في ذكرى الربيع المغربي... عجز النظام لا يزال يغذّي التمردات

في ذكرى الربيع المغربي... عجز النظام لا يزال يغذّي التمردات

ست سنوات مضت على الحراك الشعبى الذي انطلق في المغرب في 20 فبراير 2011، تزامناً مع اشتعال جذوة الربيع العربي حينذاك... ولكن المغربيين لا يزالون يشتكون من الأسباب ذاتها التي دفعتهم إلى الشارع.

فلم تزل العدالة الاجتماعية غائبة، والسلطة تقمع حرية الرأي والتعبير، فضلاً عن عدم حدوث تغيير حقيقي في بنية أو منهج النظام الحاكم، سوى بعض المرونة الظاهرية في التعامل مع الاحتجاجات.

تغيير شكلي ومعركة إصلاح مستمرة

في تظاهرات 20 فبراير خرج عشرات الآلاف من الدار البيضاء، وطنجة، والحسيمة، وآصفي، وغيرها من المدن ككتلة غير متجانسة تجمعها مطالب مشتركة، وتضم إسلاميين، ويساريين، ونشطاء مجتمع مدني، وفنانين، وشباباً لم تسبق لهم المشاركة في أي احتجاج.

احتشدوا في الساحات والميادين العامة تحت شعار "الشعب يريد إسقاط الفساد"، آملين في ملكية برلمانية ودستور ديمقراطي وقضاء مستقل ونزيه، وحرية سياسية، وحياة كريمة لجميع المواطنين.

إلا أن عقدهم سرعان ما انفرط بانسحاب القوى المؤثرة بعد مسارعة الملك إلى إقرار تعديل دستوري، وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة لم تتخط نسبة المشاركة فيها 45%، وتوظيف العديد من العاطلين عن العمل.

وكان عدم مشاركة حزب العدالة والتنمية في الحركة الاحتجاجية حاسماً في وأدها. فرئيس الحزب، بعد توليه منصب رئاسة الحكومة على أثر نجاح حزبه في حصد الأغلبية البرلمانية، كان معادياً للحراك واتهم الداعين إليه بـ"إثارة الفتنة"، مع تحذيراته لأعضاء وقيادات حزبه من المشاركة فيه.

ويرى محللون أن 20 فبراير نجحت في تحقيق عدد من النتائج الإيجابية التي يمكن البناء عليها، ومنها تحديد سلطات الملك إلى حد ما، وزيادة التنافسية بين القوى السياسية، إلى جانب الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية بجانب العربية.

ولكن تستمر احتجاجات متقطعة للمطالبة بالمزيد من الإصلاحات الجوهرية، وهو ما يشهده الريف الآن، خاصة بعد القضية التي هزت أرجاء البلاد بمقتل بائع السمك محسن فكري.

عقارب "ساعة الحراك" تسير للأمام

يوضح المحلل السياسي المغربي مصطفى طوسة أن 20 فبراير هو تاريخ هام في الحياة السياسية المغربية، فولادة هذا الحراك ومطالبه، والطريقة التي طرحت فيها إشكالية التغيير، بإطلاقها نقاشاً سياسياً في البلاد، هي في مجملها ظاهرة صحية.

وأضاف طوسة لرصيف22 أن إحدى النقاط الهامة التي توصل إليها الحراك هي إثباته ضرورة خلق انفتاح وتسامح سياسيين في المجتمع المغربي، وهي الرسالة التي وصلت إلى آذان الملك محمد السادس، فسارع إلى إجراء تغييرات دستورية دفعت النظام الحاكم إلى العمل بشكل أكثر ديمقراطية.

أقوال جاهزة

شارك غردفي ذكرى الربيع المغربي.. حالة العمى التي تصيب النظام وعجزه عن تلبية المتطلبات الأساسية يغذيان التمردات

شارك غردهل استفاد المغرب من حراك 20 فبراير أم لا؟ وما الذي ينتظره في الأيام القادمة مع اشتعال الاحتجاجات في الريف

وأشار إلى أن حراك "20 فبراير" أصبح بمثابة رمز للحياة السياسية المأمولة، واستقبله المجتمع ومجمل الأطراف السياسية بترحاب شديد، حتى أن الملك ذاته ترجم عدداً من مطالبه إلى إصلاحات، ما أعطى التجربة السياسية المغربية استثنائية إقليمية.

ويرى المحلل المغربي أن الجزم بنجاح 20 فبراير أو فشله يعتمد في الأساس على أهدافه، فإذا كانت تشمل مطالب مثل تغيير النظام، أو الوصول إلى حال مصر وتونس وليبيا، فهي بالتأكيد لم تحقق ذلك، أما إن كان الحراك قائماً على خلق نظام يطلق النقاش السياسي وينص على ضرورة الإصلاح، فمن المرجح أنها نجحت. لذا، برأيه، ينبغي القول إن المغرب بعد 20 فبراير تختلف تماماً عما قبل ذلك.

وأشار طوسة إلى لأن اشتعال الريف غضباً بعد انتفاضته ضد ملابسات الموت المأسوي لبائع السمك سحقاً داخل شاحنة قمامة، تأثيراً كبيراً في الرأي العام، معتبراً أن الحادث تحذير هام وشرارة نار اشتعلت ضد المسؤولين السياسيين الذين ينبغي لهم العمل بقدر ما يستطيعون على منع تكرارها.

لماذا الريف؟

لم ينل الريف شيئاً من مكاسب 20 فبراير التي التهمت القوى السياسية معظمها، فالاحتقان لا يزال مسيطراً على أرجائه، مع استمرار معاناة سكانه من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، بينما تتعامل السلطة مع مطالبهم تارة بالمماطلة والتسويف وتارة بعصا الأمن الغليظة، فيما تخرج الاحتجاجات يوماً تلو الآخر للمطالبة بإلغاء ظهير 1958 الذي يصنف إقليم الحسيمة منطقة عسكرية، مع رفع جميع مظاهر العسكرة عن المنطقة، ومنح الريف حق تدبير شؤونه في إطار نظام من الإدارة الذاتية كجهة ذات صلاحيات واسعة.

ويعتقد الباحث السياسي في الشأن المغربي طيب المسطري أن تمردات الريف في نوفمبر 2016 حتى الآن ترجمت الصعوبات التي تواجهها غالبية المغربيين، وهي الفقر المدقع الشامل الذي أصبح لا يغتفر بالنظر إلى ثراء البرجوازية الكبرى المرتبطة بالنظام المغربي.

واعتبر أن الفجوة السحيقة بين الفقراء والأثرياء، وبين الموظفين والعاطلين وكتلة أشباه البروليتاريا من جانب، والطبقات المسيطرة من جانب آخر، هي التي تشرح الاستياء العميق في المجتمع المغربي.

وأضاف: "فضلاً عن ذلك، تعيش البلاد أزمة اجتماعية حقيقية أكثر عمقاً في الريف، لأن هذه المنطقة مهملة من الدولة منذ زمن طويل، حيث يتم تصنيفها ضمن "المغرب العديمة الفائدة"، ففي اليوم الذي شهد الوفاة المأسوية لبائع السمك، محسن فكري، خرج آلاف الريفيين إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم، بكلمة واحدة كرروها عدة مرات وهي "الحُكرة" (وهي كلمة عامية مشتقة من الاحتقار)، ترجمة لشعورهم بالظلم والإذلال اللذين تقع المسؤولية فيهما على عاتق الدولة".

ويوضح المسطري أن ما جعل الريفيين أصل الانتفاضة المغربية هو أن الواقعة حدثت في ضواحي الحسينية، وهي مدينة ريفية، كما أن المنطقة تتمتع بهوية أمازيغية قوية وممتدة، فضلاً عن تاريخها السياسي الكبير، إذ دفعت بالعديد من الشهداء في المقاومة ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وكل ذلك أعطى مكانة أصيلة لهذه المنطقة في الخارطة السياسية للمغرب.

الريف كان ولا يزال أرض تمردات وانتفاضات، وهو ما يثير الريبة المتفاقمة داخل الطبقة الحاكمة للمغرب. ففي عام 1921، انتفض الريفيون ضد الاحتلال الإسباني الذي استمر 5 سنوات، وهو ما أنجب في ما بعد جمهورية الريف، التي تعد أول جمهورية حقيقية في العالم العربي والإسلامي، وكان يقودها عبد الكريم الخطابي. وبعد تلك اللحظة التاريخية التي أسست الهوية السياسية للريفيين، اندلعت تمردات عدة مثل تمردات 1958، 2011، 2012، و2016.

ورأى الباحث في الشأن المغربي أن النظام الحاكم تعامل مع تمرد الريفيين في 1958 و2012 بمنظور إدارة بوليسية دموية، مضيفاً أن التعاطي السياسي والاقتصادي مع المنطقة لم يكن أقل وحشية، إذ "ظلت مسيرة السلطة لفترة طويلة خاضعة لمنظور الملك حسن الثاني القائمة على مفهوم "جوع كلبك وسيتبعك".

واعتبر المسطري أن اتخاذ الملكية المغربية خيار إهمال المنطقة اقتصادياً لم يعد إستراتيجية مجدية، لأنها لم توقف الاحتجاجات المتواصلة، بل غذت شعور "الحُكرة" لدى الريفيين، بينما لم يدرك نظام محمد السادس، إلا مؤخراً، ضرورة أن يضع في اعتباره الحاجة إلى التحرك على الجانب الاقتصادي بإجراء استثمارات لا تزال متواضعة بالنسبة للريفيين أنفسهم.

"التواصل الاجتماعي"... إحياء الحراك يبدأ من هنا

خرجت الانتفاضة المغربية من رحم مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تلا أسامة الخليفي الذى لم يتخطَّ عامه الـ23 حينها، بيان مجموعة "حركة حرية وديمقراطية الآن" على فيسبوك، داعياً إلى التظاهر في 20 فبراير ضد سوء الأوضاع السياسية في البلاد، ولمناهضة الفساد والاستبداد، لتتبعه معظم القوى السياسية بعدها، ومعها الآلاف من المواطنين.

كل هذا نبّه أعين النظام سريعاً إلى خطورة التجمعات الافتراضية، إلا أن هذا الانتباه لم يستطع منع صفحات المعارضة من الازدياد واحدة تلو الأخرى، مع استمرار تجاهل الحقوق الاجتماعية للمواطنين.

مع تواصل نشاط هذه الصفحات بشكل أكبر في منطقة الريف التي تقود الآن مسيرة الاحتجاجات، يأمل كثيرون أن يستمر الحراك المغربي عبرها، على غرار صفحات 20 فبراير، أملاً في إحداث تغيير جذري يتفادى أخطاء حراك 2011، ويقود البلاد نحو إصلاح حقيقي.

وتوقع المسطري تصاعد حركة الاحتجاجات مع تعمق الأزمة الاجتماعية التي يعجز النظام عن تقديم حلول حقيقية لها، وتعجز القوى القائمة عن اجتراح حلول دائمة توفر العدالة الاجتماعية التى يريدها المواطنون.

وختم: "حالة العمى التي تصيب النظام المغربي وعجزه عن تلبية المتطلبات الأساسية، يغذيان التمردات".

التعليقات

المقال التالي