجه ترامب؟ إستراتيجية من 5 نقاط

صعود ترامب هو مؤشر لموجة صعود قادمة ليمين متطرف يميل للانعزالية الغربية وإقفال الأبواب أمام المسلمين والعرب، وهذا خطؤنا ومسؤوليتنا بالدرجة الأولى.

المجتمعات الحية ترفض وتقاوم كل أيديولوجية سوداء تظهر بين صفوفها، ومجتمعاتنا العربية الرسمية والشعبية لم تفعل شيئاً يذكر لمقاومة داعش وأفكارها إلا تكرار القول الباهت بأنها لا تمثل الاسلام.

بعد ذلك يعود كل فرد منا إلى قوقعة أفكاره القديمة الرافضة للآخر، ويعود الطالب إلى مقاعد التلقين وإلغاء العقل، ويعود المشايخ إلى بث تعاليم الكره تجاه الآخر وتمجيد الدعوة إلى الخلافة المنتظرة في القرن الحادي والعشرين.

لقد بلغت الأمور حداً لا يمكن معه أن نكتفي بدور الرفض السلبي الذي يرقى إلى التعاون مع داعش، طالما أننا لا نحرك ساكناً. وكما رفضنا وبقوة مساعي ترامب وغيره من سياسيي اليمين الغربي لوضع لافتة الإرهاب على شعوب عربية بأكملها، فإننا لا نستطيع أن نتغاضى عن أن الشعوب العربية كلها مقصرة في حق نفسها وفي الدفاع عن صورتها، بل والأهم عن مستقبل أجيالها تجاه هذا المد المتطرف.

كيف لنا أن نواجه ترامب إذاً؟ لقد قامت قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي بالتصدي لتوجهات ترامب، وأحبطت دولة المؤسسات في الولايات المتحدة محاولات إدارته للعبث بالقيم الأساسية في الدستور الأمريكي عن طريق انتقاء من يشملهم حظر السفر.

كان التحرك مبنياً بالدرجة الأولى على خوف على تلك المبادئ التي تربى عليها الجمهور الأمريكي، إضافة إلى حساب صحيح بأن عدم وقفها سيمهد لما هو أسوأ في المستقبل. ولكن ماذا عن العرب الذين اعتادوا على رد الفعل ولم يبادروا يوماً بفعل لتغيير واقعهم؟ ماذا عن العرب الذين استمرأوا دور الضحية تحت شعار الخوف من الإسلاموفوبيا وكأنهم غير مسؤولين عن التصدي لمن اختطفوا دينهم ولوثوا سمعتهم وجندوا شبابهم ليكونوا قتلة في سبيل شعارات زائفة وجنة لم تكتب للمجرمين؟

لقد بلغ حد التقصير العربي درجة التواطؤ مع داعش كمن يترك باب بيته مفتوحاً للمجرم ليختطف أولاده ليلاً وهم نيام.

إن أهم ما يجب أن نضعه في الحسبان ونحن نرسم استراتيجية المواجهة مع ظاهرة ترامب هو أن لدينا بالفعل مشكلة تنبع من جذور محلية وأن مواجهتها هي مسؤوليتنا بالدرجة الأولى. فخطاب الكراهية اليميني لترامب ليس إلا وجهاً آخر لنفس خطاب الكراهية الذي نسمعه في بلادنا من الإسلاميين المتشددين، وقد آن الآوان لنواجه الأول بمكافحة وإنهاء الثاني.

أقوال جاهزة

شارك غردبلغ حد التقصير العربي درجة التواطؤ مع داعش كمن يترك باب بيته مفتوحاً للمجرم ليختطف أولاده ليلاً وهم نيام

شارك غرد5 وسائل ستساعد في مواجهة ترامب، وفي الوقت نفسه الفكر المتطرف وداعش

وعوضاً عن الاتكاء على مؤسسات دينية صدئة لا تملك التحرر من التحجر الفكري ناهيك عن التنظيمي. أو انتظار فعل نشيط ومبتكر من حكومات عربية فشلت في تقديم الحقوق الأساسية لمواطنيها ولا تمتلك أي أفق استراتيجي للتخطيط للمستقبل، فإنه يمكن للمواطن العربي ومؤسسات المجتمع المدني أن تسهم بدور فعال في تلك الحرب لكسب المستقبل وتحصين الشباب ومقاومة العنصرية التكفيرية والترامبية على حد سواء. وقد تشكل النقاط التالية محاولة لاستكشاف بعض الوسائل للعمل في هذا الاتجاه.

النقطة الأولى

دور العائلة أضحى اليوم أهم من أي وقت مضى. لم يعد مقبولاً أن تقول عائلة ما إنها تفاجأت بانضمام ابنها لصفوف داعش، فهذا يعني أن هناك خللاً تربوياً كبيراً في البنية الأسرية.

ولأن التطرف استشرى حتى إلى المدارس والمؤسسات الأكاديمية فإن دور الأبوين في ضمان حصانة الأبناء أصبح ثقلاً إضافياً لا بد لهما أن ينهضا به إن لم يكن يريدان لابنهما أن يتحول إلى اسم في خبر عن عملية إرهابية.

الرقابة والمتابعة والحوار الصحي المفتوح والصريح عن الدين بمفهومه الانساني هي وسائل مهمة في مكافحة فيروس التطرف قبل استفحال خطره.

النقطة الثانية

في الوقت الذي كنا نأمل فيه أن نرى شيخ الأزهر وكبار علمائه يطوفون بالمدن والقرى المصرية، بل وبالمنتديات الدينية في عواصم العالم الإسلامي ليحاضروا عامة الشعب عن قيم التسامح وقبول الآخر أو يتصدوا للفكر المتطرف نراهم في واقع الحال قابعين في مكاتبهم يقاومون أي محاولة لتجديد الخطاب الديني.

فلا هم قدموا جديداً، ولا هم استعملوا وسائل التواصل الاجتماعي بكل ما تملكه من تأثير وتركوا المجال خالياً إلا من ردود أفعال لا تغني ولا تسمن من جوع. ولهذا أصبح من الواجب على رجال الدين المعتدلين أن يتكتلوا سوية في جبهات إعلامية واحدة ليوحدوا خطاب التسامح والوسطية.

إنه من الثابت أن الخطاب المتشدد أنجح حتى الآن في جذب المتابعين والمؤيدين في العالم العربي. فمجموع متابعي عدنان إبراهيم ومحمد شحرور وفرحان المالكي أقل من 600 ألف متابع على تويتر، فيما يحظى رجل دين متشدد مثل محمد العريفي بـ16.8 مليون متابع. ولهذا فإنه من الضروري أن يوحد المجددون والوسطيون جهودهم فيما يتعلق بمكافحة الفكر الداعشي ومن يمهد له بطروحاته حتى لو لم يكن منه.

النقطة الثالثة

دور وسائل الإعلام، وبناء على ما سبق من حديث عن المفكرين المعتدلين، غاية في الأهمية في تبني هذه الدعوات وإفساح المجال أمامهم لمخاطبة المواطن العربي في بيته. وإضافة إلى هذا فإنه من المهم أيضاً أن يعيد إعلاميونا ومفكرونا الاعتبار إلى العلمانية كوسيلة تعايش وكصمام أمان لمجتمعاتنا بتعدديتها العرقية والدينية.

العلمانية هي التي دعت الألوف من الأمريكيين بمسيحييهم ويهودهم وملحديهم ومسلميهم للتظاهر ضد قرار الحظر الترامبي وصولاً إلى الحكم القضائي بإيقافه. ولو كان كل من هذه الجماعات يعمل وفق تفكير التكفير والانتماء للدين والطائفة والمذهب لما كلف أحد منهم نفسه عناء العمل لصالح مجموعة دينية لا ينتمي إليها بصلة.

يمكنك أن تكون علمانياً ومسلماً صالحاً في الوقت ذاته. فآباؤنا وأجدادنا الذين عاشوا في زمن ما قبل مد الإسلام السياسي لم يكونوا كفرة، بل كانوا يؤمنون بأن المواطنة شيء والتدين الشخصي شيء آخر تماماً.

النقطة الرابعة

كنا نتمنى أن نرى مظاهرات عارمة وتلقائية في الدول العربية ضد داعش تشابه الحشود التي خرجت في أمريكا وبعض الدول الأوروبية دفاعاً عن اللاجئين المسلمين. فمن باب أولى أن نهب نحن للدفاع عن أنفسنا بدل أن نمتدح الآخرين لدفاعهم عنا.

إنه من الضروري أن تتحرك الاتحادات الطلابية ومنظمات المجتمع المدني في جهد موجه لحشد الشباب في العالم العربي ضد داعش فعلاً لا قولاً فقط. فمشهد تظاهرات وتجمعات شبابية عربية تندد بداعش سترسخ فكرة المواجهة في المجتمع وسترسل رسالة إلى داعش والمجتمعات الغربية على حد سواء بأن المواجهة أصبحت فعلاً إيجابياً لا تبرؤاً سلبياً لا يجدي نفعا.

إن إظهار الوجه الحضاري المتقبل للآخر لشبابنا العربي أمر مهم ليس فقط لإيضاح الالتباس للآخر الغربي بل هي بالدرجة الأولى تأكيد للنفس على جدية الموقف، كمن يفكر بصوت عال لتأكيد فكرته لنفسه.

النقطة الخامسة

المبادرة بإنشاء حوار بين طلاب الجامعات العرب ونظرائهم من الطلاب الأمريكيين والأوروبيين والاستماع للآخر أمر في غاية الأهمية. إن أهمية التكنولوجيا تكمن في الجديد الذي يمكن أن تجلبه إلى حياتنا. واستعمال التكنولوجيا فقط في اجترار ما نقوله نحن لأنفسنا يعزلنا عن فهم الآخر وفهم نظرته لنا.

لهذا فإن التواصل المباشر مع الشباب الآخر، والذي أصبح اليوم أسهل من ذي قبل بكثير، وسيلة فعالة في تمزيق العزلة الفكرية وجعل الشباب العربي يبتعد عن أوهام الحركات الدينية حين يطلع بشكل مباشر على ما وصل إليه الآخرون. وهو أيضاً فرصة موازية في الأهمية لإطلاع الآخر على القيمة الفكرية التي يحملها شبابنا ونفي فكرة الجهل والتطرف التي تنتنشر الآن بسبب ما تفعله جماعات التكفير.

خلاصة القول إن الطرفين هنا يواجهان عدواً واحداً عنوانه التطرف، إسلامياً كان أم يمينياً غربياً.

إن المسؤولية ثقيلة، والجهد كبير ولكن الضحية تستحق كل هذا. فالمستقبل سيختطفه منا دعاة الظلام ما لم نع أننا الآن في حرب يكمن أهم أسلحتها في الفكر والكلمة.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
الإسلام ترامب

التعليقات

المقال التالي