هل يتقبل الشباب السعوديون التجنيد الإلزامي؟

هل يتقبل الشباب السعوديون التجنيد الإلزامي؟

بعيداً عن جبهات القتال في اليمن، تقصد مجموعة من الأصدقاء السعوديين أحد المقاهي لمشاهدة مباريات الدوري السعودي. يتسمرون أمام شاشات التلفاز لمتابعة فريقهم المفضل، يُنافس على صدارة الدوري لهذا العام، من كل أسبوع. وفور انتهاء المباراة، يبدأ الحديث في ما بينهم. حديثٌ يدور كالعادة بين الرياضة ومواصفات السيارات الجديدة، التي تحوز اهتمامهم.

ولا تأخذ النداءات المطالبة بإقرار التجنيد الإلزامي للشباب السعودي في صفوف الجيش، جزءاً كبيراً من نقاشهم، لا سيما أنها تبدو مزعجة لبعضهم. فقد لا تروقهم تجربة الحياة العسكرية. إلا أن التطورات الأخيرة في المشهد السياسي في المنطقة، قد تلزم الشباب بالتنازل بعض الشيء، وقبول فكرة التجنيد.

يؤكد صالح الغامدي، أحد أفراد مجموعة الأصدقاء تلك، لرصيف22، أن مشاهدتهم المباريات تأتي بدافع ملء أوقات الفراغ ليس إلا. لكن في حال إقرار التجنيد الإجباري، لن يترددوا في الالتحاق بصفوف الجيش. قال: "من الصعب الجلوس أمام شاشات التلفاز لمشاهدة مباريات كرة القدم، والآخرون يلقون بأنفسهم إلى المهالك، دفاعاً عن أولئك المتسمرين أمام التلفاز".

أحدث تلك النداءات المطالبة بالتجنيد للشباب السعودي، هو الذي صدر من أعلى سلطة دينية في السعودية. فطالب مفتي عام السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، بتدريب الشباب وإقرار التجنيد الإجباري، مضيفاً: "ينبغي للأمة المسلمة التعاون والاستعداد والأخذ بأسباب القوة، ونستعين بالله على عدونا وأخذ بأسباب القوة بتدريب الشباب والتجنيد الإجباري، لهم حتى يكونوا قادرين إذا واجههم أي عدو من الأعداء، فعندهم من التسلح الذاتي والفكر الإسلامي الصحيح، ما يحملهم على الثبات ومقاومة الشر وتحدي الباطل، ورده على عقبه". تصريحٌ جاء في معرض إشادته بالتمرين الأمني المشترك "أمن الخليج1"، الذي استضافته البحرين أخيراً.

وكان الحديث حول ضرورة إقرار التجنيد الإلزامي محل جدل صاخب في أروقة مجلس الشورى في العام الماضي، فانقسم الأعضاء بين مؤيد ورافض، وأدى ذلك الجدل إلى رفض الفكرة بحجة انسجام نسيج المجتمع السعودي. يقول رئيس اللجنة الأمنية في مجلس الشورى الدكتور سعود السبيعي، في سياق تعليقه حول أسباب رفض المشروع في صحيفة "الحياة"، إن الدول الأخرى التي أخذت بضرورة التجنيد الإجباري، كانت لديها المبررات التي تدعو إلى ذلك، فتكثر فيها الفروق بين مواطنيها، كتنوع اللغة والديانات والأعراق. وتطلبت الضرورة فرض التجنيد الإجباري، لإذابة تلك الفروق.

وبالرغم من عدم وجود قانون حول التجنيد الإلزامي، فلدى السعودية ما يكفي من الكليات العسكرية، التي ينضم إليها العديد من الشباب السعوديين بعد استيفاء الشروط الخاصة. فيتم تدريبهم وفقاً للمعايير العسكرية، ثم إدخالهم للسلك العسكري فور تخرجهم.

وسيلة لتعلّم الانضباط

يرى الدكتور عبد الله أبو زهرة، الاختصاصي الاجتماعي في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، أن التجنيد سيعالج الكثير من السلبيات في المجتمع السعودي، إذ يعيش العديد من الشباب في حالة فراغ، إضافة إلى إدمانهم الحياة المرفهة، وهذه إشكالية أسهمت في ارتفاع معدلات الإسراف، وعدم تقدير واحترام النعم والمكتسبات الاقتصادية.

ويضيف أبو زهرة لرصيف22: "ينبغي للشباب السعودي الانخراط في الحياة العسكرية، لاكتساب صفة الانضباط. فالحياة العسكرية أثبتت في العديد من الدول الأخرى دورها في زيادة إنتاجية الأفراد الذين تم تجنيدهم فترات قصيرة في صفوف الجيش، وهو الأمر الذي قد يستفيد منه الشاب السعودي فور إنهاء فترة تجنيده، وعودته إلى الحياة المدنية، إذ سيكون أكثر انضباطاً في عمله وأكثر إنتاجية".

أقوال جاهزة

شارك غرديعود الحديث عن إمكانية فرض التجنيد الإلزامي في السعودية، هل يتحمس الشباب السعوديون للفكرة أم أنها تثير مخاوفهم؟

شارك غرديرفض الكثير من السعوديين فكرة التجنيد الإلزامي، ولكنهم يخافون الإفصاح عن رأيهم خشية نعتهم بـ"الخائفين من خدمة الوطن"

ويذكّر الشاب صالح الغامدي أن العديد من الشباب السعودي يفضل العمل في الوظائف العسكرية والتسجيل في الكليات التابعة لوزارة الدفاع. فتلك القطاعات تجذب العديد من أبناء المناطق الشمالية والجنوبية من السعودية، مضيفاً لرصيف22 أن "أخاه الأكبر حاول في أكثر من مرة التقدم لإحدى الكليات العسكرية، إلا أنه فشل في استيفاء الشروط".

الرافضون والخوف من الإفصاح عن رأيهم

يخشى الذين يرفضون فكرة التجنيد الإجباري نعتهم بـ"الخائفين من خدمة الوطن". وبالتالي، يضطر الكثيرون منهم إلى كتمان رفضهم لتفادي أي تهم قد توجه إليهم. فهم أكثر تمسكاً بالحياة المدنية، وما توفره لهم من رفاهية وسبل العيش المنعم، والنأي بذواتهم عن شظف الحياة التي تتسم بها الحياة العسكرية.

إلا أن خالد الحربي يرى الأمر من منظور آخر، فيؤكد أن العديد من الشباب السعودي يرفض فكرة التجنيد لكونه محل اعتماد أسرته في تدبير أمور المعيشة، ولا يستطيع التوقف عن العمل لفترة التجنيد والعودة إليه، لتكابد أسرته مشاق الحياة في غيابه. ويشار إلى أن التجنيد الإجباري ليس بالضرورة أن يكون مدفوع الأجر، إضافة إلى أن الكثيرين من السعوديين لم يتم تثقيفهم ببعض العلوم العسكرية في المدارس كما هو حاصل في بعض المدارس بالدول العربية.

ويضيف حربي الذي يعمل مدرساً للغة العربية في إحدى المدارس الحكومية في الرياض لرصيف22: "لا يرفض السعوديون التجنيد في الجيش لخدمة الوطن، إلا أن التجنيد لا بد له من بلورة إطار واضح، فلا يمكن مثلاً الدفع بشباب ليسوا على دراية بالحروب إلى جبهات القتال. فالعديد من السعوديين يعتقدون أن التجنيد الإجباري سيفرض عليهم الانضمام مباشرة الى الوحدات القتالية، في الحدود مع اليمن، ولذلك تجدهم خائفين لدى فتح باب النقاش حول إقرار التجنيد الإجباري".

والأمر نفسه يؤكده مراد الجهني، طالب كلية الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، إذ رأى أن السعوديين ليس لديهم أدنى فكرة عن طبيعة الحياة العسكرية، معتقدين أن نيران الأعداء ستنتظرهم فور انضمامهم إلى صفوف الجيش. ويعزى السبب، بحسب الجهني، الى أن هذه النقاشات أو النداءات بضرورة إقرار التجنيد لم يُسمع بها من قبل، وهي مرتبطة بالحاجة إلى الزج بالشباب في الحدود الجنوبية مع اليمن. لذلك ينتاب بعضهم حال من الفزع بمجرد التفكير بتجنيده إجبارياً في صفوف الجيش.

طرح المشروع مرة أخرى

حتى كتابة هذه السطور، لا يزال التجنيد الإجباري أمراً مستبعداً تطبيقه في السعودية، برغم النداءات المتكررة، آخرها من المفتي العام للسعودية، حول ضرورة التعاطي مع هذا الشأن. إلا أن جدية التحديات الأمنية التي تواجهها السعودية، قد تدفع بعض أعضاء مجلس الشورى لطرح الأمر للدراسة. وهذا ما أكده، صدقة فاضل، رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الشورى. وقال لرصيف22: "قد تكون هناك بعض المحاولات لإعادة مسألة التجنيد للطرح في مجلس الشورى، لأن الموضوع لم ينَل حتى الآن رضا غالبية أعضاء مجلس الشورى، إلا أن المحاولات الجديدة تركز على طرح التجنيد الاختياري للنقاش مرة أخرى".

وختم فاضل: "قد يكون التجنيد الاختياري حلاً بديلاً، فمن رغب في الدفاع عن وطنه، فلديه الخيار ليحصل على التدريب الكافي للقيام بذلك"، موضحاً أن التجنيد لا يشمل فقط الأعمال العسكرية، إذ يمكن الاستفادة من الشباب في الأعمال الخاصة بالدفاع المدني، وعمليات الإسعاف والإنقاذ وغيرها من المهمات التي تدخل ضمن إطار حالات الطوارئ.

إبراهيم نافع

صحافي إيريتري مقيم في السعودية. عمل محرراً للأخبار السياسية في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، ويعمل حالياً في صحيفة عرب نيوز الناطقة باللغة الإنجليزية.

كلمات مفتاحية
السعودية اليمن

التعليقات

المقال التالي