هل تعود الصراعات المسلحة إلى المناطق السُنّية المحررة؟

هل تعود الصراعات المسلحة إلى المناطق السُنّية المحررة؟

قد يعود الاقتتال إلى المناطق السُنّية في مرحلة ما بعد داعش التي ستشهد صراعات كبيرة بين الأحزاب السياسية السُنّية التي تتصارع في ما بينها على جغرافية المدن هناك، وعلى ما قد يأتيها من مُنح ومساعدات مالية لإعادة إعمارها.

أثّر وجود تنظيم داعش في المناطق السُنّية على السلم المجتمعي هناك، وعلى العلاقة بين السكان المحليين. عشائر ارتبطت بالتنظيم وبايعته، وأخرى رفضت أن تكون جزءاً منه أو تخضع له. هذه العشائر الأخيرة قُتل المئات من أبنائها وهُجّر الآلاف منهم إلى مدن ومناطق أخرى.

داعش مهّد للفوضى

عمد تنظيم داعش إلى نشر كل اللقاءات التي جمعته بشيوخ عشائر تلك المناطق في الإعلام. كانت كاميرات فريقه الإعلامي تُركّز على الوجوه الحاضرة. ربما كان يُحضّر للاقتتال في مرحلة ما بعد زواله. كثيرون وثّقوا تلك الصور ومقاطع الفيديو لغرض معرفة مَن هم الذين كانوا يلتقون التنظيم.

بالإضافة إلى ذلك، هنالك ملامح صراع بين القوى السياسية في تلك المناطق، بدأت بوادرها بين الحزب الإسلامي والوقف السُنّي في محافظة الأنبار، وعلى هذا الأساس ستتطور الخلافات إلى ما هو أبعد من ذلك، وقد تتحوّل إلى صراع مسلح يؤثر من جديد على استقرار تلك المناطق.

ويبدو أن ملامح الصراع بدأت تتضح. وسبق أن اتّهم وزير الدفاع الذي ينتمي إلى كتلة سُنية، رئيس مجلس النواب سليم الجبوري بـ"الفساد"، فكان أن اتهمه الأخير بأنه "أداة لتنفيذ صراع سُنّي - سُنّي، خصوصاً أن السُنّة الآن في أضعف حالاتهم بعد احتلال مدنهم ومحافظاتهم من قبل داعش وتشريد الملايين منهم" معتبراً أن وزير الدفاع خالد العبيدي كان مجرد أداة في "هذا الصراع الذي ينفذ هذه المرة بغطاء شيعي".

لكن الجبوري قال في مقابلة صحافية، إنه بعد الذي حصل تحت قبة البرلمان واتهامه بالفساد، "لم يكن يعلم أن الخلاف السُنّي - السُنّي بهذا العمق وهو ما يحصل لأول مرة".

الصراع على الجبنة

يحاول بعض الساسة السُنّة وبعض رجال الدين، أن يتقاسموا جغرافية المدن السنية، لأنهم مقبلون على مساعدات ومنح مالية كبيرة لمدنهم.

وقال الصحافي العراقي عمر الشاهر لرصيف22 إن "الصراع في محافظة الأنبار بدأ على منصب المحافظ وكذلك على منصب قائم مقام قضاء الفلوجة، لأن المتصارعين من السياسيين هنالك يحاولون أن يستحوذوا على مناطق نفوذ معينة".

وأضاف أن "الصراع الآن في محافظة الأنبار يدور حول ثلاثة مراكز هامة، وهي أقضية الرمادي وحديثة والفلوجة، وهذا الصراع قد يتطور إلى صراع مسلح واقتتال بين القوى المتصارعة والتي تمتلك نفوذاً في الأنبار".

وقالت مصادر إعلامية وسياسية فضّلت عدم الكشف عن أسمائها لـ"رصيف22" إن "هناك شخصيات مثل رئيس ديوان الوقف السُنّي عبد اللطيف الهميم، ومحافظ الأنبار صهيب الراوي، وشخصيات دينية وعشائرية وسياسية، تُمهّد لإنشاء شركاتها في تلك المدن".

أقوال جاهزة

شارك غردمخاوف من عودة الاقتتال إلى المناطق السُنية في مرحلة ما بعد داعش، بسبب الصراعات على المكاسب

وتضيف المصادر: "الصراع بدأ في وقت سابق مع بدء عودة بعض النازحين إلى مدينة الرمادي في محافظة الأنبار، عندما تسرّع رئيس ديوان الوقف السني في إعادتهم، مقابل ذلك كان يرفض محافظ الأنبار هذه العودة السريعة، لكن في النهاية عمل الطرفان على إدخال شركاتهما الخاصة بإزالة الألغام إلى هنالك".

المصلحة في عدم الاستقرار

وتتفق النائبة عن محافظة الأنبار لقاء وردي مع المخاوف التي تتحدث عن محاولات البعض إثارة المشاكل في المدن السُنّية بعد تحريرها من تنظيم داعش، وتقول لرصيف22 إن "أجندات سياسية - لم تسمها - تعمل على أن تبقى المناطق السُنّية غير آمنة وغير مستقرة، لأن في ذلك مصلحة لها".

وتضيف أن "المناطق السُنية بحاجة إلى برامج مصالحة مجتمعية تساعدها على التخلص من أزمات الماضي القريب، وتكون بداية إحلال السلام فيها، بعد سنوات من الاعتقالات التي مورست بحق أبنائها وتغلغل الإرهاب فيها".

وقال المتحدث باسم مجلس شيوخ عشائر محافظة صلاح الدين، مروان الجبارة، لرصيف22 إن "داعش لا يمثل عشيره بذاتها، وما جرى هو أن بعض العشائر الصغيرة كان لها تمثيل في صفوف التنظيم الإرهابي، بالإضافة إلى أن الإعلام روّج لصراع قبلي، لكننا في محافظة صلاح الدين نتجه نحو تغليب لغة القانون على الصراعات القبلية والسياسية".

وقال رئيس لجنة حقوق الانسان بمجلس النواب العراقي عبد الرحيم الشمري لرصيف22 إن "الخلافات السياسية في الإنبار ستخلق صراعات مستمرة في المدينة وقد لا تنتهي وتتسبب بأزمات عديدة وكبيرة في البلاد".

وأضاف أن "هناك سياسيين من المحافظة يحاولون استثمار الصراع ليستثمروا في خراب المدينة ويدخلوا شركاتهم للحصول على مشاريع ومقاولات".

من جانبها، قالت النائبة عن محافظة الأنبار لقاء وردي لرصيف22 إن "الخلاف السياسي بين الأحزاب وبين بعض الشخصيات في محافظة الأنبار، يُمكن أن يُساعد على نشوب صراع جديد في المحافظة، خاصة تلك المتعلقة بالقضايا الاقتصادية، فهناك سياسيون يريدون الحصول على أكبر عدد من المشاريع والمقاولات في المدينة".

وأضافت أن "محافظة الأنبار ستكون في الفترة المقبلة وجهة لكل المشاريع الدولية التي تريد إعادة الإعمار وتقدم القروض للدولة العراقية، وهذا ما ينتظره الساسة والشخصيات المتصارعة التي تريد كل واحدة منها حجز مساحة جغرافية معينة لها لتكون مكاناً لتنفيذ مشاريعها".

وقد تعود الصراعات المسلحة والسياسية والعشائرية إلى المناطق السُنّية، في حال عدم تمكن الحكومة العراقية من السيطرة على الأوضاع فيها، واستمرار تسييس الملف الأمني، لكن إذا ما حدث عكس ذلك، فإن القضاء العراقي عليه أن يلعب الدور الأكبر في معالجة الاتهامات والدعاوى التي يرفعها السكان بعضهم على بعض.

وما يؤهل المتصارعين للقيام بدورهم الذي ينتظرونه، هو السلاح المنتشر بكثافة في تلك المناطق، خاصة في المخازن التابعة لتنظيم داعش التي لم تصلها القوات الأمنية العراقية، أو تلك التي خُبّئت تحت الأرض من قبل العشائر ورجال الأمن الذين لم يلتحقوا بالقوات الأمنية منذ عامين وأكثر.

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي