ثلاثي حفتر - ترامب - بوتين في ليبيا: أي مصالح تجمعهم؟

ثلاثي حفتر - ترامب - بوتين في ليبيا: أي مصالح تجمعهم؟

ينشط اللواء الليبي خليفة حفتر على جبهات عدة اليوم، يُقسّمها بين السياسة والعسكر. هو "نجم" ليبيا من دون منازع بعد سقوط القذافي. المعجبون به كثر من دون أن يتفوقوا في ذلك على خصومه.

يتحالف مع روسيا من أجل صفقات تسليح تساعده في "حربه ضدّ الإسلاميين"، يعبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن دعمه له لرسم مستقبل ليبيا في وجه التطرّف، يزور مصر من أجل التنسيق ويحظى باهتمام إماراتي، ثم تحتفي إيطاليا بدوره العسكري البارز.

فما هي الأفق المرسومة لدور حفتر في بلد غارق في الصراعات، وتحديداً عبر ذلك المثلث الذي يجمعه ببوتين وترامب؟

صعود "النجم"

بعد سقوط القذافي، بدت ليبيا على هامش اهتمام الإعلام العربي، لم يحظَ جوّ الصراع الذي ساد بعد ذلك، ووصول الإسلاميين إلى الحكم ثم تصاعد عمليات الاغتيال بمعدل عشر عمليات يومياً، بحصة كافية من المتابعة.

لكن حفتر أعاد الأنظار إلى ليبيا. هو اللواء الذي وقف على مسافات مختلفة من الصراعات التي دارت على السلطة منذ الستينيات، حارب في البداية من أجل القذافي فعيّنه الأخير قائداً لأركان القوات المسلحة، ثم انقلب على النظام بعدما "تخلى عنه القذافي" عندما قُبض عليه في مهمة في تشاد.

لسنوات عاش في منفاه في الولايات المتحدة وتحدثت تقارير عدة عن قربه من جهاز الاستخبارات الأميركية، ليعود في العام 2011 مع بدء الأحداث في ليبيا. حارب مع الجماعات المعارضة الإسلاميّة، ثم انقلب عليها. اختفى لفترة قصيرة، ثم - مستفيداً من خلفياته العسكرية - أصبح من أبرز القادة العسكريين لقوات المعارضة الليبية في الشرق. في العام 2014، ظهر وهو يخطط لإنقاذ البلاد من المؤتمر الوطني العام غير الشرعي.

أعلن ابن أجدابيا حربه على "الحكومة التي يسيطر عليها الإسلاميون"، الذين اتهمهم بالمسؤولية عن التفجيرات والاغتيالات، وحظي في ذلك بمساعدة العديد من الجماعات المسلحة، كما بشعبية لدى الليبيين الذين رأوا كيف فشل المؤتمر الوطني بإدارة المرحلة الانتقالية فشلاً ذريعاً.

في العام الماضي، تولى فائز السراج مسؤولية حكومة الوفاق الوطنية، وحظي بدعم الأمم المتحدة والغرب وعدة دول أفريقية، وامتنع عن قتال حفتر داعياً إلى حوار وطني. في المقابل، رفض حفتر مراراً الخوض في أي عملية ديموقراطية "قبل دحر التطرّف"، فبقيت العلاقة بينه وبين السراج تراوح بين شدّ وجذب في مفاصل السياسة الليبيّة.

واليوم، مع ظهور الدعم القوي للأخير من موسكو وواشنطن، طُرحت الأسئلة بشأن مستقبل العمليات العسكرية في ليبيا، وهل تصل بالجميع إلى الغاية المنشودة أم تؤدي إلى مزيد من الصراعات لا تطيح الإسلاميين بالضرورة؟ وما الحصص التي سيتم تقسيمها بين "الحلفاء" تحت عنوان "محاربة الإرهاب"؟

صفقات مع موسكو

ضاعفت الانقسامات السياسية الليبية، وتداعياتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، قصور المجلس الوطني في التصدي للصراع الدائر. في المقابل، بدت السلطة الموازية بقيادة حفتر ورقة رابحة في يد الأطراف الخارجية التي تحاول تعزيز دورها ليبياً.

ألقت روسيا بثقلها لدعمه وخرجت بمعادلات مغرية. خلال الأسبوع الماضي، زار اللواء حاملة الطائرات الروسيّة أميرال كوزنتسوف، والتقى ضباطاً روسيين، وبحث في اتصال مصوّر مع وزير الدفاع الروسي شؤون مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط. فما هي خلفيات هذا التقارب؟

كشفت زيارات حفتر الرسمية لموسكو عن صفقات بمليارات الدولارات جرى النقاش بشأنها، بينها تسليحه، وأخرى تتعلق بالنفط وباكتساب موطئ قدم قوي لروسيا في البحر المتوسط بعد تدخلها في سوريا.

تلقى حفتر وعوداً بدعم مطلق في إنهاء حظر التسليح المفروض على ليبيا، فضلاً عن دعم عسكري يتضمن الإمدادات اللوجيستية وتدريبات جيشه، مع العلم أن حكومة طبرق كانت قد حظيت بدعم مالي روسي بقيمة 2.9 مليار دولار. في المقابل، يسعى الكرملين لاستعادة نفوذ كان قد خسره بعد سقوط القذافي. في عهد الأخير، كانت قد أبرمت صفقة سلاح تقدّر بمليارات الدولارات، وجرى الحديث عن السماح لروسيا باستخدام ميناء بنغازي أو إقامة قاعدة عسكرية داخل ليبيا.

أقوال جاهزة

شارك غردما هي الأفق المرسومة لدور اللواء حفتر في ليبيا، وتحديداً عبر ذلك المثلث الذي يجمعه ببوتين وترامب؟

مع سقوط العقيد توقفت الاتفاقيات، فيما يشكل الاتفاق مع حفتر فرصة للنقاش فيها مجدداً. وتبقى للنفط مساحة كذلك من النقاش، لا سيما أن قوات اللواء كانت استولت سابقاً على "الهلال النفطي" الليبي من "حرس مرافق البترول" المتحالفة مع "حكومة الوفاق الوطني"، وهددت بالتقدّم نحو طرابلس و"تحرير" حقول النفط الجنوبية - الغربية.

غزل مع واشنطن

قبل وصول ترامب إلى الحكم، بدت واشنطن حائرة بشأن التعامل مع حفتر. صحيح أنه مقرّب من الدوائر الأميركيّة، ويقف في وجه التطرف الإسلامي في البلاد، لكن مسؤولين كثراً كانوا يتخوفون من عرقلته لـ"عمليّة السلام" في البلاد.

مع انتخاب الرئيس الجديد رحّب حفتر بالنتائج، وقابله صاحب البيت الأبيض الجديد بالمثل. بداية، وفي تصريحات غير مسبوقة، أشاد المبعوث الأميركي في ليبيا بما أسماه "تضحيات الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير حفتر، في المعارك في بنغازي". ثم أتى الدعم أكثر زخماً مع خروج التسريبات بشأن لقاء ترامب مع مسؤولين إيطاليين والنقاش بشأن ليبيا.

الأوضاع المتأزمة هناك، لا سيما بعد تدخل "الناتو"، شكلت مادة دسمة في الحملة الانتخابية لترامب في وجه المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون التي اتهمها خصمها الجمهوري بالتسبب بكوارث ليبيا. في تلك الفترة، تعهد ترامب القضاء على "داعش" هناك من دون الإشارة لحفتر.

ولكن بحسب ما نشرته صحيفة "لا ستامبا" الإيطالية قبل يومين، نقلاً عن دبلوماسيين إيطاليين التقوا ترامب، فإن الأخير "يميل إلى دعم حفتر والتخلي عن حكومة الوفاق الوطني الليبية". وقد أشارت "لا ستامبا" إلى أن "اتصالات إيجابية جرت بين فريق ترامب ودبلوماسيين إيطاليين. والانطباع العام هو أن الرئيس الأميركي سيؤيد دعم روسيا لحفتر في ليبيا إذا ما اقتنع أنه سيحرر طرابلس من الإرهابيين"، مشيرةً إلى أن "فريق ترامب أبلغ محاوريه الإيطاليين أن التركيز سينصب على التصدي للإرهاب، بينما بات النهج المتبع حتى الآن في دعم حكومة السراج في طرابلس قابلاً للتغيير".

مخاوف المستقبل

مع اصطفاف ترامب إلى جانب السياسة الروسية المناهضة للإسلاميين والداعمة لجهود مكافحة الإرهاب، يُفتح المجال أمام الطرفين للاتفاق حول طريقة التعاطي مع الملف الليبي. يُضاف إليهما الجانب الإيطالي، إذ علق وزير الخارجية الإيطالي قائلاً إن "الاتفاقيات المحتملة بين الجنرال حفتر وروسيا والتقدم الروسي في الساحة الليبية بعد سوريا يدفعنا إلى مزيد من العمل ليكون لنا دور قيادي في المشهد الليبي حتى من خلال الحوار مع حفتر".

يُذكر أن للدول الأوروبية الواقعة على شاطئ البحر المتوسط مصالح كثيرة في ليبيا تتعلق بالاستثمارات الكبرى في مجال النفط وفي مشاريع إعادة إعمار ليبيا، كما في السيطرة على النزاع تفادياً لتدفق الأعداد الهائلة من اللاجئين إلى شواطئها.

في جانب آخر، يتخوف المراقبون من أن يؤدي الدعم العسكري لحفتر إلى انهيار العملية السياسية بعد انتفاء حاجته إلى التفاوض مع حكومة الوفاق. ترى دراسة لمركز "كارنيغي" أن حفتر على الأرجح غير قادر على نشر الاستقرار في ليبيا بكاملها على الرغم من طموحاته، و"ذلك قد يقحمه في نزاع مع العديد من المجموعات المسلّحة التي ترى فيه تهديداً وجودياً، ما يؤدّي إلى مزيد من الفوضى".

وبحسب الباحث المتخصص في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" أندرو أنجل في بحثه حول "إمكانية اندلاع حرب شاملة في ليبيا" فإن آمال المراقبين بأن يتمكن "المجلس الرئاسي" من جمع الفصائل السياسية والمسلحة معاً من خلال سيطرته على عائدات النفط الليبية وقدرته على تلقي مساعدات أمنية قد انهارت.

في ضوء ذلك، اختار "حرس مرافق البترول" الابتزاز على تصدير النفط، ولم تساهم محاولات "حكومة الوفاق الوطني" لتبسيط الأمن إلا بإحداث المزيد من الفوضى. وفي الخلاصة، يتمتع حفتر بنفوذ يفوق نفوذ منافسيه، مع ذلك فهو ليس أكيداً أنه يستطيع تكرار نجاحاته في الشرق في كل من مصراتة وطرابلس، وهذا ما يعني أن التقدّم نحو الغرب، بدعم خارجي، لن يجلب سوى المزيد من الخراب إلى ليبيا.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
ترامب ليبيا

التعليقات

المقال التالي