هاشمي رفسنجاني أتعب إيران ولم يتعب حتى رحيله

هاشمي رفسنجاني أتعب إيران ولم يتعب حتى رحيله

لا يمكن لموت رجلٍ بحجم الرئيس الإيراني الأسبق الشيخ أكبر هاشمي رفسنجاني، وبالدور الذي لعبه في مفاصل السياسة الإيرانية منذ الشاه حتى وفاته، أن يمرّ عابراً. الثمانيني، الذي ُتوفّي بالأمس إثر ذبحة قلبيّة، رفض أن يستريح من المواجهة حتى اللحظات الأخيرة، وترك الإيرانيين يشعرون بأنه قد يعود في أي لحظة لينهي عملاً أو يلقي خطاباً يثير الجدل.

لم تخلُ أي محطة سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية من حضور رفسنجاني، أكان فعلاً أو موقفاً، وبقي يلعب على حبال الاعتدال الداخلي حتى الرمق الأخير.

عُرف رفسنجاني بـ"الصندوق الأسود" و"ثعلب السياسة" الذي عايش أيام الشاه والخميني ووصل إلى الرئاسة مرتين وشارك في صنع رؤساء كمحمد خاتمي وحسن روحاني وكان دينامو الانفتاح الإيراني على الخارج والاعتدال في مقاربة الملفات الساخنة، ليُهدّد رحيله بفقدان إيران صندوق أسرارها وصاحب التوجه المتوازن.

"رجل الأيام الصعبة وعضيد الإمام"، "محرّك الثورة"، "المصلح الثوري"، "رجل المصلحة"، "رجل الإعمار والبناء"، بعبارات كهذه رثت الصحف الإيرانيّة رفسنجاني "الذي لا يزال حياً"، بينما أُعلن الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ الحداد على الإمام الخميني.

تاجر الفستق ورفيق الخميني

يتحدّر رفسنجاني من عائلة ثرية عُرفت بتجارة الفستق، لكن البرجوازي كان معارضاً لسياسة شاه إيران محمد رضا بهلوي. أكمل تعليمه في مدينة قم، حيث تبلور وعيه السياسي. تأثر بشخصية رجل الدين الثائر نوّاب صفوي، إلى أن تعرّف على الخميني الذي كان يسكن بالقرب من منزله، ثم أصبح في العام 1958 من أتباعه.

بعد نفي الخميني في مطلع الستينات، بقي صديق الإمام في إيران مكلّفاً بجمع الأموال لإتمام الدعوة حتى جرى سجنه في العام 1975 بتهمة "الانتماء إلى تنظيم يساري". وفي الفترة بين 1963 - 1979، تنقّل بين السجون والاختباء، وقد ألّف وترجم خلالها كتباً، كما تعرّف فيها إلى رفاق النضال وأبرزهم علي خامنئي الآتي من مشهد.

العلاقة مع خامنئي، مرشد الثورة الآن، بدأت بعمل ثنائي في السنوات الأولى من الثورة، لتأخذ لاحقاً أشكالاً مختلفة لم تكن دائماً على ما يُرام.

تغيّرت حياته مع اندلاع الثورة وعودة الخميني في العام 1979، إذ أصبح رفسنجاني مساعد الإمام المقرّب الذي ساهم في تأسيس "الحزب الجمهوري الإسلامي". هكذا تحوّل أحد أعمدة الثورة إلى رجل سياسة، فكان وزير داخلية في أولى حكومات ما بعد الثورة. ويذكر التاريخ قول الخميني إثر محاولة اغتيال رفسنجاني وفيه " لا يمكن لأحد أن يكون بمنزلة هاشمي عندي".

أقوال جاهزة

شارك غردبوفاة رفسنجاني، خسر التقارب الإيراني-السعودي أبرز مؤيديه، ما يعني أن الخلافات بين الدولتين ستستمر في المدى المنظور

شارك غردمن هو رفسنجاني الذي عرف بـ"الصندوق الأسود" و"ثعلب السياسة" الإيرانية؟

لعب رفسنجاني أدواراً مفصليّة في الخلافات الداخلية بين مكونات الثورة، والأهم في التحديات الخارجيّة التي عصفت بإيران. في سنوات الحرب الإيرانية - العراقية تولى رفسنجاني رئاسة مجلس الشورى الإيراني، وفي السنوات الأخيرة تسلم القيادة العسكرية، وكان له الدور الأساسي في إقناع الخميني بوقف إطلاق النار والقبول بالقرارات الدولية بإنهاء الحرب.

بعد وفاة الخميني، دفع رفسنجاني باتجاه انتخاب خامنئي خلفاً له، ليُنتخب هو لاحقاً رئيساً للجمهورية في العام 1989، وبدأ معه عهد الانفتاح الإيراني على الغرب. سعت سياساته لفكّ العزلة عن إيران التي شهدت في عهده محاولات جذب الاستثمارات الغربيّة وتشجيع القطاع الخاص والحدّ من المواليد والانفتاح الثقافي. لكنه أثار لاحقاً العديد من الانتقادات بشأن امبراطوريته الاقتصادية والفضائح المالية كان أبرزها ما عُرف بـ"إيران كونترا" أو "إيران غيت".

سنوات نجاد القاسية

لم يحظ انتخاب رفسنجاني مجدداً في العام 1993 بالإقبال نفسه فأتى فوزه ضعيفاً، ليشكّل فوز أحمدي نجاد بالرئاسة في العام 2005 في وجهه، دليلاً على عمق الانقسام الداخلي الإيراني، وعلى الأزمة المتزايدة بين ما يُعرف بالمحافظين والإصلاحيين.

كانت سنوات حكم أحمدي نجاد قاسية على رفسنجاني، ولاحقاً، في الدورة الانتخابية الثانية للعام 2009، دعم رفسنجاني منافس نجاد المعارض مير حسين موسوي، وقد سُجنت ابنته فائزة (النائب في البرلمان ورئيسة مجلة تعنى بشؤون المرأة) بتهمة الترويج لدعاية معادية للحكومة.

يُذكر أن عائلة رفسنجاني واجهت مشاكل عدة، وسُجن ولداه بتهم تتعلّق بالفساد، ما فاقم صراع رفسنجاني مع المحافظين لكونه يمتلك امبراطورية اقتصادية لطالما أثارت الشك لديهم.

بعد انتخاب نجاد، اهتزت علاقة رفسنجاني بخامنئي. في محطات عديدة، بدا رفسنجاني عاتباً على المرشد من دون أن تصل الأمور إلى حالة عداء. وهكذا، بقيت التجاذبات الداخلية محط كلام، لم يتبلور علناً، ليخرج خامنئي بعد وفاته معلناً خسارة كبيرة وحداداً عاماً.

يقول الباحث الإيراني مصطفى اللباد في إحدى مراجعاته للعلاقة بين المرشد ورفسنجاني "يشبه رفسنجاني سيزيف في الأسطورة الإغريقية، يصعد الجبل حاملاً صخرة كبيرة وما إن يقترب من القمة حتى تتدحرج الصخرة إلى أسفل من جديد، فيعود مرة أخرى ليحملها صاعداً الجبل ويتكرر الأمر، فيتكرر الهبوط والصعود في مشهد أزلي".

يصف اللباد رفسنجاني بالسياسي الواقعي المخضرم الذي لم يرفع يوماً الشعارات الثورية الرنانة، بل كان دوماً ممسكاً بالخيوط من خلف الستار وواعياً للتوازنات والتشابكات، وهو الأمر الذي مكَّنه على الدوام من التدخل في اللحظات الحاسمة والمصيرية للنظام والثورة.

بهذا المنطق، لم يكن رفسنجاني معارضاً للنظام، بل له مصالح متشابكة في قلب هذا النظام. في العام 2013، رفض مجلس صياغة الدستور ترشحه للرئاسة بسبب سنه، فدعم تلميذه وابنه الروحي حسن روحاني للوصول للرئاسة، ونجح في ذلك. كما نجح في إيصال مؤيديه إلى المقاعد الحكومية، فبات يقال الرئاسة لروحاني والحكومة لرفسنجاني. في وقت ظلّ رئيساً لمجمع تشخيص مصلحة النظام حتى وفاته.

احتفى العالم بوصول روحاني المعروف بانفتاحه مقارنة بسلفه المتشدد نجاد، بينما جرى في عهد روحاني توقيع الاتفاق النووي التاريخي بين طهران وواشنطن ورفع العقوبات عن إيران.

كان رفسنجاني من أقوى المؤيدين للاتفاق، وهو لم يتوان يوماً عن المجاهرة بأهمية تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، ما عزّز الصراع الخفي بينه وبين خامنئي والتيارات المتشددة.

ما سبق يفسّر الحزن الذي نعت به الصحف الأجنبية رفسنجاني، باعتبار أن الغرب فقد لاعباً بارزاً في وجه "الفاشيّة" الإسلامية، وباعتبار موته يسعد المتشددين في إيران. قد لا يكون الأمر بهذه القتامة، لكن دون شك أن ثمة من ارتاح في إيران من شخص كان مستفزاً ومتعباً في الشأن الداخلي.

أما في الشأن الخارجي فيمكن العودة مجدداً إلى ما قاله اللباد في نعيه لرفسنجاني، وجاء فيه "تحمل وفاة علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران بأزمة قلبية الليلة باقة من المعاني المتضاربة: أولها أن الإصلاحيين والرئيس حسن روحاني فقدوا سنداً مهماً في مواجهة المحافظين والحرس الثوري، ما سينعكس حكماً على نتيجة انتخابات الرئاسة المقبلة في مايو/أيار 2017. ثانيها أن الجيل الذي عاصر الثورة الإيرانية ولعب أدواراً حاسمة خلالها واحتفظ بنفوذ في مؤسسات الدولة الإيرانية بعدها قد تقلص ليصبح راهناً المرشد السيد علي خامنئي فقط. ثالثها لن يلعب رفسنجاني دوره كصانع ملوك عند وفاة المرشد الحالي، كما فعل عند وفاة السيد الخميني بتزكيته تولي خامنئي منصب الإرشاد، بل إن خلافة المرشد الحالي ستستند إلى شخصيات أخرى وموازين قوى مغايرة. رابعها خسر التقارب الإيراني - السعودي أبرز مؤيديه، ما يعني أن الخلافات بين طهران والرياض ذات الطابع الجيو - سياسي والمتغطية بالطابع المذهبي، ستستمر في المدى المنظور على الأقل".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
إيران

التعليقات

المقال التالي