ثورات الجياع... الدول العربية مهددة من الوحش المجهول

ثورات الجياع... الدول العربية مهددة من الوحش المجهول

لم يكن مشهد إضرام التونسي محمد البوعزيزي للنار في جسده، اعتراضاً على مصادرة البلدية لعربة الخضار التي يقتات منها، في 17 ديسمبر 2010، مجرد إشارة لإطلاق الربيع العربي من تونس الخضراء فحسب. لكنه مثّل دلالة أخرى على مشاهد فوضى محتملة، لخروج الجياع في بلداننا بحثاً عن طعامهم في أي حين.

في الوقت الذي تواجه الأنظمة العربية مخاطر الإرهاب، على جبهاتها الداخلية والإقليمية، وتروّض ما تبقى من حراك سياسي، أفرزه الربيع العربي خلال السنوات الست الماضية، يطل مصطلح "ثورة الجياع" من نافذة الأحداث، على بعض البلدان كالوحش المجهول، الذي يخشاه الجميع من اليمين إلى اليسار.

مصر

في 11 نوفمبر 2016، كانت الحكومة المصرية على موعد مع اختبار وهمي لما يسمى بـ"ثورة الجياع". تلك الدعوة التي لم يعرف أحد محركها الحقيقي حتى وقتنا هذا.

فرغم تبني جماعة الإخوان المسلمين لها، تحوم شكوك من المعارضين لنظام الحكم، بأنها من إدارة أجهزة الأمن، لجس نبض الشارع، جراء الإجراءات الاقتصادية "الصعبة"، بحسب وصف الحكومة نفسها، بعد تحرير سعر صرف الجنيه، وزيادة أسعار المحروقات، تمهيداً لرفع الدعم بشكل تدريجي عنها.

سيناريو "دوامة الضياع"، الذي حذّر منه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تعقيبه على دعوات ثورة الجياع، ليس بعيداً من التحقق على أرض الواقع، في ظل المؤشرات الاقتصادية الحالية.

لكنه يبقى مرهوناً دائماً بمزاج المصريين أنفسهم، إذ يعيش 27.8% من السكان تحت خطر الفقر، بينما لا يستطيع 5.3% من سكانها توفير الطعام ، وفقاً لآخر مسح أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وبحسب بيانات بنك كريدي سويس، المتخصص في تقدير الثروات، تقلصت الطبقة المتوسطة في مصر نحو 48%، لينخفض عددها من 5.7  إلى 2.9 مليون شخص.

إحصاءات انحسار الطبقة الوسطى، تأتي مع مؤشرات أخرى، مثل ارتفاع معدل التضخم السنوي في مصر إلى 20%، مع توقع استمراره في الأشهر المقبلة.

لا تربط سلمى حسين، الباحثة في وحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، بين معدلات الجياع في أي بلد وحدوث انفجارات اجتماعية. لكنها تشير إلى أن هذه المعدّلات، تؤثر بشكل ما، على سلوكيات وقيم الجماهير، في تعاملها مع السلطة، أو في ما بينها.

وأوضحت لرصيف22 أن الجوع ليس شرطاً أساسياً لاندلاع ثورة الجياع، لكن توجد علاقة مباشرة بين الجوع وعدم استقرار المجتمع، بسبب التفاوت الكبير بين أفراده. وأضافت: "اللامساواة تثير القلاقل الاجتماعية، لكنها لا تقود بالضرورة إلى ثورة جياع".

أقوال جاهزة

شارك غردبعد ثورات "الربيع العربي"، هل نُقبل على "ثورات الجياع” التي يتزايد الحديث عنها اليوم؟

حتى وإن توافرت العوامل الاقتصادية والاجتماعية المحفزة لاندلاع ثورة جياع، يظل دور النظام السياسي حاضراً أيضاً. فحجم قوته أو رخاوته في ضبط إيقاع الغضب لدى الجماهير، يلعب دوراً كبيراً، كما أوضح محمد جاد الباحث في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وأشار جاد إلى أن قطاع الموظفين هو الأكثر تأثيراً في المعادلة، فإذا شارك في أي حراك اجتماعي ضمن له النجاح، وإذا تخلف كتب له الفشل، مدللاً على ذلك بسعي الرئيس الأسبق حسني مبارك لكسب رضا الموظفين بالعلاوات السنوية.

HungerRevolution Info

لماذا فشلت انتفاضة الغلابة 11 نوفمبر؟

أجاب جاد: "المناخ السياسي في مصر متأثر بالحرب الأمنية على الإرهاب، المستمرة منذ عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي في يونيو 2013، وما صاحبها من تضييق هامش الحريات على معارضي السلطة".

ولفت إلى أن سياسة الدولة في الإنفاق العام على الخدمات المدعمة، التي تقدمها للجمهور، لها دور أساسي في تخفيف شعور المواطنين بالغضب.

ورصد المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية  في تقريره السنوي تراجع الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي والعمالي والاجتماعي عن 2015، فبلغ إجمالي احتجاجات 2016، 1736 احتجاجاً، بينما بلغ إجمالي العام الذي سبقه 1955.

وشهد 2016 صدور حزمة من السياسات الاقتصادية لمواجهة أزمة مالية متصاعدة، ساهمت في فرض ضغوط على المواطنين، فشملت إجراءات ذات أثر تضخمي مثل التوسع في فرض ضرائب الاستهلاك، عبر قانون ضريبة القيمة المضافة، والتعويم القوي للعملة خلال شهري مارس ونوفمبر الماضيين، ورفع أسعار بنود الطاقة.

وصاحب الضغوط الاقتصادية التي عاناها المواطنون، استمرار التشريعات المقيدة للحق في التظاهر، ما قد يكون أثر على أعداد الاحتجاجات في هذا العام، بحسب بيان المركز.

وقال الباحث الاجتماعي علي الرجال: "الشواهد لا تنفي حدوث انتفاضة اجتماعية قريبة بسبب غلاء المعيشة، يترتب عليها بعض أعمال العنف والفوضى، لكنها لن تكون للجياع، لأن ثورة الجياع من أدبياتها الإحساس بالظلم الطبقي من الفقراء تجاه الأكثر ثراءً".

وأشار إلى أنه لا توجد دلالة واضحة على اندلاع ثورات جياع  في التاريخ الحديث، وتحديداً بمفهومها الفانتازي، الذي يصور خروج الجياع للنهب والسرقة من ممتلكات الأغنياء.

السودان

لم تمضِ بضعة أشهر على نبوءة الصادق المهدي، المعارض البارز للبشير ورئيس حزب الأمة القومي في السودان، التي دعا فيها أنصاره خلال شهر رمضان للاستعداد لبوادر ثورة جياع تجتاح السودان، قبل نهاية العام حتى سارت دعوات العصيان المدني كالنار في الهشيم داخل الخرطوم. وهي احتجاجات على سياسات التقشف ورفع أسعار الدواء بنسبة 300%.

السودان يسير على خطى مصر في تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، التي تتضمن رفع يد الدولة تدريجياً عن تقديم الخدمات العامة، من مدارس ومواد بترولية ومواصلات ومستشفيات. لكنه تفوق عليها، ورفع الدعم بنسبة 100% عن أسعار الوقود، مع وجود توقعات أيضاً برفع الدعم عن سلع أساسية خلال العام الجديد، مثل القمح، في خطوة فجّرت غضباً كبيراً، وساهمت في تأجيج دعوات العصيان المدني.

وبحسب الأرقام الرسمية، يعيش أكثر من 45% من السودانيين تحت خط الفقر، فضلاً عن ارتفاع معدل التضخم السنوي للعام الفائت نحو 20%،

ودخل السودان في ضائقة اقتصادية منذ انفصال الجنوب في 2011، وسحب إيرادات النفط في موازنة الدولة التي كانت تغطي نحو 74%. وهذا ما أدى إلى ارتفاع أسعار العملات الصعبة أكثر من الضعفيْن، وزيادة أسعار السلع الاستهلاكية ثلاثة أضعاف.

اليمن

تكفي نظرة على مؤشرات الفقر في العالم، الصادرة عن المعهد الدولي لأبحاث السياسات الغذائية، التي وضعت اليمن فى المركز الأول عربياً والسادس عالمياً، للتأكيد على مقولة "اليمن السعيد لم يعد سعيداً". يعاني نحو 22 مليون يمني اليوم من انعدام الأمن الغذائي.

ويعرّف المعهد الدولي الجوع بـ"سوء التغذية أو الحرمان من الطعام وتناول الفرد لأقل من 1800 سعرة حرارية يومياً".

وأشار التقرير الصادر عن مكتب البنك الدولي بصنعاء إلى تضاعف معدّل البطالة في صفوف الشباب باليمن إلى 60%، جراء أعمال العنف التي عمت البلاد منذ 2011 وانقسام الحكم.

علماً أن تحذيرات المحللين الاقتصاديين المتكررة من انفجار الجياع في اليمن، حال استمرار الأوضاع الكارثية، لا يمكن تجاهلها، مثلما يحدث في البلدان الأكثر تماسكاً في منطقتنا العربية، لا سيما أن مرتبات موظفي الحكومة لا تصرف بشكل ثابت، على خلفية قرار نقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، خشية من تصرف جماعة عبد الملك الحوثي في الأموال.

وكما هو الحال في مصر والسودان، يدخل النشطاء اليمنيون على الأزمة الاقتصادية بهاشتاغات كل فترة، من نوع "ثورة_الجياع"، التي تحذر من هذا المصير.

ليبيا

بينما كانت شرارة الربيع العربي تتطاير من تونس إلى مصر، كان المراقب للمشهد العربي يقف عاجزاً أمام وصولها إلى ليبيا. وبعد أن كان الليبيون ينعمون بمستقبل آمن اقتصادياً، أصبحت البلاد في مهب ريح ثورة جياع هي الأخرى.

فقد أضحى ثلث سكان ليبيا على شفا السقوط في براثن الفقر، وبحاجة لشكل ما من أشكال المساعدات الإنسانية. هذا ما يكشفه بيان البنك الدولي لمستقبل دولة النفط قبل شهرين.

وذكر التقرير أن السبب في ذلك هو هبوط أسعار النفط، وتعطل إنتاجه والجمود السياسي، والصراع السياسي، الذي يعصف بالبلاد.

وظهرت بوادر لانتفاضة الجياع في شكل أقرب إلى البروفة، عندما أغلقت المخابز في وجه طوابير المواطنين في مارس 2016، بسبب نقص الدقيق في العاصمة طرابلس. لكن قوات فجر ليبيا والميلشيات تصدت للتظاهرات الغاضبة خوفاً من امتداد الاحتجاجات.

وتسببت الحرب المنتشرة في أرجاء البلاد بوقوع نحو 200 حادثة سرقة وجريمة قتل في المصارف، وهذا ما أفضى إلى خلل بين عملتي السحب والإيداع، وفقاً لما أعلنه مصرف ليبيا المركزي.

العراق

تتشابه ظروف العراق مع ليبيا بعض الشيء، كلاهما يعتمدان على النفط في تمويل احتياجات البلاد، لكن ثرواتهما نُهبت إلى درجة تهديدهما بثورة جياع تأكل الأخضر واليابس.

يتفرد العراق عن بقية الدول بأنه ما زال يئن من الخراب الذي خلفه الغزو الأميركي له عام 2003، حتى أصبحت بغداد أسوأ مدينة في العالم، واحتلت المركز الأخير في الدراسة السنوية للأماكن الأفضل للعيش، التي تعدها مجموعة "ميرسير" للاستشارات.

وجاء تصنيف بغداد المدينة الأسوأ بسبب غياب الأمن ونقص الخدمات وفقاً للدراسة التي تستند إلى نحو 40 عاملاً تشمل البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن وسائل الترفيه والسكن والبيئة الطبيعية.

وحل العراق في المركز الثالث عربياً وفقاً لمؤشرات الجوع على مستوى العالم، بعد اليمن وموريتانيا. يأتي ذلك مع بلوغ معدل الفقر في الدولة 30% بسبب سياسة التقشف التي تتبناها الحكومة جراء هبوط أسعار النفط.

مشاهد الجوع لم تخرج عن نطاق التحذيرات البحثية والأرقام النظرية حتى الآن في العراق، ففي يناير الماضي حذرت النائب في البرلمان العراقي زنيب البصري من اندلاع ثورة جياع ضد الحكومة، كونها لا تراعي المصاعب المعيشية التي تواجه غالبية العراقيين.

الوعي بالفقر ضعيف

رأى الباحث في علم الاجتماع السياسي عمار علي حسن أن الوعي لم يتجذر إلى الطبقات الفقيرة لتنظيم أنفسهم، حتى يعتمدوا على الحلول الفردية في مواجهة مشكلاتهم. ويقول لرصيف22: "التهميش الاجتماعي يشكل خطراً على الدولة، وربما ينتج عنه انفجار اجتماعي أو لا، لكن ظهوره عامل سلبي لا بد من تلافيه".

واستدرك: "إذا جرى الانفجار بلا وعي أو تنظيم فسينتهي إلى لا شيء".

ويشير علي الرجال إلى أن سيناريو ثورة الجياع ليس الأسوأ، مقارنة بتقسيم المجتمع نفسه إلى دويلات طبقية صغيرة، قائمة عى الانحطاط، وتكريس العزلة للطبقات الفقيرة. وهو السيناريو الذي لا تتداركه السلطات الأمنية جيداً. وقال: "السلطة تظن أن إجراءاتها الاقتصادية التقشفية التي تسحق بها الطبقات الفقيرة

هي الحل الأمثل لها، من دون التخطيط لتأثير ذلك على مستقبل المجتمع وتقسيمه".

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي