هكذا بدأ عصر ترامب

هكذا بدأ عصر ترامب

واضعاً يده على نسختين من الإنجيل إحداهما إنجيل طفولته والآخر إنجيل لنكولن الذي حلف عليه أوباما اليمين، ردد دونالد ترمب القسم الرئاسي ليصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.

يدخل ترمب البيت الأبيض وسط زوابع بدأت منذ ترشيحه ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً. فالرئيس الجديد يبدأ ولايته بمعدل قبول متدن بلغ 40% بين المواطنين الأمريكان وهو ما لم يسجله رئيس في بداية ولايته منذ عقود.

screen-shot-2017-01-20-at-2-25-07-pm الفرق الجماهيري بين حفلي تنصيب أوباما (2009) وترمب اليوم

في حفل موسيقي أقيم عشية حفل التنصيب أعلن ترمب أنه يود أن يوحد كل الأمريكيين. ولكن السؤال هنا كيف سيتمكن من ذلك والولايات المتحدة في حالة انقسام واستقطاب لم تشهدها منذ زمن بعيد.

فحفل تنصيب الرئيس الذي يعتبر مناسبة يتمنى كبار الفنانين أن يتم اختيارهم ليحيوها، ابتعد عنها نجوم الفن الأمريكي المشهورون وكأنها عار سيلحق بكل من يشترك فيه. ولهذا لم يجد المنظمون سوى جاكي إفانتشو ذات الستة عشر عاماً من برنامج المواهب الأمريكي لتغني النشيد الوطني الأمريكي، مع مجموعة من طلبة جامعيين من الجنوب، ومجموعة منشدين دينيين من المورمون.

في خطاب التنصيب هاجم ترمب المؤسسة السياسية في واشنطن وقال "نحن اليوم ننقل السلطة لا من حزب لآخر بل من واشنطن إلى الناس".

وأضاف أن هذه المؤسسة بعيدة عن أحلام الناس العاديين ومشاكلهم في العمل والحياة. كما تحدث عن انتشار الجريمة والمخدرات ومصاعب التعليم وانتقال الشركات إلى الخارج وفقدان الأعمال. وأعاد التأكيد على أن الولايات المتحدة دافعت عن حدود الدول الأخرى في الوقت الذي فشلت فيه في الدفاع عن حدودها، وأن الولايات المتحدة جعلت أمماً أخرى غنية فيما تقفل المصانع في الداخل، وهو ما استنزف الطبقة الوسطى. وفي هذه الإشارات انتقاد لكل من حلفاء الولايات المتحدة في الناتو والصين.

وقال إن هناك رؤية جديدة ستحكم الولايات المتحدة من الآن وصاعداً ستكون وفق مفهوم "أمريكا أولاً" وستكون المعيار لاتخاذ كل القرارات على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وكرر في خطابه ما تعهد به سابقاً من إعادة الوظائف للداخل، وإعادة بناء البنية التحتية. وقال إنه سيسعى للصداقة مع كل الدول وفق مصلحة الولايات المتحدة، وإنه سيشكل تحالفات جديدة وسيمحو التطرف الإسلامي من على وجه الأرض. وفي هذا إشارة ضمنية إلى ما قد ينتويه من التعاون مع الروس فيما يخص الملف السوري.

أقوال جاهزة

شارك غردكلمات لرجل دين يهودي وآخران مسيحيان في حفل تنصيب ترامب، من دون أي ممثل عن المسلمين.. هكذا بدأ عصر ترامب

شارك غردحفل تنصيب قاطعه الكثيرون، ومظاهرات وأعمال شغب واعتقالات في العاصمة الأمريكية.. هكذا بدأ عصر ترامب

وقال إن أمريكا محمية من قبل الله ورجال الأمن والجيش، مهاجماً السياسيين الذين يتحدثون ولا يفعلون شيئاً. وتعهد بإعادة الازدهار إلى أمريكا.

أشار ترمب بكلمات عامة عن الوحدة بين الأمريكيين بغض النظر عن لون بشرتهم ولكنه لم يتحدث صراحة ليطمئن المهاجرين أو المسلمين حول سياساته القادمة.

ثم تلى ذلك كلمة من مارفن هاير Marvin Hier، رئيس مركز سيمون وايزنثال Simon Wiesenthal Center وهو أحد أهم المراكز التي تعنى بحقوق اليهود في العالم، كما أن مارفن هو أحد أهم الحاخامات وأكثرهم نفوذاً في أمريكا.

بارك الحاخام مارفن ترمب وتمنى له التوفيق. وأشار في كلمته إلى عبارة من العهد القديم تقول: "إذا نسيت القدس فلتشل يدي اليمنى" وهي تعيد إلى الأذهان ما تعهد به ترمب حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس خلافاً للتقليد الأمريكي الذي جرت عليه كل الإدارات الأمريكية السابقة جمهورية كانت أم ديمقراطية. ثم تحدث رجلا دين مسيحيان ولم تكن هناك كلمة من أي رجل دين يمثل المسلمين.

انتهى الحفل بعد الخطاب بقليل وكان أول المغادرين الرؤساء السابقين ومنهم بيل كلنتون وزوجته هيلاري المرشحة الخاسرة أمام ترمب والتي مدت يدها بابتسامة واسعة لتصافح العديد ممن أرادوا تحيتها. ثم غادرت وزوجها برفقة الرئيس السابق جورج دبليو بوش وزوجته. وقاطع الحفل ما يقرب من 50 عضواً ديمقراطياً من أعضاء الكونغرس.

جاء خطاب التنصيب حاملاً سمات ترمب الشخصية وميالاً للتحدي أكثر من المصالحة. كرر ترمب أفكاره في كيفية مواجهة المشاكل بأسلوب مباشر أقرب لرجل الأعمال منه للسياسي ذي الرؤية والمنهج. كما عزفت كلماته على وتر الوطنية الأمريكية بنغمة انعزالية غاضبة تنذر بعمل أحادي بدل أن تعرض يداً للعمل المشترك. فهو لم يتحدث إلا تلميحاً عن العمل مع الآخرين للتعامل مع مشاكل عالمية مثل الإرهاب، والاقتصاد، والحدود وغيرها. كما أن ما ردده عن أنه لن يكون هناك تجاهل للمواطنبن العاديين يصطدم بوجوه أصحاب الملايين الذين تزدحم بهم إدارته.

إن الزعامة الدولية تختلف جذرياً عن إدارة شركة أو حكم بلد بشكل انعزالي. وخطاب ترمب، البسيط في لغته والمتحدي في نبرته، لم يقدم رؤية واضحة لدور الولايات المتحدة كقوة عالمية عظمى تعمل مع القوى الأخرى في عالم شديد التعقيد. وهذا التبسيط في الطروحات يعكس رؤية أحادية تظن أن الزعامة هي إملاء وليست عملاً مشتركا وفهماً عميقاً وعلمياً للمشاكل الدولية.

أما على صعيد ردود الأفعال على تنصيب ترمب فقد تظاهر الآلاف ضد ترمب في العاصمة الأمريكية. وتم اعتقال ما يقرب من 95 متظاهراً هاجموا ممتلكات خاصة ومحال تجارية.

Inauguration Day: PARADE

وقال مدير الأمن الداخلي في العاصمة الأمريكية إن إدارته تتوقع أن يرتفع عدد المتظاهرين ضد ترمب يوم السبت إلى ما يقرب 400 ألف متظاهر. وقال إن إدارته تراقب حجوزات القطارات المتجهة إلى واشنطن العاصمة، وحجوزات الفنادق لتقدر العدد الذي سيشترك في المظاهرات المناوئة لترمب.

وكانت فكرة المظاهرات هذه قد بدأت بصفحة على الفيسبوك أنشئت بعد وقت قليل من إعلان فوز ترمب تحت شعار "مسيرة النساء في واشنطن".

ولكن المخاوف التي يبديها المعارضون لترمب لا تقتصر على النساء فقط بل تتعداهم إلى مجتمعات المهاجرين، والمسلمين، واليهود وناشطي حقوق الانسان والمرأة. ولذلك سيشترك في إلقاء الخطب يوم السبت العديد من ممثلي جمعيات مدنية تمثل تلك المجتمعات مثل المخرج الأمريكي المشهور مايكل مور، وممثلين عن منظمات نسائية، وإسلامية إضافة إلى رجال دين يهود.

إن الملامح الأساسية للإدارة الجديدة لم تتضح بعد ولكنها توحي بتحديات جديدة وتغييرات في التعامل مع المشاكل العربية.

ولكن هل من الممكن أن  نحلم بأن يتدارك العرب أنفسهم ويبادروا إلى محاولة التعاطي المنطقي الجاد فيما بينهم وبين القوى الاقليمية في الشرق الأوسط لحلحلة المشاكل في منطقتهم بدلاً من اعتماد سياسة رد الفعل المعتادة على ما يأتي من واشنطن؟

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي