في مصر فقط…. التفاؤل بأمر عسكري

في مصر فقط…. التفاؤل بأمر عسكري

صرحت وزارة الداخلية المصرية في 23 سبتمبر 2016 أنها ألقت القبض على خلية إخوانية تنشر المناخ التشاؤمي بين المصريين! وناشدت الوزارة التبليغ عن أي مواطن يبث التشاؤم بين أفراد المجتمع، لأنه، بالضرورة، ينتمي لتلك الخلية الفريدة من نوعها.

هذا الأمر دفع الشعب المصري للسخرية من تلك الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشوارع والحانات، ودفع الكثير منهم للتساؤل: هل هناك ما يدعو للتفاؤل حقاً في ظل ما تشهده البلاد من أزمة في الاقتصاد والحريات والسياسات الخارجية والداخلية؟ وكان من أبرز الساخرين الإعلامي إبراهيم عيسى في برنامجه "مع إبراهيم عيسى".

وبعيداً عن ردود الأفعال، قررت السلطة في مصر أن تشن حملة في أرجاء البلاد، لرفع الروح المعنوية لدى المواطن. فهل تمكنت من ذلك؟

في المترو: "محطة على المحطة" قناة إذاعية منفصلة عن الواقع، مُغيبة للعقول

المواطن المصري الأصلي تجده في المترو، لأن قطار المترو يعتبر الأسرع والأرخص، والتذكرة التي ثمنها جنيه واحد فقط، بإمكانها أن تنقلك إلى كل أرجاء القاهرة والجيزة. لذا فإن محطات المترو تعج بعشرات الآلاف يومياً من جميع فئات الشعب. ولعل ذلك ما دفع السلطة إلى استغلال كل هذا الحشد اليومي، لتبث إذاعتها الخاصة في محطات المترو، وأطلقت عليها "محطة على المحطة". كان توقيت بثها الأول يوم 10 نوفمبر الجاري، أي قبل ثورة الغلابة الوهمية بيوم واحد فقط، في محاولة منها لزرع التفاؤل بين المواطنين. تذيع "محطة على المحطة" من خلال سماعات موزعة في كل زوايا المحطات، أغاني قديمة جداً تتخللها برامج توعية.

من داخل محطة "محمد نجيب"، وهي المحطة التي يعلوها ميدان باب اللوق الشهير، ومن على كرسي الانتظار، تسمع صوت المذيعة تعلن بداية برنامج جديد، يقدمه الدكتور عبد المحسن سيد تحت عنوان "خطوة جديدة".

يلقي الدكتور محاضرة مختصرة عن العمل التطوعي، ويشرح أهميته. ويحكي أن التطوع لا يعني عدم الجدية، وأن كل فرد في هذا البلد لا بد له أن يقدم خدمات بلا مقابل، ثم أخذ يسرد قائمة طويلة بالأعمال التي من الممكن أن يتطوع فيها المواطن.

أقوال جاهزة

شارك غردهل هناك ما يدعو للتفاؤل حقاً في ظل ما تشهده مصر من أزمات!

شارك غردالسلطة المصرية تصر على مكافحة التشاؤم بين المواطنين… ويا ليتها لا تفعل

في محطة "السادات"، وهي المحطة التي يعلوها ميدان التحرير الشهير، كانت الإذاعة تبث تواشيح دينية للنقشبندي. وفي محطة الأوبرا، وهي المحطة التي تعلوها الأوبرا المصرية، وتعتبر أول أوبرا في قارة أفريقيا، كانت الإذاعة تبث برنامجاً آخر، بعنوان "حكاوي الصعيد". كان مُقدم البرنامج صاحب اللهجة الصعيدية، يروي حكايات عن "طبلية أبيه". والطبلية هي مائدة طعام مستديرة وقصيرة، تلتف حولها الأسرة المصرية على الأرض لتناول الطعام. وكان الراوي يحكي عبر المذياع أن الأب هو المسؤول الأول عن الأسرة، وكيف يعاني هذا المسؤول لإطعام أبنائه. وأنه يوزع الطعام عليهم، ليرضى كل ابن بما قسمه الأب! ولن ينوب الأب في النهاية، بحسب الراوي، غير "مصمصة صوابعه"، أي لعق أصابعه، وهي كناية عن قلة ما حصل عليه!

في تلك اللحظة، كان الأربعيني محمد شاكر وهو مدرس تاريخ، يجلس على أحد الكراسي، وقال: "إنها محاولة أخرى من التدليس، والتدليس طبع السلطة المستبدة منذ فجر التاريخ، فالحاكم أيام الفراعنة مثلاً كان إلهاً، ثم تطور الأمر ليكون ابن الإله. أما في العصور الحديثة، وبعد التوحيد، فلم يجد للحاكم مكانة سوى ادعاء كونه أباً، وأن بقية الشعب أبناؤه، وأنت بالطبع تذكر، أنهم كانوا يقولون عن مبارك إنه الأب، وهذا أيضاً ما قالوه عن عبد الناصر. والحكاية كلها لعب بالمفاهيم والمصطلحات. فأنت ستتحمل والدك تحت أي ظرف، حتى لو كان قاسياً، وستبحث دائماً عن مبررات للتعاطف معه! وهذا حقه عليك بلا شك". وأضاف: "لكن الرئيس أمر مختلف، هو أعلى سلطة وفي النهاية موظف، والموظف نحاسبه على نتائج عمله، ليس من منطلق العاطفة. وإذا أثبت كفاءة نال التكريم والترقي، وإن تكاسل أو أفسد وجب عقابه وطرده. تلك هي العلاقة، أما ما تبثه محطة على المحطة، فهو نوع من التلاعب بالعقول البسيطة، وتغييب لوعي المواطن، وترسيخ العاطفة لديه على حساب العقل، الذي هو أساس التعاقد بين الحاكم والشعب".

على الطريق: ازدحام وفساد ولوحات إعلانية

شارع فيصل يبدأ من الجيزة وينتهي عند ميدان الرماية، وقد أنشأه الملك فيصل ليكون موازياً لشارع الهرم، الذي تكدس بالسكان في العقود الماضية. لكن الملك لم يكن يتخيل أبداً أن هذا الشارع سيشهد كل هذا الحشد السكاني في العشرين سنة الفائتة. فالشارع تحول إلى منطقة سكانية مكتظة، ورغم أن طوله لا يتعدى 7 كليومترات، تظل ساعة ونصف داخل السيارة، دون أن تبلغ منتصفه.

كانت السيارة تتزحزح ببطء لتسير مسافة متر أو نصف متر، ثم تعود للوقوف مرة أخرى، وكانت تظهر لنا عند كل تقدم، لوحة إعلانية لرفع الروح المعنوية لدى المارة والسُكان.

أشرت نحو لوحة كُتب عليها: "الخوف والتشكيك يطولوا الطريق”… سألنا سائق التاكسي: "ما رأيك في المكتوب؟"، فأعاد قراءتها، ثم ضحك وقال: "كان المفروض لكاتب اللوحة أن يكتب عليها الزحام والفساد يطولان الطريق، نحن في شارع لا يستغرق الربع ساعة لعبوره، ومع ذلك تجاوزنا النصف ساعة ولم نتحرك سوى عدة أمتار. الأمر بالطبع ليس له علاقة بالخوف أو التشكيك كما يزعمون، ولكن الأمر يرجع إلى سوء التخطيط للمكان، وعلاقة البلدية مع أصحاب المحال، فيتركونهم يستغلون الأرصفة وما بعد الأرصفة، لعرض بضائعهم. ثم انظر للسيارات التي تصطف في صف ثان وثالث في غياب شرطة المرور! الفساد والرشوة والتغيب عن العمل والعشوائية تجعل الطريق أصعب".

4

وتعقيباً على لوحة أخرى، كُتب فيها "نقدر قوي: نزود إنتاجنا، نشغل شبابنا"، قال: "تعلمنا أن من يفعل لا يتحدث، ومن يتحدث لا يفعل، فإذا كانت الحكومة قادرة على الفعل فما الذي يمنعها إذن؟".

3

في المنزل: الست مستورة ليست مستورة...

في المنزل، تجلس أمام التلفاز ليداهمك إعلان على قناة المصرية الفضائية، يعلن إنجازات الدولة من قناة السويس للعاصمة الإدارة، لتوفير فرص العمل، وكفالة الأسر الفقيرة. تغيّر المحطة ليداهمك فيلم "مستورة" الذي تعرضه منى الشاذلي في برنامجها "معكم".

يحكي الفيلم عن امرأة ريفية من بني سويف، تُدعى مستورة، وتقول في مقدمة الفيلم، إن اسمها مستورة وهي مستورة بالفعل! الفيلم تسجيلي عن كفالة الأسرة الفقيرة في "كرامة"، وهي أسرة مكونة من أب وأم وأبناء، وفرت لها الحكومة مبلغاً شهرياً قدره 350 جنيهاً مصرياً أو ما يعادل ثمن 3 كيلو لحمة! وهذا المبلغ أحدث فرقاً في حياة الأسرة وجعلها أفضل. "وعلى الأُسر المشابهة أن تفرح، فالآتي أحلى".

يصيبك الفيلم بحيرة: كيف تعتقد المرأة أنها مستورة بالفعل وقد عرضوا حالتها البائسة على شاشات التلفاز؟ وكيف تكون تلك الكفالة تحت عنوان الكرامة، وهم يقدمون مبلغاً لن يُطعم أسرة أكثر من 3 أيام مع التقشف؟ لكن السؤال الأصعب: كيف ينام المواطن متفائلاً بعد كل ما يمر به كل يوم اليوم؟ في حين قد تقبض عليه الحكومة المصرية لو نال منه التشاؤم!

التعليقات

المقال التالي