تقرير استخباراتي أمريكي: روسيا تبتزّ ترامب بفضائح جنسية؟

تقرير استخباراتي أمريكي: روسيا تبتزّ ترامب بفضائح جنسية؟

قبل حوالي الشهر تقريباً، أثار ازدراء الرئيس المنتخب دونالد ترامب للتقرير الذي أعدته وكالة الاستخبارات المركزية "السي آي إيه" CIA عن تدخل روسيا في الانتخابات الأمريكية القلق من فجوة غير مسبوقة بين الرئيس الأميركي وبين الوكالة، التي تشكّل مصدراً رئيسياً لأخبار البلاد.

بات القلق واقعاً، مع انفجار الأزمة علناً بين الطرفين، إثر تقرير أعدته "السي آي إيه" عن فضائح جنسيّة يمتلكها الروس عن ترامب ويستغلونها للضغط عليه، فيما خرج الأخير ليتهّمها باعتماد "أساليب نازية"، مهدداً أجهزة الاستخبارات "غير الحكيمة إلى حد بعيد" بتحمّل عواقب نشر وتسريب معلومات كاذبة ومختلقة عنه".

اعلان


صفقات وفضائح جنسيّة؟

باختصار، ثمة تقرير من 35 صفحة، نشره موقع "بازفيد" BuzzFeed كاملاً، وفيه معلومات ومدونات لعميل الاستخبارات البريطاني السابق كريستوفر ستيل الذي تعتبره "السي آي إيه" ذا مصداقية، وجرى تلخيص ما فيه بصفحتين وعرضهما على الرئيس السابق وأعضاء الكونغرس، بينما نشرت وسائل إعلام كـ"سي أن أن" و"نيويورك تايمز" المعلومات.

وفي التقرير أن الروس يمتلكون ملفاً كاملاً يضغطون به على ترامب، وأهم ما فيه تسجيلات مصوّرة لترامب مع مومسات في موسكو، في ما جرى تسميته بـ"كومبرومات" (معلومات محرجة)، وهو مصطلح سوفييتي راج للتعبير عن جمع معلومات محرجة عن طرف ما لاستخدامها بغرض الابتزاز.

نفى ترامب الأمر جملة وتفصيلاً، وهدّد في مؤتمر صحافي "الجهاز النازي" بالمحاسبة، وإن اعترف في مكان ما بوجود تدخل روسي في الانتخابات الأمريكية، مصراً على موقفه الداعي إلى التقرّب من موسكو.

وصبّ،  قبل أيام على انتقاله إلى البيت الأبيض، جام غضبه على محطة "سي أن أن" باعتبارها "مروجة الأخبار الكاذبة" رافضاً الرد على مراسلها في المؤتمر، كذلك على "بازفيد" لأنه "كومة قذارة في تراجع، سيتحمل العواقب، وقد بدأ يتحملها".

الروس، الذين نفوا تدخلهم في الانتخابات الأمريكية، اعتبروا من جهتهم ادعاءات "السي آي إيه" بامتلاك فيديوهات لترامب "محض خيال"، وفسروا تسريب التقرير بـ"محاولة تقريب العلاقات بين البلدين". وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف إن "بعض الأشخاص يؤججون هذه الهستيريا.. وهي حملة سياسيّة مغرضة".

لماذا فجرت "السي آي إيه" القضيّة؟

كلّ شيء يبدو وارداً في هذا الملف، لكن طرفي العلاقة فيها سارعا إلى نفيها، فما قد تكون دوافع "السي آي إيه" لتفجيرها في هذا التوقيت بالذات وبهذا الشكل؟

لا يبدو انتقال السلطة إلى الرئيس الـ45 سلساً في الولايات المتحدة. هو واحد من الأكثر تعقيداً في تاريخ البلاد. العلاقة بين "السي آي إيه" وترامب ليست في أحسن أحوالها إطلاقاً، أما في جعبة الجهاز، فيوجد الكثير من التقارير "غير البريئة" التي جرت فبركتها من أجل مصالح سياسيّة، وحرب العراق خير مثال.

يُفسّر محللون الأمر، بأن ذلك يعود إلى صراع "الدولة العميقة" من أجل إثبات وجودها في ظل هذا الانتقال المربك للسلطة، إذ تحاول الأجهزة و"النخب" أن تفرض لنفسها واقعاً جديداً، يعطيها سطوة وهيبة في مواجهة العدائية التي يُقابلها بها الرئيس الجديد.

في المقابل، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" Washington Post عن مسؤولين أميركيين قولهم إن الأمر بات معروفاً منذ مدة، والمعلومات التي وصلت حتى إلى جهاز الـ"أف بي آي" لم يعد بالإمكان تجاهلها، وكان لا بدّ من تبادلها مع المعنيين كي لا تبدو الأجهزة غير مطلعة على أي معلومة يمكن أن تظهر في مرحلة معيّنة ويجري استغلالها.

أقوال جاهزة

شارك غردليلة أقلقت السي آيه إيه راحة ترامب: تقرير استخباراتي يتخوّف من فضائح جنسية حول ترامب بيد روسيا

شارك غردترامب لن يتوقف عن إدهاش الأمريكيين والعالم... هل يكون تقاربه من روسيا بسبب فضائح جنسية؟

وشرحت الصحيفة كيف جمعت شركة ضابط الاستخبارات البريطاني السابق، وهي شركة خاصة، المعلومات، وذلك بعدما تمّ التعامل معها من أجل القيام ببحث سياسي وأمني في واشنطن. وتوضح أن الشركة كانت تعمل بداية لصالح خصوم ترامب من الجمهوريين، لتقدم خدماتها لاحقاً للديموقراطيين.

وقالت الصحيفة إن المسؤولين اعترفوا أن كل هذه الادعاءات لا يمكن إثباتها بسهولة، لكن كان من الضروري تناقلها من أجل التحذير من تبعاتها إن كانت صحيحة.

وفي "الرواية الكاملة" التي نشرتها صحيفة "الغارديان" The Guardian لقصة الادعاءات منذ بدء الشركة الخاصة بحثها، يظهر اسم السيناتور جون ماكين الذي تابع البحث مراراً.

الأخير طلب التأكد من المعلومات فقالوا له بأن الأمر صعب ويتطلب أبحاثاً، لم يبد متحمساً لذلك لكنه رأى أن من الضروري إطلاع المسؤولين على النتائج، فـ"المعلومات استثنائية وإن كانت غير مثبتة".

إلى جانب الفضائح الجنسية، ومن ضمنها أن ترامب أحضر مجموعة من المومسات للتبول على السرير الذي نام عليه أوباما في وقت سابق، يصوّب التقرير على الاتفاقات السريّة بين روسيا "التي تهدف إلى إضعاف الغرب" وترامب، أثناء زيارة ترامب موسكو في العام 2013.

تقول "الغارديان" إن ما حصل في "الريتز كارلتون" في موسكو لا يمكن أن يثبت كما جاء في التقرير، عدا ربما نية موسكو بإضعاف الغرب. كما تنتقد الصحيفة عدم اعتماد التقرير على مصادر ذات مصداقية، فهو لم يذكر أي أسماء، واكتفى بكلمة "مسؤولين".

"المؤتمر الهزلي"

بدورها، علّقت مجلة "نيويوركر"  The New Yorker على الشكل "الهزلي" الذي اتخذه مؤتمر ترامب الصحافي في "ترامب تاور"، على عكس الشكل المعروف للمؤتمرات الصحافية الرئاسيّة.

وعن المضمون، رأت أن ترامب استفاد من فكرة أن التقرير لا يمتلك أدلة قاطعة بشأن الادعاءات، ليبدأ بالاستهزاء بالصحافيين وبالناس، وكي لا يجد نفسه في عجلة من أمره ليوضح أمور كثيرة عن علاقاته المشبوهة والاتهامات التي تطاله.

وعلقت المجلة على جوابه عندما سُئل ما إذا كان فعل شيئاً في بطرسبرغ وموسكو قد يجعله هشاً إزاء التسريبات، إذ بدأ يشرح عن أهمية الخصوصية في الفنادق. وقال "الكاميرات الحديثة توضع في غرف الفنادق من دون أن تراها أو تعلم بوجودها. من الضروري الانتباه. أحذّر الناس من ذلك طوال الوقت".

واستغل ترامب المؤتمر ليعلن تسليم إدارة المجموعة العائلية إلى ابنيه إريك ودونالد جونيور، واتخاذ تدابير إدارية أخرى بهدف منع قيام تضارب مصالح مع مهامه الرئاسية.

وكشفت محاميته نيته تحويل أي أرباح تنجم عن نزول شخصيات حكومية أجنبية في فنادق ترامب إلى الخزانة الأمريكية، بينما ستتخلى منظمته عن أي عقد جديد في الخارج، وسيتحتم على العقود داخل الولايات المتحدة الحصول على موافقة مستشار للأخلاقيات يعين في مجلس إدارة المجموعة. وسيبقى هو مساهماً في مختلف هيئات "منظمة ترامب"، لكنه سيستقيل من كل مهامه فيها.

في المحصلة، لا تعد الاتهامات التي تلاحق ترامب، حول فضائحه الجنسية أو علاقاته الداخلية والخارجية، جديدة، وإن كانت الأخيرة أبرزها. ليس ترامب بريئاً في هذا الإطار، كما في المقابل لا يمكن مقاربة خطوة جهاز الاستخبارات بالبراءة عينها.

انتقال السلطة بدأ يأخذ أشكالاً مختلفة من الصراعات الداخلية، التي يجري تظهير بعضها بينما تدور الأخرى في الظلّ. كل ذلك، والإعلام الأمريكي  يبدو مستمتعاً، بقدر ما هو خائف، من استعراضات ترامب "غير المألوفة" وفق "إتيكيت" الرئاسة الأمريكية.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي