حزب الله وإسرائيل وترامب... معركة بين الحروب أم حرب جديدة؟

حزب الله وإسرائيل وترامب... معركة بين الحروب أم حرب جديدة؟

تبنّت إسرائيل على مدى السنوات الخمس الماضية نظريّة "المعركة بين الحروب" في وجه تعاظم قدرات حزب الله. اليوم، مع وصول دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة الأمريكية، تكثر المؤشرات على تغييرات نظرية "أكثر جرأة" تتبناها إسرائيل في مواجهة هذا الحزب.

عرّفت إسرائيل مفهوم المعركة بين الحروب، أو باختصار "مبام"، بأنه سلسلة متصلة من العمليات الهجوميّة المنخفضة الوتيرة التي تقع في فترة الهدوء ما بين الحروب الكبرى، وغايته جعل الحرب سريعة الحسم عندما تقع، ووظيفته منع تعاظم قدرة الأعداء، مع ردعهم عبر كي وعيهم بفكرة السطوة الإسرائيلية، وأمّا ضابطته فهي البصمة الخافتة التي لا تحرج العدو، أي حزب الله، فتتجنّب إسرائيل بذلك خطر التصعيد.

اعلان


تبنّت إسرائيل هذا المفهوم إجرائيّاً: غارات إسرائيلية عديدة غير معلنة استهدفت منشآت وقوافل تقول إسرائيل إنها كانت تحوي أسلحة كاسرة للتوازن تابعة لحزب الله على الأراضي السّورية.

وتركّزت قواعد الاشتباك ضمن الجغرافية السورية دون اللبنانية، وقد ساعدت هذه الخصوصية مع الغموض الإسرائيلي في منع تطور المعركة حول القدرة إلى حرب على الرغم من إدراك إسرائيل أن كميات من أنواع الصواريخ التي دمرتها في سوريا قد وصل بالفعل إلى مخازن ومنشآت حزب الله في لبنان.

قائد قاعدة حيفا البحرية العميد ديفيد ساعر سلما صرّح في حديث مع صحيفة "إسرائيل هيوم" في يناير 2017، بأن حزب الله تحوّل إلى ما يشبه الجيش مع كميات كبيرة من الصواريخ بمديات مختلفة ورؤوس حربيّة متنوعة، معتبراً ذلك تهديداً إستراتيجياً لإسرائيل، في الوقت التي تحدثت فيه صحيفة "معاريف" عن تدريبات تجريها الجبهة الداخلية في القدس بهدف الاستعداد لحماية الكنيست من صواريخ حماس وحزب الله.

المانع السابق

لم توسع إسرائيل نطاق معركتها لتطال الأراضي اللبنانية، رغم تفاخرها بتجميعها بنكاً واسعاً من الأهداف، نشرت منه في ديسمبر الماضي عشرة آلاف هدف، والسبب هو أنها لم تُرد أن تتدحرج المعركة إلى حرب.

سياسياً، كانت إسرائيل محكومة بالضابطة التي أرساها الاتفاق النووي الإيراني. اتفاق الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع الإيرانيين أشعر العالم وكأنّ الحروب الكبرى في المنطقة قد ولّت. لم يكن مسموحاً أن تشعل إسرائيل شرارة مع حزب الله قد تمتد إلى المنطقة برمتها. كان الأمن القومي الأمريكي مقدّماً عند أوباما على الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية التي اعتبرها ملحقة به.

أقوال جاهزة

شارك غردسيلتقي نتنياهو وترامب قريبا وسيكون حزب الله حاضرا على طاولة النقاش.. هل تتجرأ إسرائيل على مغامرة جديدة؟

شارك غردنتنياهو يلتقي ترامب.. فهل تكون نتيجة اللقاء ضوءاً أخضر لشنّ إسرائيل حرباً على حزب الله؟

أرادت إسرائيل للحزب أن يسقط في الميدان السوري دون أن تصعد مباشرةً على الحلبة. استنزف الحزب بشرياً ومالياً في "معركة الوجود" كما صنّفها أمينه العام حسن نصر الله. وحدات النخبة المتمركزة في جبال الجنوب اللبناني والمخولة دخول الجليل وجدت نفسها فجأة في جبال القلمون وسهول حلب. مجموعة من أفضل قيادات الحزب سقطت هناك. كل هذا في وقت تراجعت شعبية الحزب إسلامياً وعربياً، وكانت الدبلوماسية الإسرائيلية تدخل عواصم إسلامية وعربية جديدة.

المتغيّر الجديد

متغيرات كثيرة حدثت في الأشهر الماضية. الرئيس ترامب يتشارك الرؤية الإسرائيلية بالنسبة للاتفاق النووي السيئ. الأمن القومي الإسرائيلي عند ترامب جزء غير منفصل عن الأمن القومي الأمريكي. وبُعيد وصوله مباشرة، فرض عقوبات على إيران وتعهد بمواجهتها مرات عدة.

على الأرجح، لن تحدث مواجهة عسكرية مباشرة بين أمريكا وإيران. لو كانت المؤسسة العسكرية الأمريكية متيقنة من جدوى توجيه ضربة عسكرية لإيران لما ذهبت أصلاً إلى الاتفاق. من هنا، فإن ضرب الأطراف عوضاً عن الرأس سيكون بديلاً ممكناً أكثر نجاعة لترامب ولا يؤدي إلى تدخل أمريكي مباشر.

السؤال الأساسي بالنسبة للإسرائيليين هو متى ستندلع الحرب بين إسرائيل وحزب الله وليس إذا كانت ستندلع أم لا

أحد هذه الأطراف هو حزب الله. هو "سرطان" كما الإسلام الذي اعتبره مستشار ترامب للأمن القومي مايكل فلين سرطاناً. تخطىء الجهادية الشيعية عندما تعتقد أن السقوط الأخلاقي للجهادية السنية سيقابله صعودها. الإسلام الجهادي سواء بحسب النظرة الأمريكية الجديدة، والحزب هو أحد التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تعهد ترامب بمحاربتها.

إسرائيل قادرة على إقناع ترامب بأن القضاء على داعش لا يستوي إلا بالقضاء على حزب الله، وهو بالأصل لا يحبّذ سيطرة حلفاء الأسد على الفراغ الجغرافي الداعشي.

سيدعم كثيرون من المحيطين بترامب هذه النظرة. فمستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط غابرييل صوما قال: "الرئيس مطلع على الوضع اللبناني ويعتبر أن وجود حزب الله في لبنان يتعارض مع قرارات الأمم المتحدة والسياسة الأمريكية".

في الميدان السوري، تغيّرت أمور جوهرية. التقدير الإستراتيجي لإسرائيل لسنة 2017 يتحدّث عن خسارة فرصة استنزاف حزب الله الذي نجا من الوحل السوري، ويواصل نقل كميات كبيرة من السلاح ومنها أسلحة كاسرة للتوازن إلى لبنان.

مؤشرات التغيير

يبدو أن الزمان الإسرائيلي قد حان لنقل المعركة بين الحروب إلى الجغرافيا اللبنانية. مؤشرات كثيرة في الأيام القليلة الماضية تدل على ذلك: رئيس الموساد زار الولايات المتحدة مرتين بعد انتخاب ترامب، على ما أفادت صحيفة هآرتس؛ ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي دعا في يناير 2017 إلى توجيه ضربة استباقية ضد حزب الله، في الوقت الذي ذكر فيه موقع "يديعوت أحرونوت" أن الجيش الإسرائيلي يتدرب على خوض حرب ويستعد لحرب دفاعيّة داخل الأراضي اللبنانيّة.

إلى ذلك، كانت الجبهة الداخلية الإسرائيلية تستكمل استعدادها مع منظومة إنذار جديدة تعمل على البث الإذاعي، وذلك على وقع تصريح وزير التربية والتعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت، بأن السؤال الأساسي هو متى ستندلع الحرب وليس إذا كانت ستندلع أم لا.

الخيارات الإسرائيلية

الخلاف التحليلي يبقى على أسلوب التعامل الإسرائيلي المفترض مع السلاح التهديدي المخزن في لبنان، وتداعيات ذلك.

الخيار الإسرائيلي الأوّل هو التعامل الأمني التفجيري مع المنشآت والمخازن، بحيث تبقى البصمة غامضة ولا تتدحرج الأمور إلى حرب، مع حساب المخاطر التي قد تتعرض لها أي قوات كوماندوس إسرائيلية ستوكل إليها هذه المهمة.

الخيار الآخر هو أن تبادر إسرائيل إلى عمل صاخب ضد مخازن السّلاح، آخذة بالاعتبار احتمالين: إما أن الحزب سيرد بطريقة لا تؤدي إلى حرب بسبب وضعه المأزوم حالياً نتيجة مشاركته في الحرب السورية، وإما أنّ الحزب سيرد بطريقة تدحرج الأمور إلى حرب تعتبر إسرائيل نفسها جاهزة لها، بغطاء ترامبي وغطاء عربي صنّف الحزب كمجموعة إرهابية.

ما رأي حزب الله؟

في خطاب ألقاه أخيراً، قال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أن لا معركة بين الحروب على الساحة اللبنانية، فإما الحرب أو لا حرب، متعهداً بالرد على أي اعتداء إسرائيلي خارج مزارع شبعا.

آخر معادلات نصر الله الردعية رداً على الحديث المتزايد عن بنك الأهداف الإسرائيلي بناها على أساس صاروخ واحد فقط، صاروخ يسقط على معامل الأمونيا أو المفاعل النووي الإسرائيلي سيتسبب بكارثة لإسرائيل.

ونقلت "هآرتس" عن الخبير الكيميائي إيهود كينان أن إصابة سفينة الأمونيا التي ترسو في ميناء حيفا ستتسبب بكارثة تودي بحياة عشرات الآلاف.

فهل تتجرأ إسرائيل على مغامرة جديدة؟ الجواب ربما يكون في لقاء نتنياهو-ترامب في 15 فبراير الجاري في البيت الأبيض.

التعليقات

المقال التالي