كرة القدم المصرية ضحية الجيش والشرطة

كرة القدم المصرية ضحية الجيش والشرطة

لا تزال الرياضة المصرية بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، تعاني من أزمة تضرب ملاعبها منذ نحو 5 سنوات، إثر الأحداث الدامية التي سقط فيها 92 من مشجعي أكبر ناديين، الأهلي والزمالك، في إستادي بورسعيد والدفاع الجوي. سمحت هذه الأحداث لسلطات الأمن بالتوغل في هذا المجال، بتحديد حضور الجماهير من عدمه، أو باختيار استادات بعينها للعب المباريات، أو حتى بقرارات التأجيل أو وقف النشاط بالكامل. ما سبب خسائر فادحة لعدد من الأندية، وقلل بشكل ما الاهتمام بالدوري الأكثر شعبية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

فصول من المناوشات

لم يكن حديث جماهير الكرة المصرية في السياسة بعد 2011 شأناً وليداً، إذ شهدت الاستادات العديد من المناوشات بينهم وبين قوات الأمن أكثر من مرة في وقت سابق، لكن غالبيتها كانت متعلقة بتعنت الشرطة في دخولهم.

اعلان


إلا أن مشاركتهم في أحداث ثورة يناير ضد الشرطة، ومقتل عدد منهم في أحداثها، مثل أحمد كمال ومحمد مصطفي كاريكا، شهيدي ألتراس أهلاوي في أحداث جمعة الغضب ومجلس الوزراء، كانت بداية الصراع الحقيقي مع السلطات. تبعتها أحداث مجزرة بورسعيد التي سقط فيها 72 مشجعاً، وحملت رابطتهم الأمن مسؤولية مقتلهم، ودخل الجيش طرفاً في الأزمة بعد هتافات وأغاني الألتراس ضد قيادات المجلس العسكرى حينها، وهي الفترة التي توقف فيها النشاط الرياضي. وتبعها رفض قيادات من القوات المسلحة استضافة مباريات الأهلي على عدد من ملاعبها إلا قليلاً.

مناوشات الأمن مع جمهور الأهلي تحديداً شهد عليها استاد برج العرب أيضاً خلال مباراة النادي مع يونغ أفريكانز في إياب دور الـ16 لدوري أبطال افريقيا. أصيب 19 شخصاً جراء الاشتباكات، بسبب الخلاف على دخول المشجعين بدعوى اكتمال السعة.

وكان آخر فصول هذه الأزمة في 26 ديسمبر، عندما أطلقت عناصر الداخلية الغاز المسيل للدموع لتفريق الجماهير المحتشدة أمام بوابة النادي، لمساندة اللاعبين قبل مباراة القمة 113 نهار الخميس.

جماهير الزمالك هي الأخرى لم تسلم من الخلاف مع الشرطة، ففقدت 20 من أفرادها بعد 3 أعوام من مجزرة بورسعيد، وتحديداً في أحداث ستاد الدفاع الجوي. قالت رابطة أولتراس "وايت نايتس" إن سبب الوفيات والإصابات حينها، عنف الأمن وإطلاق القنابل المسيلة للدموع على المشجعين، بينما أرجعت وزارة الداخلية الأمر إلى تدافع الجماهير.

في هذا السياق، يقول محمد سيد، أحد مشجعي الزمالك الذين حضروا أحداث الدفاع الجوي، إن الاحتياطات الأمنية الجديدة حينها، كانت وراء ارتفاع عدد المتوفين والمصابين. إذ أصرت قوات التأمين على عبور الجماهير، التي تخطى عددها الآلاف، في ممر حديدي ضيق، ما تسبب في تزاحمها أمام بوابة الدخول، واعتبر الأمن ما يجري محاولة لاقتحام الاستاد.

وأضاف سيد لرصيف22، وهو لاعب كرة يد في أحد أندية الدرجة الثانية: "الشرطة أطلقت قنابل الغاز علينا من الأمام ومن الخلف، كنت في منتصف طابور الدخول، ولم يكن أمامنا إلا الرجوع إلى الوراء أو القفز من فوق الممر الذي يقارب طوله 3 أمتار. وكلا الأمرين كان مستحيلاً، ولم يشفع لنا أننا كنا رافعين تذاكر الحضور، حينها رأيت مَن حولي يتساقطون واحداً تلو الأخر، وتمكنت من النجاة بأعجوبة".

وأوضح: "هذا الأمر ليس مبرراً لمنع الجماهير من حضور مباريات فرقها، فعلى المسؤولين محاسبة المقصرين في كل أزمة، على أن تستمر الاستادات في استقبال الجماهير، ويتم رصد المخطئين عبر كاميرات مراقبة من الداخل والخارج، مع تفعيل اقتراح كارت المشجعين الذي يحمل بيانات كل شخص لسهولة تعقب مثيرى الشغب. أما إفراغ الملاعب من الجماهير فهو أمر لا يحدث في العراق واليمن وسوريا، على الرغم مما بهما من مآسٍ".

Egyptian-football_AFP

لاعبو الشرطة والجيش ممنوعون عن الأهلي

على مدار السنوات الخمس الأخيرة، دخل الأهلي في مفاوضات لشراء العديد من لاعبي أندية الجيش والشرطة، إلا أن الطريق انتهى بجميعهم إلى غريمه التقليدي، الزمالك، الذي يلعب ضمن قائمته أحمد دويدار ومعروف يوسف وخالد قمر وصلاح ريكو، من اتحاد الشرطة، وأيمن حفني ومحمود حمدي الونش، وإسلام جمال من طلائع الجيش. فضلاً عن باسم مرسي من الإنتاج الحربي.

هذا الأمر فسره رئيس النادي الأبيض، وعضو مجلس النواب المصري مرتضى منصور، في تصريحات تلفزيونية، قائلاً إن أندية الشرطة والجيش لن تبيع أياً من لاعبيها للنادي الأهلي بأي حال من الأحوال، بسبب هتافات "يسقط حكم العسكر" التي ترددها جماهيره. فضلاً عن إهانة ألتراس أهلاوي المشير محمد حسين طنطاوي خلال مباراة "توسكر الكيني"، وإهانة الداخلية في مباريات الفريق الأحمر. وأوضح أن ناديه على الجانب الآخر، يتمتع بعلاقات ممتازة مع الطرفين، ما يسهل له الحصول على اللاعبين.

أقوال جاهزة

شارك غردالصراع بين الأهلي والزمالك ليس منافسة رياضية فقط... ابحث عن الجيش والشرطة في التفاصيل

شارك غردهل يقف الجيش المصري ضد نادي الأهلي؟ تفاصيل كثيرة وغريبة توحي بذلك

علاقة القوات المسلحة "الممتازة" مع مرتضى منصور، على حد قوله، كشفت عنها أزمته الأخيرة مع لاعب الزمالك أحمد توفيق، التي توعده فيها بـ"تعليقه من رجليه على بوابة النادي"، بعد تبادلهما السباب والتهديدات على خلفية أداء الفريق الباهت أمام نادي طنطا. فاستدعى منصور الجيش في الأزمة، وهدد لاعبه بإرساله إلى التجنيد بدعوى تهربه. فقضى اللاعب فترة داخل أحد معسكرات القوات المسلحة، قبل أن يعود إلى ناديه بعد العفو عنه، ليخاطبه مرتضى في أول لقاء لهما: "أخبار القوات المسلحة إيه يا أحمد بيه؟ مبسوط؟".

سيطرة على الإستادات واللاعبين واتحاد الكرة

تمتلك أندية الجيش والشرطة المصرية فقط، 9 استادات أو أكثر، تتسع لربع مليون متفرج. بينما لا يمتلك أي من الأندية الأخرى أي استاد. فالأهلي، النادي الأكثر شعبية وبطولات على مستوى الدولة والقارة الأفريقية، لا يزال يدفع إيجار ملعبه، التتش، ومقره الرئيسي في الجزيرة لمحافظة القاهرة، منذ الأربعينات. كما يقع الجزء الخاص بملعب الزمالك، حلمي زامورا، في منطقة تابعة للأوقاف. وكلا الملعبين لا يخوض عليهما الفريقان مباريات رسمية، فيضطران إلى استئجار ملاعب الدولة، وهو الحال ذاته مع الأندية الأخرى والجماهيرية، التي تستغل ملاعب المحافظات بنظام الإيجار أو التمرين من مديريات الشباب والرياضة.

وبينما يتم لعب عدد من المباريات من دون جماهير، تحشد ملاعب الجيش والشرطة المجندين لتشجيع أنديتها، وتستغل وقوع عدد من اللاعبين في فترة التجنيد لاستقطابهم إليها من دون مقابل. وقد حدث ذلك مع لاعبي الزمالك أيمن حفني والسابق عبد الستار صبري، اللذين قضيا تجنيدهما ضمن صفوف نادي طلائع الجيش.

في السياق نفسه، ألقت الشرطة العسكرية القبض على لاعب المنيا السابق عمرو عثمان، بدعوى تخلفه عن أداء الخدمة بعد تألقه مع ناديه. وهي الواقعة التي سردها اللاعب قائلاً: "طلائع الجيش كلموني وقالولي تعال امضي بالفلوس اللي أنت عايزها ورفضت، كلموني أكتر من مرة قالوا لو مجتش هنحبسك، بعتولي شرطة عسكرية وبهدلولي البيت وعرضت أهلي للخطر أكتر من مرة، ولكن أجبرت أن أمضي، أنا موضوعي زي أيمن حفني بالضبط ولو أي حد مكاني هيعمل إيه؟".

سطوة أندية الجيش والشرطة أيضاً طالت اتحاد الكرة، الذي ألغى الهبوط في موسم 2011، بتعليمات من مسؤول في المجلس العسكري، بسبب صراع الأندية العسكرية على الهبوط. وهذا ما اعترف به نائب رئيس الاتحاد سابقاً أحمد شوبير، بينما اتهم نادي الجونة الاتحاد بمحاباة نادي الداخلية في موسم 2015. فكان الفريقان في ذيل جدول الدوري، بينما أشركت الداخلية لاعباً مقيداً في صفوف الإنتاج الحربي، وانتهى مسلسل الأزمة باعتماد هبوط الجونة إلى "دوري المظاليم".

لوائح الفيفا تمنع وجود أندية تابعة لمؤسسات الدولة في دورياتها، إلا أن مصر، كما سوريا والعراق، لا تزال تشرك أندية الجيش والشرطة في منافساتها.

وفي السياق نفسه، كشف المحلل الرياضي خالد بيومي أن اتحاد الكرة أمامه إلى نهاية هذا الموسم فقط لتطبيق دوري المحترفين كآخر مهلة من الاتحاد الدولي، بعد المهلة التي أعطاها إثر قيام ثورة 25 يناير. مؤكداً أن ذلك قد يعني عدم وجود أندية الجيش والشرطة في موسم الدوري المقبل، ما لم تستقل نهائياً عن مؤسساتها، وتصبح شركات استثمارية لا علاقة لها بأنشطتها السابقة.

ويوضح بيومي لرصيف22، أن اللوائح أيضاً اشترطت على الأندية المحترفة ضرورة امتلاك ملاعب خاصة بها، أو التعاقد على تأجير ملعب لمدة سنة على الأقل، مع تقديم ما يفيد بذلك إلى الاتحاد الدولي. معتبراً أن القائمين على الرياضة المصرية لا يعرفون أسس هذه الرياضة، التي تعتمد في المقام الأول على الاقتصاد، ثم الاستثمار، والجانب الأمني في الناحية الأخيرة.

وأضاف: "معظم دول الربيع العربي تقيم مبارياتها بجمهور، على الرغم مما تمر به من أزمات، لأن وسائل إعلامها أيضاً لا تمتلك الانتشار وطرق الشحن التي يستخدمها الإعلاميون المصريون، الذين يعدون من بين كوارث الرياضة المصرية، لتعمّد بعضهم إثارة الجماهير بغرض زيادة نسب المشاهدة لا أكثر".

حلول مؤجلة "لأسباب أمنية"

يرى مدير التسويق السابق في النادي الأهلي، المهندس عدلي القيعي، أن قضية عودة الجماهير إلى الملاعب، وإنهاء خلافها مع الأمن بشكل نهائي، تحتاج إلى صيغة مناسبة، يتفق عليها الطرفان لحل الأزمة، تتضمن وجود تسهيلات معينة من قوات التأمين في عملية دخول المشجعين، مقابل التزام الجمهور بالسلوك الحضاري في التشجيع.

وأضاف لرصيف22: "الكرة في ملعب الطرفين، وهذا يستدعى وجود إرادة لدى كل منهما لتحقيق التوافق والعبور بمركب الرياضة المصرية إلى بر الأمان، بالتنسيق مع المسؤولين عن الاستادات، خصوصاً ملاعب الجيش التى قدمت تسهيلات كبيرة أخيراً في استضافة الأندية، على عكس فترة سابقة كانت لديها اعتراضات على اللعب في عدد من الاستادات لأسباب معينة".

كلمات مفتاحية
كرة القدم مصر

التعليقات

المقال التالي