هل يصبح السلاح النووي سبباً في تحقيق السلام؟

هل يصبح السلاح النووي سبباً في تحقيق السلام؟

يوم الاثنين 6 أغسطس 1945، استيقظت شعوب العالم أجمع على خبر إسقاط الولايات المتحدة الأمريكية لقنبلتها الذرية الأولى على مدينة هيروشيما اليابانية. وقبل أن يستفيق العالم من هول الصدمة، صكت أسماعهم أخبار إلقاء أمريكا قنبلتها الثانية على مدينة ناكازاغي، لتنهي بذلك القدر اليسير المتبقي من المقاومة اليابانية، ولتعلن فرض الحلفاء سيطرتهم الكاملة على منطقة شمال شرق آسيا والمحيط الهادىء.

منذ ذلك اليوم الأسود في تاريخ البشرية، تغيرت مقاييس القوة بين الدول المتنافسة، ففرضت التكنولوجيا نفسها في ميدان التسلح، وأضحى السلاح النووي يتفوق في تأثيره على عوامل العدد والروح المعنوية، التي كانت لها اليد الطولى في حسم نتائج المعارك والحروب من قبل.

في هذا المقال، نتعرض للنصف الآخر من القصة، لنرى كيف ساهم السلاح النووي في إقرار حالة السلام والهدوء بين العديد من القوى المتنافسة في العالم.

كيف انتشر الرعب النووي؟

في 29 أغسطس 1949، قام الاتحاد السوفياتي لأول مرة بتفجير تجريبي لقنبلة نووية في كازاخستان، وكانت هذه مفاجئة للولايات المتحدة، التي لم تتصور أن السوفيات سيتمكنون من بناء ترسانة نووية بهذه السرعة.

وسرعان ما انتشرت الشكوك حول الكيفية التي وصلت بها التكنولوجيا الخاصة بالقنبلة النووية إلى موسكو. فرغم أن السلطات الأمنية الأمريكية وجهت تهمة التجسس إلى الزوجين "روزنبرج"، اللذين تم إعدامهما بتهمة تسريب معلومات للعدو السوفياتي، إلا أن آراء كثيرة أجمعت على أن هناك عدداً من العلماء الأمريكيين الذين تورطوا في هذا التسريب.

فمن المعروف أن تياراً فكرياً قوياً كان يسود الجاليات العلمية في الغرب، يدعو إلى مشاركة السوفيات بهذه الأسرار، لأن احتكار أمريكا وحدها للأسرار الذرية خطر على العالم، لإيمانهم بدوافع عقائدية بأن السلام العالمي لا يمكن أن يتحقق إلا بتوازن قوى الرعب لدى المعسكرين العالميين. لذلك فإن الكثير من الاتهامات قد لحقت بمخترعي القنبلة الذرية الأمريكية أوبنهايمر وأينشتاين.

من ناحيتها، كشفت السلطات الروسية عام 2007، عن شخصية الجاسوس الذي سرب إليها معلومات القنبلة الذرية، فقام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتكريم "جورج كوفال"، الذي كان أحد العلماء المشاركين في مشروع مانهاتن لإنتاج القنبلة الذريةِ، ومنحه بعد وفاته قلادة "بطل روسيا"، مقابل المعلومات المهمة التي سربها للاتحاد السوفياتي، وصارت حجر أساس الترسانة النووية السوفياتية في ما بعد.

أقوال جاهزة

شارك غرداحتمال اندلاع حرب بين الدول النووية يقترب من الصفر بحسب خبراء كثر.. لماذا إذاً كل هذه الصراعات حول التسلح النووي!

شارك غردسؤل يطرح نفسه: هل بإعطاء إيران والسعودية الحق في امتلاك أسلحة نووية، يحل السلام أخيراً في المنطقة؟

وبغض النظر عن الكيفية التي وصلت بها التكنولوجيا النووية إلى الاتحاد السوفياتي، فإن الأعوام القليلة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت انضمام القوى المنتصرة في هذه الحرب، لعضوية نادي التسلح النووي، بشكل متتابع. فأعلنت كل من إنجلترا وفرنسا والصين إجراءها تجارب نووية بشكل أو بآخر.

شبه القارة الهندية وشمال شرق أسيا: توازن القوى النووية

يؤكد الباحث الأمريكي كينيث والتز، في كتابه "الإنسان والدولة والحرب" على أن للأسلحة النووية دوراً مهماً جداً في تحقيق الاستقرار. ويستشهد على ذلك بتاريخ التفاعل بين الدول النووية، فيظهر بشكل قاطع التأثير المتمثل في التهدئة، واعتدال المواقف الناجم عن الخوف المتبادل، لذلك فإن احتمال اندلاع حرب كبرى بين الدول النووية يقترب من الصفر.

وهناك مثالان معاصران مهمان على ذلك الادعاء: المثال الأول هو شبه القارة الهندية، التي هي من أهم مناطق العالم، حققت فيها الأسلحة النووية نوعاً من التوازن والاستقرار والتهدئة.

فإذا تطرقنا لحالة النموذج النووي الهندي-الباكستاني، فسنجد أن الدولتين وقعت بينهما الكثير من الخلافات والمشكلات، لكن ظل التسليح النووي عند كل منهما يمثل حجر عثرة في سبيل إقدام أي منهما على إعلان الحرب الكبرى على جارته. في الوقت الذي نجد فيه أن المرحلة التي سبقت امتلاكهما للسلاح النووي، وقعت فيها ثلاث حروب كبيرة بينهما في أعوام (1947-1948، 1965 و1971).

يرى الكثير من الخبراء أنه في حالة عدم امتلاك باكستان للقوة النووية، فمصيرها كان بالتأكيد هو الاجتياح الهندي لأراضيها، خصوصاً أن الهند تمتلك من القوات البشرية والمادية، ما تتفوق به على باكستان.

لكن بمجرد أن امتلكت باكستان السلاح النووي، وقامت بتجربة التفجير الذري الأول، تم كبح جموح الهند التوسعي، ودفع البلدين للالتزام بالحوار الدبلوماسي الهادئ.

أما النموذج الثاني فهو منطقة شمال شرق آسيا، التي توجد فيها أربع قوى نووية كبرى، هي أمريكا، الصين، روسيا وكوريا الشمالية.

ورغم كل الأسلحة النووية التي توجد في تلك المنطقة، فإن عوامل الاستقرار تتغلب على عوامل الصراع والتناحر فيها، لأن كل طرف من الأطراف الأربعة يعرف أنه لن يستطيع أن يستخدم قوته الذرية، لتسلح الأطراف المعادية بقوة مماثلة، ما يعني أن استخدام أي طرف تلك القوة، سيؤدي لاجتياح الدمار الشامل للمنطقة برمتها.

الشرق الأوسط: البحث عن توازن القوى المفقود

تعتبر إسرائيل الدولة النووية الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط، وقد استطاعت تطوير برامجها النووية، بفضل المساعدات الأمريكية والأوروبية، التي قدمت لها في العقود الماضية، كما رفضت الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار النووي حتى اليوم، على الرغم من ضغوط المجموعة العربية، والأمم المتحدة.

وباءت جميع مشاريع تحويل الشرق الأوسط لمنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل بالفشل، لرفضها إخضاع مفاعلاتها النووية لمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

يُعتبر العراق من أبرز الدول العربية التي كان لها تجربة حقيقية في محاولة الانضمام لعضوية نادي الدول النووية، إذ قامت الحكومة عام 1981 بشراء مفاعل نووي من فرنسا. وتم الاتفاق مع فرنسا وإيطاليا على تدريب فريق العاملين والباحثين، الذين سيعملون في هذا المفاعل. لكن تم إجهاض تلك التجربة بسرعة، بعد أن قام عدد من المقاتلات الإسرائيلية من نوع F16، بضرب مفاعل أوزيراك في عملية حربية سريعة، عرفت وقتها بـ"عملية أوبرا". وقامت أمريكا بفرض حصار اقتصادي قوي على العراق، بهدف الضغط عليه لإفشال طموحاته النووية.

الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي تمتلك القدرة لامتلاك السلاح النووي في الوقت الحالي هي إيران، وهو الأمر الذي لا تسمح به الولايات المتحدة، في ظل العداء الإيراني الصريح للسياسات الأمريكية منذ اندلاع الثورة الخمينية في 1979.

ففي حالة تطوير إيران لبرنامجها النووي، سيؤدي ذلك بالتبعية لحدوث حالة من الخلل في موازين القوة الاقليمية في المنطقة، وذلك يفسر الجهود الكثيفة التي بذلتها القوى العالمية لتعطيل ذلك البرنامج.

ففي 24 نوفمبر 2013، توصل الجانب الإيراني إلى اتفاق مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، يقضي بتعليق إيران برامجها النووية، مقابل تعليق العقوبات المفروضة على إيران من قبل أميركا، تلك العقوبات التي كان من أبرز وأهم بنودها فرض العديد من القيود على استيراد النفط الفارسي.

ذلك الاتفاق الذي عُرف بـ"اتفاق جنيف"، بشّر بمرحلة جديدة من العلاقات بين العدوين الإيراني والأمريكي. فتوقع الكثير من المحللين السياسيين أن تحدث تهدئة بين النظامين، وأن يكون ذلك الاتفاق خطوة في سبيل تعبيد الطريق نحو سلام دائم ونهائي.

ولكن ما هي العوامل التي تربط بين التسلح النووي المتبادل والسلام؟

يحدد أرتيوم لوكين في كتابه "روسيا ومنطقة شمال شرق آسيا" عاملين مهمين للربط بين الأمرين. العامل الأول، أنه يجب على الأطراف النووية أن تتحلى بالعقلانية، وهي بطبيعة الحال سمة متوفرة في معظم الأنظمة السياسية الحاكمة.

العامل الثاني، أنه كي تلعب الأسلحة النووية دورها في صناعة السلام والاستقرار، ينبغي أن تكون الجهات المالكة للسلاح النووي كيانات سياسية قومية ووطنية، في صورة دول ذات حدود ثابتة ومستقرة، لا أن تكون بعض تلك الجهات جماعات إرهابية أو طائفية.

وربما يفسر هذا الشرط، الحرص الشديد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبقية القوى العالمية في سبيل منع توصيل السلاح النووي للجماعات الأصولية والإرهابية، مثل القاعدة، أو تنظيم الدولة، أو حزب الله. ففي حال تملكت بعض تلك الجماعات سلاحاً نووياً، فلن تكون ملتزمة بمبدأ توازن القوى، ومن الممكن أن تستخدم سلاحها في عمليات إرهابية وتخريبية ذات آثار كارثية. كما أن الدول الغربية لن تستطيع أن ترد بشكل انتقامي، لأن تلك الجماعات تتوارى داخل تجمعات سكانية كثيفة العدد، وليست لها حدود جغرافية ثابتة.

إذن يمكن القول إنه، فقط، في حالة تحقق العاملين السابقين، يمكن أن تتحقق نبوءة رئيس مجلس السياسة الخارجية والدفاعية في روسيا سيرغي كاراغنوف، عندما قال إن الأسلحة النووية تُعد وسائل جيدة هدفها إنقاذ البشرية من شرور نفسها.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

التعليقات

المقال التالي