تعديلات الدستور التركي..هل تجعل أردوغان الرجل الأقوى منذ أتاتورك؟

تعديلات الدستور التركي..هل تجعل أردوغان الرجل الأقوى منذ أتاتورك؟

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الجمعة عن تصديقه على مشروع قرار يقضي بتعديلات واسعة على دستور الجمهورية، من شأنها إضفاء المزيد من الصلاحيات والسلطة إلى مركزه كرئيس للجمهورية وتغيير نظام الحكم في تركيا من ديمقراطية برلمانية إلى نظام رئاسي يشبه نظرياً النظام الفرنسي.

فما هي هذه التعديلات التي ستسمح لأردوغان البقاء في الحكم حتى سنة 2029 إذا استمر في انتصاراته الانتخابية؟

الرئيس الأقوى للجمهورية

بداية يجب الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم استطاع، بمساندة من الحزب الوطني، إنجاح التصويت في البرلمان على التعديلات الدستورية، ولكن بدون أغلبية الثلثين التي يحتاجها أردوغان لدخول التغييرات حيز التنفيذ.

ما يعني أن الدولة ستقوم بتنظيم استفتاء عام يصوت فيه الشعب على التغييرات الدستورية، وهو استفتاء سيكون بمثابة تقييم لسياسات أردوغان في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

من ضمنها الهجمات الإرهابية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، تفاقم الأزمة مع أكراد تركيا، تصاعد أعمال العنف في المناطق الشرقية التي يشكلون فيها أغلبية السكان، القمع العام للمعارضة ووسائل الإعلام المناهضة له، تداعيات محاولة الانقلاب الفاشلة في شهر تموز الماضي، والانخفاض في قيمة الليرة التركية في الأسابيع الأخيرة.

وستعطي الصلاحيات الدستورية سلطات واسعة لأردوغان، لتجعله الرئيس الأقوى للجمهورية منذ عصر مصطفى كمال أتاتورك.

حتى العام 2029

بداية، سيعطيه الدستور فرصة الترشح لفترتين انتخابييتين في 2019 و2024، وفي حال نجاحه سيبقى في الحكم حتى عام 2029.

أقوال جاهزة

شارك غردستعطي الصلاحيات الدستورية سلطات واسعة لأردوغان تجعله رئيس الجمهورية الأقوى لتركيا منذ مصطفى كمال أتاتورك


كما سيتم إلغاء مركز رئيس الوزراء، حيث ستتركز السلطة التنفيذية في الدولة في منصب رئيس الجمهورية الذي كان رمزياً حتى انتخاب أردوغان. وسيشكل رئيس مجلس الوزراء الذي لن يكون للبرلمان سلطة عليه، مثلاً كإمكانية سحب الثقة من أحد الوزراء.

كما أنه سيكون للرئيس الحق في الإبقاء على منصبه كرئيس للحزب الذي يمثله، ما يعني أنه سيكون له دور في اختيار أعضاء البرلمان المرشحين للانتخابات، وبالتالي سيكون له يد في السلطة التشريعية أيضا. بالإضافة إلى ذلك، سيصبح للرئيس الحق في تعيين عدد من القضاة في المحكمة العليا، ما سيعطيه نفوذاً في السلطة القضائية.

وسيضاف إلى صلاحياته أيضاً إمكانية حل البرلمان.إلا أن المجلس سيكون له صلاحية المطالبة بانتخابات رئاسية جديدة إذا تطور الأمر إلى ذلك.

ومن ضمن التعديلات تخفيض السن الأدنى للترشح للمجلس إلى 18 سنة، والسماح بمقاضاة الرئيس من قبل البرلمان وخلعه من منصبه لجرائم عدة من ضمنها الخيانة العظمى، بالإضافة إلى إلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين.

الضوابط الجديدة

ويقول مسؤولون أتراك وأعضاء في حزب العدالة والتنمية أن التعديلات الدستورية تشمل وضع ضوابط وآليات تحد من استغلال الرئيس للسلطة كإمكانية مقاضاته وقدرة البرلمان على المطالبة بانتخابات رئاسية جديدة، كما أنه في حالة صدور قرار رئاسي لا يتماشى مع القوانين البرلمانية، تكون الأولوية لقرارات المجلس.

يقول المسؤولون إن التعديلات ستحد من التضارب بين صلاحيات رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، والتي سببها الدستور المستعمل حالياً، والذي تمت كتابته تحت رعاية القوات المسلحة بعد الانقلاب العسكري في أوائل الثمانينات.

ويضيفون أن النظام الرئاسي سيحد من حالة عدم الاستقرار والتخبط التي طالما أثرت على الاقتصاد التركي في التسعينات تحت حكومات التحالف البرلماني، والتي شابها الفساد والأزمات الاقتصادية والتضخم اوانهيار الليرة التركية.

حكم الرجل الواحد أم ديموقراطية مباشرة؟

يقول محمد أمين أكباش أوغلو، عضو في الهيئة الدستورية في البرلمان من حزب أردوغان، العدالة والتنمية: "نحن نعتبر هذا الأمر نوعاً من الديمقراطية المباشرة، وسيعطي الشعب السيادة بشكل مباشر. سيكون هناك المزيد من الاستقرار ولن تخسر تركيا المزيد من الوقت حيث أننا سنقضي على مصادر الشك وعدم الاستقرار، كما أن جهاز الدولة سيتم تحجيمه وتفعيله بطريقة أفضل".

أما المعارضة، فهي ترى أن الهدف من التعديلات الدستورية هو ترسيخ سيطرة الحزب الحاكم، وأردوغان شخصياً، على مقاليد الحكم للمدى القريب.

فهم يشيرون إلى حالة عدم الاستقرار الداخلي والتخبط في السياسة الخارجية وتراجع الاقتصاد وازدياد حدة العنف في المناطق الكردية في ظل السيطرة شبه الكاملة للحزب الحاكم على الدولة كأدلة قوية ضد فكرة أن النظام الرئاسي سيؤدي إلى الاستقرار.

كما أنهم يرون أن التعديلات لا تقوم بتحجيم دور رئيس الجمهورية وضبطه بالقدر الكافي، خصوصاً أن الحزب الحاكم مهيمن على البرلمان وبالتالي فإن القيود الدستورية لن تكون عائقاً أمام إردوغان في المدى القريب.

ويقول بولانت تزجان، عضو الحزب الجمهوري المعارض في الهيئة الدستورية، أن التعديلات تمهد لحكم يمكن وصفه بالديكتاتوري.

ويضيف: "هناك أسباب كثيرة لمعارضتنا للتعديلات، ولكن السبب الرئيسي هو أن النظام الديمقراطي في تركيا سيتم استبداله بحكم الرجل الواحد. فكل الصلاحيات، سواء تنفيذية أو تشريعية أو قضائية، سوف تكون متصلة بشخص واحد. وإذا تركزت كل هذه السلطات في يد شخص واحد مهما كان، سيكون ديكتاتور. فالموضوع ليس أردوغان، إنما تغيير النظام".

تصاعد اليمين في تركيا أيضاً

تتركز مخاوف المراقبين لشؤون السياسة التركية في الميول الاستبدادية للحزب الحاكم والرئيس التركي. ويكمن الخوف الأكبر من تحالف أردوغان مع الحزب الوطني، والذي من دون دعمه ما كان بإمكان الحزب الحاكم طرح فكرة التعديلات الدستورية في البرلمان.

والحزب الوطني، مثل نظرائه من الأحزاب اليمينية في أوروبا، مبني على فكرة إقصاء الأقليات وخصوصاً الأكراد من الحياة السياسية، وله ميول فاشية. وقد يكون تصاعد نفوذه في الحكم والدولة العميقة سبباً في القضاء على عملية السلام مع الأكراد، والتي باتت على المحك أو كم يُقال، "كف عفريت".  بالإضافة إلى استمرار إقصاء الأتراك العلمانيين والأقليات الأخرى من الحياة السياسية وتصاعد وتيرة الإسلام السياسي والشعارات الوطنية.

ويبدو أن الحزب الوطني أخذ وعوداً تضمن ازدياد نفوذه من الحزب الحاكم، كإعطاء أحد مناصب نائب رئيس الجمهورية إلى رئيس الحزب الوطني دولت باهتشيلي، وحقائب وزارية واستقدام كوادر الحزب مكان عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين الذين تم فصلهم في الأشهر الأخيرة بسبب ارتباطهم المزعوم بمحاولة الانقلاب الفاشلة في الصيف المنصرم.

ورغم كل هذه الأمور، والتفوق المعنوي والمادي للحزب الحاكم، إلا أن استفتاءات الرأي حتى الآن لا تشير إلى تفوق أحد الطرفين الذين سيصوتون بنعم أو لا في نيسان القادم. وسيتابع العالم المسلسل التركي الذي سينتهي إما بأهم انتصار انتخابي لأردوغان، أو سيضع حدا لطموحه السياسي.

مراسل الشرق الأوسط في صحيفة الغارديان البريطانية

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي