كيري يزعج إسرائيل: استمرار سياسة الاستيطان يؤدي إلى "احتلال دائم"

كيري يزعج إسرائيل: استمرار سياسة الاستيطان يؤدي إلى "احتلال دائم"

قبل أقل من شهر على مغادرته المكتب، أخرج وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ما في جعبته، أو بالأحرى ما في جعبة إدارة باراك أوباما، بشأن خطة السلام في الشرق الأوسط، مقدّماً خطة عمل للاتفاق الفلسطيني - الإسرائيلي. في خطاب شامل عرض فيه رؤيته لحلّ النزاع، حذّر كيري من المستوطنات الإسرائيليّة التي تهدّد "مستقبل إسرائيل" نفسها، وأمل الفلسطينيين بإقامة دولتهم.

تأتي كلمة كيري بعد فترة قليلة على قرار الأمم المتحدة بوضع حدّ لبناء المستوطنات في الضفة الغربيّة، وردة الفعل الإسرائيلية على موقف الطرف الأمريكي الذي امتنع عن استخدام حق النقض "الفيتو" الذي طالبت به إسرائيل حليفها. نفى كيري الاتهامات الإسرائيلية للولايات المتحدة بكونها وراء استصدار قرار إدانة الاستيطان قائلاً "لم نصغ ولم نكتب هذا القرار ولم ندفعه إلى الأمام. وقلنا لمقترحي مشروع القرار إنه لو كان النص أكثر توازناً، فقد كان بالإمكان ألّا  نقوم باعتراضه". الكلام ظهر كردّ على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي اتهم، خلال الأسبوع الماضي، واشنطن بالتآمر ضدّ إسرائيل، في إشارة إلى وصول العلاقات الإسرائيليّة - الأميركيّة إلى أسوأ ظروفها منذ عقود.

اعلان


ويبدو أن واشنطن تحاول في أيام أوباما الأخيرة إنقاذ ما تبقى من خطة السلام، إذ قالها كيري صراحة "لا أحد يفكر جدياً بالسلام، يمكنه تجاهل التهديد الذي تشكله المستوطنات على السلام، والمشكلة أبعد من المستوطنات بذاتها. الأخيرة تشير إلى جهود واسعة لاستيلاء إسرائيل على الضفة الغربية ومنع التنمية الفلسطينية هناك". وأضاف منتقداً المستوطنين "هؤلاء يؤمنون بدولة واحدة، إسرائيل الكبرى، وليس بحلّ الدولتين".

ما تقوم به إسرائيل، بحسب خطاب كيري، يؤدي إلى "احتلال دائم"، شارحاً "اليوم هناك أعداد متساوية من اليهود والفلسطينيين يعيشون بين نهر الأردن والبحر المتوسط، وهؤلاء لديهم الخيار إما بالعيش معاً في دولة واحدة أو الانفصال في دولتين". ولكن في حال اختيار الدولة الواحدة، "سيكون أمام إسرائيل أن تكون إما دولة يهوديّة أو ديموقراطيّة، ولا يمكنها أن تكون الاثنين، كما أنها لن تنعم بالسلام".

حلّ الدولتين في خطر شديد

لمدة ساعة من الوقت، بدا كيري كمن "يبقّ البحصة" عن السنوات الماضية. في المقابل، لم يبدُ شديد التفاؤل فقال "برغم جهودنا المخلصة على مدى سنوات بات حلّ الدولتين في خطر شديد"، مضيفاً "الحقيقة أن التوجهات على أرض الواقع من عنف وإرهاب وتحريض وتوسيع للمستوطنات واحتلال لا تبدو له نهاية، وكلها أمور تدمّر آمال السلام عند الطرفين".

وأشار كيري إلى النموّ السريع لعدد المستوطنات شرق حدود العام 1967 التي كانت تُعدّ أساساً أرضاً تخصّ الدولة الفلسطينية المستقبلية إلى جانب إسرائيل، لافتًا إلى أن عدد سكان المستوطنات الإسرائيلية أصبح 270 ألفاً منذ اتفاقيات أوسلو العام 1990، مستدركاً أن الاستيطان ليس السبب الأول في هذا النزاع. وقال إن حركة فتح الفلسطينية تستمر في "تمجيد الإرهابيين الفلسطينيين" الذين يقومون بهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين.

أقوال جاهزة

شارك غردالبيت الأبيض يحاول إنقاذ الشرق الأوسط قبل تولّي ترامب الحكم​.. انزعاج إسرائيلي كبير من خطاب كيري الأخير

تاريخ هذه المفاوضات

وللتذكير، بدأت المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وفلسطين في 29 يوليو العام 2013 بعد محاولة كيري، إستئناف عملية السلام. حينها تمّ تعيين مارتن انديك، الذي كان سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل ومساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، للإشراف على المفاوضات. أمّا بالنسبة إلى فريق التفاوض الإسرائيلي، فترأسته وزيرة العدل تسيبي ليفني في حين كان صائب عريقات على رأس الوفد الفلسطيني.

وعارضت حماس إعلان كيري، مشيرة إلى أنّ الرئيس الفلسطيني آنذاك، محمود عبّاس، لم تكن لديه الشرعية للتفاوض بإسم الشعب الفلسطيني. وكان من المقرّر أن تستمر المفاوضات لتسعة أشهر والوصول إلى اتفاق وحلّ نهائي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي بحلول منتصف العام 2014.

وبدأت المفاوضات في واشنطن على أمل انتقالها إلى فندق الملك داوود في القدس، ثمّ إلى مدينة الخليل. وكان تاريخ 29 أبريل 2014 المهلة الأخيرة لوضع الاتفاق. لكن مع انتهاء المهلة، انهارت المفاوضات. فألقى المبعوث الأميركي الخاص اللوم على إسرائيل في حين أصرّت وزارة الخارجية الأميركية على أنّ "الجانبان قاما بأفعال تعرقل المفاوضات".

وأوضحت الحكومة الإسرائلية أنّ لا وجود للسلم بينها وبين الفلسطنيين إذا لم يعترفوا بإسرائيل كدولة يهودية، بالإضافة إلى تغيّر موقف كلٍّ من "حماس" و"حزب الله". فاضطرّت الولايات المتحدة حينها، التركيز على القضاء على التهديد الذي يمثله كلّ من التنظيمين.

ترامب يطيّب الخواطر

استدرك كيري العلاقة مع إسرائيل، فأوضح أن "ما من إدارة أمريكيّة قدّمت لها كما فعلت إدارة أوباما"، لكنه قال إن "حكومة نتنياهو هي أكثر حكومة يمينيّة في تاريخ إسرائيل، وتدفع أجندتها أكثر العناصر تطرفاً". لم يتأخر ردّ الإسرائيليّين، إذ عقّب مكتب نتنياهو قائلاً إن خطاب كيري أشبه بقرار الأمم المتحدة، بمعنى أنه "متحيّز للغاية وضدّ إسرائيل". وأخذ البيان على كيري عدم تطرقه إلى "مصدر الصراعات" أو "المعارضة الفلسطينية لوجود دولة يهوديّة مع أيّ حدود".

في المقلب الآخر، كانت العلاقات تتوطّد بين نتيناهو والرئيس المنتخب دونالد ترامب، إذ غرّد شاكراً الأخير على "صداقته الدافئة" و"دعمه الصادق" لإسرائيل. أتى ذلك بعد "تصعيد" ترامب ضدّ الإدارة الحاليّة والقرارات الأخيرة. في البداية، هدّد ترامب الأمم المتحدة بأن غد 20 يناير (موعد استلامه السلطة) لناظره قريب، وأن الأمور ستتغيّر هناك بعد ذلك التاريخ. بعد ذلك، وفي تغريدتين شاركهما اليوم، قال إنه "لا يجوز أن نترك إسرائيل مهدّدة بهذا التلكؤ وقلّة الاحترام، لقد اعتادوا أن يكون لهم صديق عظيم في الولايات المتحدة، ولكن…"، و"ليس بعد الآن، البداية الكارثيّة كانت مع الاتفاق النووي، واليوم مع الأمم المتحدة! ابق قويّة إسرائيل، 20 كانون الثاني آتٍ سريعاً!".

وكان ترامب قد تعهّد باعتماد سياسة أكثر دعماً لإسرائيل، وطالب باستخدام "الفيتو" كما اعتادت الولايات المتحدة في وقت سابق. كما استبق عهده بتعيين سفير أميركي هناك شديد التطرف، وبالإصرار على نقل السفارة من تلّ أبيب إلى القدس في خطوة تصعيدية ضدّ الجميع.

لا شكّ أن أوباما، يحاول استدراك العديد من الملفات الشائكة في سوريا والعراق وفلسطين المحتلة قبل خروجه من البيت الأبيض، لكن من المستبعد أن تغير الكلمة الوداعية لكيري ما تعرقلت معالجته لسنوات بين إسرائيل والفلسطينيين، أو تقدّم علاجاً سحرياً لفشل إدارة أوباما في جهود السلام في الشرق الأوسط.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيد عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي