حزب الله: دويلة تتمادى في القمع الاجتماعي؟

حزب الله: دويلة تتمادى في القمع الاجتماعي؟

تشهد منطقة النبطية في الجنوب اللبناني معركة لإقفال المحال التي تقدّم الكحول، ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة. إذ طلب بعض الأهالي من بلدة كفرّمان (قضاء النبطية)، وضع حدّ لبيع "الخمور المخالفة للدين والمفسدة للمجتمع".

وقد اتهمت وسائل إعلامية عناصر حزب الله بالوقوف خلف هذه الخطوة، التي لم يتبناها أو يستنكرها هو من طرفه بشكل رسمي.

اعلان


تتكرر محاولات الحزب لفرض سيطرة اجتماعية في مناطق نفوذه في لبنان، بعضها رسمي وبعضها مموه، في إطار ما بات يصفه البعض بإقامة "دويلة حزب الله".

hezbollah_curated_1024

مرشد للجمهورية اللبنانية؟

في بيروت، يتداول بعض الناشطين السياسيين، نكتةً تقول إنه بات للجمهورية اللبنانية مرشد يدير الأمور العامة في البلاد، ويحدّد أولوياتها، وما على الحكومة القيام به أو تأجيله. فاعتاد اللبنانيون خلال السنوات الماضية، إطلالة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، عبر الشاشة ليعطي توجيهات عامة لسير الحياة السياسية، بدءاً من عنوان “ملء الشغور الرئاسي”، وصولاً إلى تثبيت متطوّعين في جهاز الدفاع المدني.

وما “نكتة المرشد” سوى تعبير عن السلطة التي يملكها الحزب في الداخل اللبناني، بعد تحوّله إلى قوّة عسكرية وأمنية، سيطرت على لبنان في العقد الأخير، وانطلقت إلى خوض حروب إقليمية من سوريا والعراق، وصولاً إلى اليمن.

ويأتي الكلام عن “المرشد”، استكمالاً لمقولة “دويلة حزب الله” في لبنان، وهو شعار لطالما رفعه معارضو الحزب، منذ بدء التحوّل السياسي عام 2005 بعد اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وما لحقه من أحداث واغتيالات.

كل مقومات الدويلة

الحزب الذي يعلن باستمرار التزامه بنهج الولي الفقيه، ونهج المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، بات ذراعاً أمنية وعسكرية وسياسية لإيران، منذ تسعينيات القرن الماضي.

وإذا كان حزب الله رفع شعار "الدولة الإسلامية في لبنان" عند تأسيسيه، فقد أعاد نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، قبل أشهر، التأكيد على أن هذا المشروع لا يزال مطروحاً.

وانتقل الحزب من مقاومة مسلحة للعدو الإسرائيلي (بعد تحرير عام 2000)، إلى قوة سياسية محلية، مدعومة من النظام السوري، الذي بقي وصياً على لبنان حتى عام 2005.

وتتهمّ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، التي تحقق في اغتيال الحريري، أعضاء منه بارتكاب هذه الجريمة، إضافة إلى اتهامات أخرى لاغتيال وتصفية عشرات الشخصيات السياسية والصحافيين، منذ ثمانينات القرن الماضي.

وبفعل الثورة في سوريا، يشارك الحزب النظام السوري في حربه على الشعب السوري. فيقود الحزب مدعوماً من خبراء إيرانيين المعارك، نيابة عن النظام، على مختلف الجبهات، كان آخرها في حلب.

يملك الحزب كل المقومات البديهية لهذه “الدويلة”، تحديداً لجهة العسكر والسلاح والأمن الذاتي، والمؤسسات الصحية والتعليمية، والتقديمات الاجتماعية.

أقوال جاهزة

شارك غردمن منع أغاني فيروز، إلى محاربة بيع الخمور، تتكرر محاولات حزب الله لفرض سيطرة اجتماعية في مناطق نفوذه

وبفعل كل هذه القوّة، يندفع إلى تكريس مفاهيم اجتماعية داخل بيئته لخدمة مشروعه، ما أدى إلى تسجيل سلسلة من التجاوزات في الحياة اليومية، لفرض رقابة أو سطوة اجتماعية على هذه البيئة.

مجالس حسينية على مكبرات المطار

في ديسمبر الماضي منعت التعبئة التربوية في حزب الله بثّ أغان لفيروز، في نشاط نظمته مجموعة من الطلاب في الجامعة اللبنانية، لإحياء ذكرى ميلاد صديق لهم توفي في حادث سير قبل أسابيع.

وجاء قرار المنع من قبل الجسم التربوي في الحزب، على الرغم من نيل المجموعة موافقة مدير كلية الهندسة على إقامة النشاط. فانتشر عشرات الشبان من الحزب داخل حرم الجامعة، ومنعوا وصل مكبرات الصوت، وبثّ الأغاني، لأسباب دينية.

وسبق ذلك، في نوفمبر، تنظيم مجموعة من طلاب الحزب لمجالس عاشورائية في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، أعلنوا خلالها الولاء لمرشد الجمهورية الإيرانية علي الخامنئي.

وحصل مشهد مماثل في منتصف الشهر نفسه، لكن داخل مطار رفيق الحريري الدولي. فنظّمت إحدى حملات الزيارات الدينية في العراق مجلساً حسينياً، في إحدى قاعات المغادرة في المطار، باستخدام مكبر للصوت.

أما في أغسطس الماضي، فمنع الحزب الدبكة والرقص خلال مهرجان تراثي في بلدة زوطر (جنوب لبنان)، تحت حجة “منع الاختلاط بين الجنسين”، لتقوم البلدية بعد ذلك بتطبيق القرار ومنع الرقص في الحفل.

وسبق ذلك في يوليو الماضي “منع الاختلاط بين الجنسين” أيضاً في المسبح الشعبي في عيترون (الجنوب)، بالإضافة إلى التضييق على محال للتسلية والألعاب الالكترونية، في بلدة جبشيت (الجنوب)، فتمّ فرض إقفال المكان في أوقات الصلاة.

بيئة فيها تنوع ثقافي؟

لا يرى الكاتب والمحلل السياسي القريب من حزب الله، "قاسم قصير"، أن الحزب يحاول فرض نظامه على بيئته أو على اللبنانيين، إذ يشير إلى أن بيئة الحزب العامة، وعلى الرغم من وجود ضبط في بعض الأماكن، إلا أنّ فيها تنوّعاً ثفافياً.

ويضيف: “الحجاب، مثلاً، غير مفروض في الضاحية الجنوبية لبيروت، وثمة تنوع في اللباس، وبالتالي ليس هناك دويلة، والبيئة ليس مسيطراً عليها كلياً”.

ويعتبر قصير أن ضبط بعض الأمور تم ضمن الأطر القانونية، وليس الحزبية، في إشارة منه إلى عمل البلديات في منع الاختلاط أو منع بثّ أغاني فيروز في الجامعة.

علماً أن حزب الله يسيطر على البلديات في هذه البلدات، وعلى المجالس الطلابية لفروع الجامعة اللبنانية، الواقعة في مناطق نفوذه. وتتحرّك هذه “السلطات” بناءً لرغبة الحزب وقيادته.

وفي إطار نفي إقامة هذه الدويلة، يقول قصير إن المسابح العامة لا تزال مفتوحة في مناطق مختلفة من الجنوب، منها صور والناقورة، وتقدّم المشروبات الروحية، ويتم فيها إحياء مهرجانات وحفلات غنائية.

لكن الغلبة في هذه المناطق لحركة أمل، التنظيم السياسي الشيعي الآخر الذي يتزعمه حليف حزب الله، رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وهي مناطق سياحية بامتياز، تحاول الاستفادة اقتصادياً من القوات الدولية المنتشرة في الجنوب. وبالتالي فإن إقفالها يعني ضرب لقمة عيش آلاف الجنوبيين.

كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء

هل يستمرّ حزب الله في سياسة القمع الاجتماعي في الجامعات والطرقات وحتى في المقار الرسمية، خصوصاً أن هذه الممارسات تسير في وتيرة تصاعدية، تحديداً في بيئته الضيّقة؟

السؤال يدفع الكاتب السياسي، الدكتور في الجامعة اللبنانية "حارث سليمان"، إلى القول إن الحزب "صادر المجال العام في كل المناسبات داخل الطائفة الشيعية"، على اعتبار أنّ أهالي القرى يجتمعون في أوقات الحرب أو الفرح أو المناسبات الدينية.

فدخل الحزب إلى العزاء، وحوّل الحزن على الميت إلى الحزن على الحسين، وبات الفقيد جزءاً من الشأن العام. ثم دخل الحزب إلى الأفراح، وحوّلها إلى مولد نبوي، فأصبح العرس احتفالاً للتقرّب من النبي.

وفي الأعياد، يضيف سليمان، وضع حزب الله مبدأ إقامة المجالس العاشورائية، فجعل من شعار "كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء"، مسألة يمكن أن تحدث لأي سبب كان، وفي أي مكان كان بغض النظر عن المناسبة.

وتحتلّ الرايات العاشورائية، سوداء وحمراء وخضراء، شوارع رئيسية في العاصمة بيروت، مختلطة مذهبياً وطائفياً، في إشارة واضحة إلى سيطرة الحزب على هذه الشوارع.

وأصبحت بعض مناطق النفوذ الفعلي للحزب، في الضاحية والجنوب والبقاع، أشبه بمجمّعات دينية.

نجح الحزب في تكريس نفسه أباً للطائفة الشيعية، من خلال السيطرة على الجو الاجتماعي العام، بصفته “المحرّر” من العدو الإسرائيلي، ثم الحامي من “الإرهاب” و”التكفيريين”، وطبعاً “كونه القوّة الأقوى والمسلّحة في الطائفة.

كبرت الدويلة وأصبحت أكبر من الدولة، وتتوسع اليوم باتجاه سوريا. وسؤال المسؤولين اللبنانيين عن هذا الموضوع، يلقاه جواب أشبه بالهروب: “المطلوب اليوم أكثر من أي يوم مضى الجلوس إلى طاولة الحوار وتهدئة النفوس بهدف إعادة بناء الدولة”. وهو ما يمكن سماعه من مسؤولين في قوى 14 آذار، المعارضة المفترضة للحزب.

نادر فوز

كاتب وصحافي لبناني.

كلمات مفتاحية
حزب الله لبنان

التعليقات

المقال التالي