الخطاب الأخير لأوباما: حبٌ ودموعٌ وتاريخٌ ثقيٌل بحلوه ومرّه

الخطاب الأخير لأوباما: حبٌ ودموعٌ وتاريخٌ ثقيٌل بحلوه ومرّه

بين الـ"نعم نستطيع" التي أطلقها باراك أوباما وسط ابتسامة النصر لدى وصوله إلى البيت الأبيض والـ"نعم فعلنا" التي قالها وسط دموع الوداع في خطابه الأخير في شيكاغو، مرّت ثماني سنوات.

انهمرت دموع الرئيس في محطات عديدة خلال الخطاب، كذلك بكت زوجته ميشيل التي نالت حصة كبيرة من الشكر، وابنته ماليا، وبكى الجمهور المحتشد، وتابع الكثيرون الخطاب متلفزاً.

عوامل عدة جعلت الخطاب الأخير للرئيس، الذي جهد في رسم صورة مختلفة عمن سبقه، مؤثراً مع رشة نوستالجيا فائضة.

عدا وصوله كأول رئيس أسود، الذي شكل انتصاراً لصورة أمريكا المنفتحة التي يصرّ الإعلام الأميركي على ترسيخها، وشخصيته العفوية المحبّبة هو وعائلته، يترك أوباما خلفه حملاً ثقيلاً يجعل من بكاه من الأميركيين أكثر خوفاً. كان يحلم أن يسلّم سنواته الثماني لهيلاري كلينتون لكن الواقع اختلف. مع ذلك، وعد أن يساهم بانتقال سلس للسلطة إلى خلفه دونالد ترامب، "كما فعل معه جورج بوش".

في خطابه المؤلف من 4300 كلمة، ورد اسم ترامب مرة واحدة على لسان أوباما. لكنه ذكر العديد من القضايا التي يراها حملاً ثقيلاً يتركه خلفه، ودافع عن قضايا المهاجرين والمسلمين الأميركيين، وأشار لمشكلة الاحتباس الحراري ومن يحاولون تجاهلها، وتخوّف على مصير الديموقراطيّة.

ميشيل وباراك أوباما: حبٌ ودموع

ربما لم يكن خطاب أوباما أحد أعظم خطاباته، إلى أن أتى على ذكر زوجته ميشيل. ضجّت الجماهير بالتصفيق، وانهمرت دموع ابنته ماليا (تغيّبت الابنة الثانية بسبب الامتحانات المدرسيّة)، ثم مسح بدوره عينيه بالمنديل قائلاً "لقد قمت بدور لم تسعي إليه، توليته بحلوه ومرّه، كان لديك الأناقة والروح الخفيفة التي جعلت الدور يبدو كأنه صنع لك منذ البداية".

وأضاف "لقد جعلت من البيت الأبيض بيتاً للجميع، وكنت قدوة للجيل الجديد الذي بات يتطلّع للأمام أكثر من أي وقت مضى. أنا فخور بك والبلاد كذلك"، ليستطرد "كل يوم كنت أتعلّم منك، لقد جعلت مني رئيساً أفضل ورجلاً أفضل".

أكثر من 20 ألفاً تجمعوا من مختلف الأعراق والأعمار، وعكس تنوعهم الصورة التي تركها الرئيس في جمهور متنوّع لم يتوان عن الهتاف "أربع سنوات إضافيّة! أربع سنوات إضافيّة"، تعبيراً عن رغبته ببقاء أوباما الذي ردّ قائلاً "لا أستطيع! هذه ليست ملكيّة".

طبعت صورة أوباما في ذهن محبيه مع ابتسامة عريضة وحس فكاهة طبيعي، بينما كان بكاؤه في العلن كما حصل في الخطاب الأخير قليلاً. طوال فترة ولايته بكى في محطات نادرة، كانت عندما تحدثت عن جدته، وعند وفاة نجل نائبه جو بايدن، وعندما تحدث عن مذبحة مدرسة ساندي هوك.

افهموا "الرجل الأبيض"!

داخلياً، أطلق أوباما مجموعة تحذيرات بشأن مستقبل الديمقراطية ومستقبل العلاقات بين الأقليات. ودعا إلى فهمم "الرجل الأبيض الذي بلغ منتصف العمر"، والذي يبدو في الظاهر أنه يحظى بمزايا عدة لكنه تعرّض للعديد من الخضّات التي غيرت واقعه الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي.

في المقابل، دعا الحزب الجمهوري إلى الوحدة قائلاً إن "الديمقراطية لا تتطلب تطابقاً كاملاً، ونحتاج إلى حس مبدئي بالوحدة... سننهض معاً أو نسقط معاً".

كما حذّر من إمكانيّة أن تصاب الديمقراطية بالضعف، قائلاً إنها "قد تنحني إذا استسلمت للخوف" في إشارة منه إلى الجو الذي ساد بعد الانتخابات الأخيرة، كما أسف لأن بلاده لم تصل إلى مرحلة "ما بعد العنصرية" التي توقعها عند وصوله إلى السلطة. وتخوّف من أن "العنصرية عامل تقسيم" للمجتمع الأمريكي.

في المقابل، رأى أن البلاد أقوى من أي وقت مضى في مواجهة الإرهاب والأخطار الداخلية، واستعرض إنجازات الإدارة والجيش والأجهزة في محاربة هذه الظاهرة وضبطها، رغم حوادث العنف التي شهدها المجتمع في عدد من المحطات.

"من دون إطلاق رصاصة واحدة"

خارجياً، تباهى أوباما ببدء فصل جديد مع الشعب الكوبي، وبالاقتراب من إغلاق البرنامج النووي الإيراني "دون إطلاق رصاصة واحدة"، والقضاء على مدبر أحداث 11 أيلول.

ولا يمرّ كلامه عن السياسة الخارجيّة من دون انتقادات تطاله ممن يرى أنه لعب دوراً سلبياً في الملف السوري، الذي وصفته على سبيل المثال مجلة "فورين بوليسي" بأنه "اللطخة السوداء في إرث أوباما"، وتسبّب في أزمات عديدة في المنطقة العربيّة. كما انتقده آخرون لتعامله مع القضيّة الفلسطينيّة، إذ عمل على تمكين اليمين الإسرائيلي.

وعلى خط آخر، صوّب البعض على تراجع الولايات المتحدة في عهد أوباما، ما فتح المجال أمام روسيا وإيران لفرض نفوذهما في المنطقة. وأوباما كان جزءاً من الإدارة الأميركية، التي تتحمل مسؤولية مباشرة عما آلت إليه بلدان عدة في المنطقة كالعراق وسوريا وليبيا وغيرها.

عاد أوباما إلى شيكاغو التي شهدت صعود نجمه السياسي، وإعلان انتخابه مرتين على التوالي، وعندما أنهى خطابه وودع مع عائلته ونائبه الجماهير بدا وكأنه يدخل في حالة سلام داخلية ورضى عما فعل وما أسّس.

لكن من بقي وما بقي بعده لا يبدو أنه يحظى بهذه الحالة، ففي الداخل الأميركي واقع جديد يرى فيه الشعب تحديات جمة. وفي الخارج ترك أوباما مناطق مشتعلة قد لا تنفع صورته المحبّبة وشخصيته العفوية في أن تشفعا له لدى الكثير من شعوبها.

الأكيد أن ترامب يتسلم السلطة رسمياً يوم 20 من الشهر الجاري، وهو كان قد بدأ عهده أساساً، بالكثير من الزخم والجدل، على اعتبار أنه "وصل إلى القصر قبل مبارح العصر" بكثير.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي