ارتداء الحجاب من عدمه أداة سياسية... واستخدامها لا يقتصر على مارين لوبان

ارتداء الحجاب من عدمه أداة سياسية... واستخدامها لا يقتصر على مارين لوبان

وقفت المرشحة الرئاسية الفرنسية مارين لوبان Marine Le Pen في دار الإفتاء في بيروت، يقابلها المسؤول في الدار حاملاً غطاء للرأس، وهو يطلب منها وضعه بحسب البروتوكول المعتمد في المقار الدينية الإسلامية.

سجلت الكاميرا نظرتها المستغربة وابتسامتها الساخرة وهي تنظر للمنديل الأبيض، بينما اتخذت قرارها سريعاً: مغادرة الدار دون لقاء المفتي عبد اللطيف دريان.

شرحت مرشحة اليمين المتطرف، التي تعارض وضع الحجاب في فرنسا وتُلوّح باتخاذ إجراءات صارمة لمنعه في حال وصولها للرئاسة، بأن مساعديها أبلغوا الدار بأنها لن تغطي رأسها، فلم تتلق جواباً بإلغاء الموعد، ما بررته بأنه استجابة لطلبها.

عند وصولها "حاول المسؤولون هناك وضعها تحت الأمر الواقع"، فغادرت لأنها "لا توضع تحت أمر واقع". قبل أن تفعل ذلك، اعترضت بالقول إن السلطة السنية الأعلى في العالم، أي الأزهر، لم تلزمها بغطاء الرأس عند لقائها الشيخ أحمد الطيب.

بدوره، أصدر المكتب الإعلامي للمفتي بياناً أوضح فيه أن مساعدي لوبان كانوا على علم مسبق بضرورة الالتزام ببروتوكولات الدار، وقد فوجئ الأخير برفضها الامتثال لهذا الطلب.

أثارت حادثة لوبان في دار الإفتاء جدلاً واسعاً انقسم على محورين.

الأول كان قد بدأ مع إعلان المرشحة الفرنسية عن الزيارة بحد ذاتها، وما تحمله من رسائل يمينية تخص اللبنانيين والعرب عموماً، وتعمق في يوم الزيارة الثاني مع حادثة ارتداء الحجاب.

أما الثاني الأعم، فمرتبط ببروتوكولات الزيارات الرسمية والجانب الديني، الأمر الذي ذكّر بحوادث عدة مشابهة كانت قد فتحت النقاش بخصوص الحدود الفاصلة بين الالتزام بالبروتوكول وبين الحرية الشخصية والرسائل السياسية.

في زيارة لوبان واستثمار الحجاب

تندرج زيارة لوبان، التي ورثت والدها بشكل قسري في رئاسة حزب "الجبهة الوطنية" اليميني، إلى لبنان في إطار حملتها الانتخابية. وكان قد سبقها إلى ذلك مرشحين آخرين، اعتبروا لبنان محجة عربية أساسية للتسويق للرئاسة داخل فرنسا وخارجها.

أقوال جاهزة

شارك غردمن خرج ليشيد بقوة لوبان والحرية الشخصية، واجهته نية لوبان إحراج المفتي وإظهار الإسلام كطرف متشدد

شارك غردلطالما كُسر البروتوكول، كما في زيارة ميشيل أوباما للسعودية وتغطية التماثيل الإيطالية العارية أمام روحاني

لم تحظ زيارة لوبان بإجماع لبناني، إذ أعادت الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن العلاقة اللبنانية مع "الأم الحنون" فرنسا. قبل الزيارة، حضّر عدد من اللبنانيين عريضة تطالب بمنع لوبان "الفاشية المتطرفة والمعادية للعرب والمسلمين" من زيارة لبنان، في وقت هزئ آخرون من هذا الطلب على اعتبار أن "العنصرية اللبنانية" المسكوت عنها، تجعل الاعتراض على عنصرية لوبان أمراً مضحكاً.

وفي مواجهة "الحماسة" السياسية التاريخية (المسيحية خصوصاً) للقاء مسؤولين فرنسيين، انتقد عدد من الصحافيين زيارة لوبان الداعمة الأساسية لإسرائيل، واستعاد آخرون قضية اللاجئين في الجدول الانتخابي، معتبرين أن لوبان تعزز "رهاب الأجانب" و"العنصرية"، التي يعاني منها لاجئو لبنان أساساً.

في خضم هذا النقاش المحتدم، فجرت لوبان قنبلة دار الفتوى. وعلى خلفية ما جرى، طرح التساؤل عن السبب الذي أوصل الأمور إلى ما آلت إليه.

بدا الأمر ظاهرياً كخلل بروتوكولي في التواصل عمد الطرفان إلى توضيحه لاحقاً، ولكن المشكلة أن الموضوع ارتبط بالحجاب الذي ترفضه لوبان بشدة وأثارت مشكلة بشأنه في فرنسا.

من خرج ليشيد بقوة لوبان وبشعار الحرية الشخصية الذي تدافع عنه، واجهته نظرية نية لوبان المسبقة لإحراج المفتي واستثمار الأمر لإظهار الإسلام كطرف متشدد يحرج ضيوفه ويرفض الحوار معهم من أجل غطاء رأس، فيغلّب بالتالي مظاهر الدين على المصلحة العامة.

ولكن قد يكون لاعتبارات البروتوكول في مواجهة المصالح السياسية رأي آخر يعتمد على أوراق قوة كل من الضيف والمضيف، وما يبغيه واحدهم من الآخر.

البروتوكول نسبي... المصالح أولاً

وفق بروتوكولات الزيارات الرسمية، يجري الاتفاق مسبقاً على أدق التفاصيل وصولاً إلى الملابس وأساليب التصرف الشخصية. ويصبح الاهتمام بهذه التفاصيل أكثر دقة، عندما يتعلق الأمر بالعنصر الديني، كزيارة رجال دين أو دول إسلامية كإيران والمملكة العربية السعودية.

تتم الزيارات بعد اتفاق الطرفين على كافة التفاصيل، وحسم الجدل بشأن تفاصيل حساسة بتسوية ترضي الجميع وتحترم البروتوكول.

في المقابل، جرى كسر البروتوكول في مناسبات عدة كزيارة ميشيل أوباما للسعودية دون وضع غطاء رأس أو ارتداء عباءة، وتغطية التماثيل العارية أثناء زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى إيطاليا، وعدم تقديم المشروبات الكحولية خلال العشاء الرسمي في الإليزيه على شرف الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي.

في احترام البروتوكول أو كسره.. رسائل سياسية مبطنة، ومعادلة يرسمها الطرف الأقوى، ويُلزم باتباعها من ينشد مصلحة لديه

يعزو خبراء البروتوكول الاستثناءات التي تحصل إلى المصلحة الأهم والأعم، التي تحتم أحياناً عدم الالتزام بالقواعد المرعية الإجراء. إذ تكشف المصالح الكبرى أن أقسى أنواع البروتوكولات يمكن كسرها، وأن المعادلة يرسمها الطرف الأقوى، ويلزم باتباعها من ينشد مصلحة لديه.

في احترام البروتوكول أو كسره رسائل مبطنة، ومعادلة يرسمها الطرف الأقوى، ويُلزم باتباعها من ينشد مصلحة لديه

ومع كل كسر للبروتوكول أو التزام به على خلاف العادة، يجري الحديث عن رسائل سياسية مبطنة، كما جرى اليوم مع لوبان. مع العلم أن موضوع ارتداء الحجاب، تحديداً، بحضور رجال الدين يشمل ليس فقط الزيارات الرسمية، بل كان موضع جدل بشأن الحرية الشخصية في العديد من المناسبات، كما يحصل مع المذيعات عندما يستضفن رجال دين.

بين ميشيل أوباما والملكة إليزابيت

1- ميشيل أوباما Michelle Obama

Michelle-Obama_AFP

في يناير العام 2015، أثارت ميشيل أوباما موجة واسعة من الجدل، عندما زارت السعودية كاشفة شعرها ومرتدية ثياباً لا تتناسب مع القانون السعودي.

لم يطارد المطاوعون السيدة أوباما لاعتقالها أو تأديبها في الشارع، ولم يمانع المسؤولون حينها من الترحيب الحار بها، فهي زوجة رئيس أقوى دولة في العالم، ويحق لها ما لا يحق للنساء السعوديات الذين يصارعن لتحصيل أبسط الحقوق البديهية.

انتشرت صورة ميشيل حول العالم، واستعاد كثر صورها وهي تغطي رأسها عند لقاء بابا الفاتيكان، كما أثناء زيارة مطولة لها إلى أحد مساجد جاكرتا.

أياً يكن، بالنظر إلى موقع أمريكا بالنسبة للسعودية العسكري والأمني والسياسي، تكون ميشيل أوباما دائماً على حق، وهي ليست وحدها في ذلك.

2- لورا بوش Laura bush

Laura-Bush_AFP

عندما زارت السيدة بوش السعودية لم تضع غطاء للرأس بدورها، في رسالة سياسية واضحة، في وقت عادت لوضعه عندما قدمته لها نساء يعنين بمحاربة سرطان الثدي وقد وضعن عليه شعارات لدعم الحملة. هنا، كان وضعه رسالة أيضاً.

2- أورسولا فون دير ليين Ursula von der Leyen

في نهاية العام الماضي، زارت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين السعودية لتجري مباحثات مع نظيرها الأمير محمد بن سلمان. رفضت حجب شعرها وأصرت على ارتداء السروال، قائلة "أنا أحترم عادات البلدان الأخرى، ولكن بالنسبة لي هنالك حدود للتأقلم مع البلد المضيف، أنا لا أقبل أن أرتدي حجابا أو أتخلى عن ارتداء السروال".

حينها غضب البعض، وفسر المتابعون الآخرون قبول الأمر بأنه نتيجة مصالح مشتركة بين البلدين.

لم يكن واضحاً ما إذا كان الأمر نتيجة طلب مسبق من ألمانيا أم أن السعودية تنازلت من تلقاء نفسها، إلا أن الظاهر هو حرص الوزيرة الألمانية على عدم إغضاب أحزاب المعارضة في الداخل والتي لا تتشارك مع الحكومة موقفها تجاه السعودية، ونية السعودية تقديم بادرة حسن نية للوزيرة التي تعمل على علاقات ثنائية إيجابية مع المملكة.

سيغولين رويال Ségolène Royal

Ségolène-Royal_AFP

أثناء زيارتها لطهران، واجهت وزيرة البيئة الفرنسية سيغولين رويال انتقادات حادة، حيث ظهرت وهي ترتدي الحجاب، الأمر الذي أثار استياء الفرنسيين.

وعلقت حينها بعض الصحف على التزام رويال بالتقاليد الإسلامية، بينما دولتها ترفض ارتداء المسلمين للحجاب على أراضيها. وتساءلوا عن ارتدائها بحرية للحجاب، بينما يجري قمع النساء الأخريات اللواتي يحاولن ارتداءه.

كما واجهت رويال عقبة أخرى خلال زيارتها للجمهورية الإسلامية، تمثلت بمد يدها للمصافحة وإرباكها بعدما حجب المسؤول الإيراني يده واكتفى بالانحناء أمامها.

الملكة إليزابيت Queen Elizabeth وكيت ميدلتون Kate Middleton

Queen-Elizabeth_AFP

عندما يحكى عن البروتوكول الرسمي تحضر صورة الملكة إليزابيت باعتبارها "من اخترع البروتوكول"، حسب اللهجة المحكية. عندما زارت الملكة الإمارات العربية انتشرت صورتها وهي تزور مسجد الشيخ زايد مرتدية الحجاب الديني، وكذلك فعلت زوجة حفيدها كيت ميدلتون.

جولة على مواقف كثيرة خُرقت فيها البروتوكولات الرسمية وسجلت فيها نقاط قوة بين الضيف والمضيف

كما ظهرت صور للملكة وهي قريبة من المسؤولين الإماراتيين، وتسمح لهم بلمس ذراعها، بينما يحظر البروتوكول على الملكة السلام باليد أو التلامس الجسدي. وقد فسر ذلك بأنه دليل ود ومصالح مشتركة بين بريطانيا والإمارات المتحدة.

قد لا يصل النقاش هنا إلى خواتيم موحدة، بين الحرية الشخصية وبين التزام البروتوكول، تحديداً الديني منه. وقد لا يتفق الجميع على أحقية موقف لوبان في دار الإفتاء من خطئه، لكن الأكيد أن البروتوكول تحكمه المصالح والرسائل السياسية ومنطق القوة. وبين الأمرين تجري مناورات أخرى لإظهار اعتدال الإسلام من عدمه، وأولوية الحرية الشخصية من عدمها.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي