كيف جمع الروس الأعداء معاً واستعادوا نفوذهم في الشرق الأوسط؟

كيف جمع الروس الأعداء معاً واستعادوا نفوذهم في الشرق الأوسط؟

"روسيا ظلت قوة كبرى لقرون، يجب ألا نهمل ذلك، وألا نتقبل تجاهل رأينا في الساحة الدولية" - من خطاب لفلاديمير بوتين أمام البرلمان الروسي في العام 1999. 

بعد أقل من شهر على التعيين الاحتفالي للجنرال المتقاعد مايكل فلين في منصب مستشار الأمن القومي، استقال المناصر الأبرز لترامب من إدارته، أو أُجبر على الاستقالة.

سبب هذا الإجراء المفاجئ كان افتضاح مكالمة جمعت فلين بسفير روسيا في واشنطن خلال عهد أوباما، يطمئنه فيها إلى أن العقوبات التي فرضها الأخير ستُرفع قريباً في عهد الرئيس الجديد.

لا تخرج فصول هذه القضية عن السياق العام المستجد للعلاقات الروسية - الأمريكية بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وقد تأرجح هذا السياق بين تقارب أكدته التقارير حول المصالح المشتركة بين ترامب وبوتين، وبين "أوراق القوة" (الابتزاز) التي امتلكها الروس ضدّ ترامب (من فضائح القرصنة والمومسات وغيرها) والتي تعيده حكماً إلى مربع المصالح الروسي الأول.

الواقع الأميركي/ الترامبي الذي استجد على وقع تراجع نفوذ واشنطن في منطقة الشرق الأوسط في مقابل استعادة موسكو لمكانتها كقوة عظمى، جعلا الخوف الأمريكي من روسيا أكثر وضوحاً في هذه الفترة.

كيف ذلك؟

في السنوات القليلة الماضية، عاد الروس إلى نقاط شائكة عديدة في منطقة الشرق الأوسط، فأصبح لهم القول الفصل فيها. أقاموا تحالفات جديدة وضمت لائحة أصدقائهم قادة يختلفون في السياسة والمصالح حتى العداء في ما بينهم، لكن الكلّ اجتمع على قاعدة المصالح مع روسيا.

والكرملين الذي تحركه المصالح بدورها، يحركه كذلك الحلم التاريخي بالعودة إلى العصر الذهبي، لتحقيق تطلعات جيوسياسية لا ترجع فقط إلى العهد السوفييتي بل إلى قرون حكم القياصرة. ومع تنامي مشاعر الخذلان لدى حلفاء واشنطن التي تراجع تدخلها في ساحات شرق أوسطية مشتعلة كثيرة، قدّم الروس نموذجاً أكثر قوة وإصراراً ووضوحاً اجتذب حلفاء قدماء وحاليين لأمريكا، وأعداء لها في الآن نفسه.

أقوال جاهزة

شارك غردمع تنامي مشاعر الخذلان لدى حلفاء واشنطن، قدّم الروس لهم نموذجاً أكثر قوة وإصراراً ووضوحاً

شارك غردجولة على مصالح الدب الروسي في دول المنطقة... ومدى نفوذه فيها

يفيد هنا ما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" عن فيودور لوكيانوف، رئيس مجلس السياسات الخارجية والدفاعية في موسكو، في قوله "الشرق الأوسط هو وسيلة لتوضيح أن الغياب الروسي عن المشهد الدولي كدولة عظمى قد انتهى". في مقابل، ما علقت عليه مجلة "نيوزويك" متهكمة بأن الرئيس الروسي استقبل في السنتين الماضيتين 25 من قادة الشرق الأوسط متفوقاً بخمس لقاءات رئاسية على أوباما.

طوال السنوات الماضية، أجمع قادة كثر من المنطقة على أهمية الدور الروسي كما فعل أردوغان، بينما عقد العديد منهم صفقات مع موسكو بمليارات الدولارات كروحاني، في وقت تدخل الروس عسكرياً بشكل مباشر وغير مباشر في ساحات مشتعلة عدة كسوريا وليبيا. وجمعوا بفرادة بين حلفهم مع إيران وإسرائيل، وبين دعمهم لحماس وحزب الله وبين علاقاتهم مع الغرب.

لماذا؟

منذ بداية التسعينات، اضطر الروس إلى التعايش مع مستجدات التقلص الجغرافي غير المسبوق إثر انهيار الاتحاد السوفييتي. بقي حلم العودة القوية إلى الساحة يراودهم طويلاً. وللأحلام، عندما تحين الظروف لتحقيقها، قوة تحرك أصحابها بشكل يكاد يكون هستيرياً. هكذا يفسّر خبراء كثر العودة القوية لروسيا إلى الشرق الأوسط.

يركز آخرون على شخصية الرئيس الحالي الذي ولد في وقت كانت فيه روسيا قوة كبرى تمد نفوذها من أفغانستان إلى المحيط القطبي ومن نهر الألب إلى بحر اليابان. عايش انهيار الاتحاد بينما كان ضابطاً استخباراتياً.

في تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، نعود إلى البداية الحقيقية لصعود بوتين، عندما انتقل إلى موسكو لرئاسة جهاز الاستخبارات، وهناك لفت نظر الرئيس بوريس يلتسين الذي عينه رئيساً للوزراء في العام 1999، قبل سنة واحدة على تسلمه منصب الرئاسة.

بدأت محاولات بوتين باستعادة نفوذ روسيا في محيطها السوفييتي، حارب الشيشان المتمردين، وطارد المعارضين في الداخل، تدخل في أوكرانيا، واصطدم باكراً بالغرب.

أولى اهتماماً كبيراً لميزانية وزارة الدفاع، وخصها بنسبة من الناتج القومي تفوق ما تخصصه دول كبرى لمؤسساتها العسكرية، وذلك برغم المتاعب التي كان يشهدها الاقتصاد الروسي. وعندما حانت الفرصة في الشرق الأوسط، عاد الرئيس بلباس "القيصر" وأعاد النفوذ الروسي إلى دول مشتعلة كثيرة.

ما هي هذه الدول بشكل أساسي؟ وما هي أشكال النفوذ الروسي فيها؟

Infograph-Russia1

1- سوريا

في تقرير كتبه ديمتري ترينين، مدير معهد "كارنيغي" في موسكو في العام 2014، قال إن "ثمّة هدفان استراتيجيان كبيران هما الدافع وراء التدخّل الروسي في الصراع السوري. الهدف الأول هو تحدّي هيمنة الولايات المتحدة في الشؤون العالمية، فيما الهدف الثاني هو مساعدة نظام الرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد المتطرّفين الإسلاميين الذين يُعتبرون من ألدّ أعداء روسيا".

إلى ذلك، تُعدّ سوريا زبوناً أساسياً في حقل صناعة الأسلحة الروسية وأحد المواقع الجيوسياسية القليلة الباقية من المرحلة السوفييتية، فضلاً عن كونها ساحة لمشاركة أكثر من 2500 متطرف روسي في الحرب ضدّ النظام في ظلّ تنامي خطر عودتهم لتخريب روسيا.

خلال سنوات قليلة، انتقل الموقف الروسي من السعي لإجراء حوار سوري - سوري داخلي متمسكاً ببقاء الأسد، إلى موقف أكثر صلابة انتهى بالتدخل العسكري المباشر.

تشير التقديرات إلى تكلفة يومية تتكبدها روسيا جراء تدخلها في سوريا تصل إلى 4 مليون دولار.

استقبل الرئيس الروسي في السنتين الماضيتين 25 من قادة الشرق الأوسط متفوقاً بـ5 لقاءات رئاسية على أوباما

لكن روسيا لا تعتبر ذلك هدراً بحسب تقرير "فورين أفيرز" على سبيل المثال، والذي كان قد أثار في العام 2014 قصة إعادة الإعمار في سوريا بقيمة مئتي مليار دولار، والتي سترعاها روسيا مع كوريا الشمالية والصين وإيران. إضافة إلى التنقيب عن الغاز والنفط في البحر، والذي كانت قد بدأته موسكو بموجب اتفاق مع وزارة النفط السورية بقيمة 90 مليون دولار.

وفي الحديث عن المصالح الروسية في سوريا، تطول اللائحة بين الاقتصاد والسياسة والاستراتيجيا، لكن الواضح أن موسكو قد سحبت البساط بشكل واضح على الساحة السورية من واشنطن.

2- ليبيا

قبل مدة قصيرة، استعاد الكلام عن الدور الروسي في ليبيا بريقه، لا سيما مع ظهور خليفة حفتر في القاعدة العسكرية الروسية.

مع تكثيف الجهود الروسية لدعم حفتر، عاد الحديث عن صفقات واستثمارات روسية بأكثر من 10 مليارات الدولارات، في مجالات الطاقة والتسليح تعود إلى أيام القذافي، وتريد روسيا الحفاظ عليها في هذه المرحلة أو تنشيطها.

اتسمت العلاقات الروسية - الليبية بالتقارب لا سيما مع تصاعد عداء الزعيم الليبي المخلوع لأمريكا. لقد دعمه الروس عسكرياً ومالياً، بينما أتاحت المياه المتوسطية لهم إمكانيات كبرى لجهة بناء جدار عكسري سياسي مع دول ذات ثقل عربي وأفريقي محيطة بالاتحاد الأوروبي وغنية بالنفط بالموارد الطبيعية.

أشار تقرير لـ"بزنس إنسايدر" قبل مدة عن أساليب الروس في استعادة المجد السوفييتي وبينها حرصهم السابق على بقاء نظام القذافي سابقاً عبر استخدام الفيتو ضد تدخل حلف شمال الأطلسي، أما وقد حصل السقوط فيشكل حفتر، الساعي لقتال الإسلاميين والسيطرة على حقول النفط وتجديد الصفقات العسكرية، خياراً جيداً للروس.

وكانت "بي بي سي" قد وصفت موقعه بالنسبة لروسيا كـ"السيسي في مصر، والأسد في سوريا، وعلى صالح في اليمن".

3- العراق

في الآونة الأخيرة، كثر الحديث عن تسليح روسي لفصائل الحشد الشعبي، وعن حوافز استثمارية كبيرة قدمتها الحكومة العراقية للشركات الروسية.

تعود العلاقات العراقية مع روسيا إلى سنوات طويلة ماضية، عندما كانت العلاقات جيدة مع الاتحاد السوفييتي على عكس الدول الغربية. وبعد العام 2003، ركزت روسيا على العراق خوفاً على مصالحها النفطية والتجارية.

في العام 2003، اتسم الموقف الروسي برفض العمليات العسكرية، لكن الانفلات الأمني بعد ذلك وتراجع الدور الأمريكي اغتنمتهما روسيا لاستعادة دور مفقود ولحماية الأمن الروسي من "تهديدات إرهابية" تطال روسيا وإيران والمنطقة عموماً.

قابل ذلك دوافع عراقية بالتقرب من روسيا. على سبيل المثال احتل العراق المرتبة الثانية في العام 2014 لجهة صادرات الأسلحة الروسية بعد الهند، بنسبة 11%. سبق ذلك، في العام 2012، إعلان روسي عن صفقة سلاح مع بغداد بقيمة 4.2 مليار دولار.

 4- دول أخرى

إلى ما سبق، تُضاف المصالح الروسية المتنامية في اليمن، فضلاً عن العلاقات الجيدة بين موسكو وطهران، كثنائي قوة في مقابل التراجع الأميركي، إضافة إلى العقود التجارية والاستثمارية عالية الكلفة التي تجمعهما.

الحلف مع إيران لم يمنع روسيا من بناء علاقات مصلحة جيدة مع إسرائيل على حساب حلف الأخيرة التاريخي مع أمريكا.

أما العلاقات التركية - الروسية، فشهدت فترات توتر عدة، لكن الغالب عليها كان المصالح المشتركة والتي تعززت أخيراً في الملف السوري، بعد تراجع ثقة أردوغان بالسياسة الأمريكية.

وعلى الجانب المصري، تعززت علاقة الكرملين مع السيسي، الحليف التقليدي لواشنطن، فبدأ الحديث عن قاعدة عسكرية روسية في مصر وعن اتفاقات ودعم متبادل.

وعن هذه العلاقات، تعلق دينا أصفندياري، الباحثة في كلية كينغز، قائلة "يشعر الإيرانيون أن الروس يخدعونهم... ولن يصدقوا معهم في وعودهم"، في وقت قالت الخبيرة في المؤسسة البحثية التابعة للكرملين ييلينا سوبونينا "لا توجد أية دولة يمكنها القيام بما تفعله روسيا".

قد يكون هذا هذا الواقع ما يمنع موسكو من الحصول على "صديق حقيقي متين" كما تقول أصفندياري، لكن ما كتبه مدير "كارنيغي" في موسكو يفسّر الأمر بأن "جمال هذه العلاقة أنها علاقة براغماتية/ نفعية صرفة".

بحسب السير لورانس فريدمان، "الاستراتيجية هي فن صناعة القوة"، وهذا ما يلعب عليه الروس، بينما يواجه ترامب عائق العودة كقوة إقليمية كبرى وحيدة في المنطقة، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
ترامب

التعليقات

المقال التالي