حكاية الأمير عبد القادر: الشاعر الذي قاد حرب التحرير الجزائرية الأولى

حكاية الأمير عبد القادر: الشاعر الذي قاد حرب التحرير الجزائرية الأولى

لم تكن حرب التحرير الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي بين نوفمبر 1954 ومارس 1962، والتي راح ضحيتها مليون جزائري هي الأولى من نوعها. فقد سبقها في القرن التاسع عشر، وبعد فترة قصيرة من دخول المحتل الفرنسي، حرب واسعة النطاق قادها رجل فذ ضد الفرنسيين.

إنه الأمير عبد القادر الجزائري، الفارس والشاعر والفقيه والفيلسوف، الذي كان في الـ25 من عمره عندما بايعته القبائل الجزائرية أميراً عليها، ليعلن الجهاد ويقود حرب التحرير الجزائرية الأولى ضد الاحتلال الفرنسي. فما هي حكايته؟

الأصل والبدايات

ولد الأمير عبد القادر في 15 سبتمبر 1807، في قرية القيطنة بولاية وهران الجزائرية. يعود أصله للأدارسة، الذين كانوا ملوكاً في المغرب والأندلس. وكان عبد القوي الأول، أول أجداد الأمير الذين نزحوا عن المغرب الأقصى، واستقر بقلعة بني حماد قرب سطيف من أعلام الجزائر. واشتهرت عائلته بالعلم والتقوى، خصوصاً والده محي الدين، الذي كان يلقب بالشريف، لانتسابه إلى سلالة الرسول. كما كان شيخاً للطريقة القادرية في الجزائر، وفي ظل هذه الأجواء، نشأ ابنه عبد القادر شغوفاً بالعلم، ومحباً للفروسية، وعاشقاً للشعر.

عام 1823 خرج للحج مع والده، فاعترض طريقهما رجال الباي حسن بن موسى الحاكم العثماني لوهران، الذي كان على خلاف مع  الشيخ محيي الدين، فوضعه تحت الإقامة الجبرية في هذه المدينة. ولم يسمح له بمواصلة رحلته للحجاز، وعام 1825 سمح له بالخروج للحج، ويقال إن زوجة الباي نفسها، توسطت للشيخ بسبب سمعته الطيبة.

EmirAbdelKader

وخلال تلك الرحلة، التي استغرقت عامين، زار عبد القادر العديد من البلاد العربية، مثل تونس وليبيا ثم مصر فالحجاز، وصولاً إلى بلاد الشام، فالعراق، التي زار فيها ضريح عبد القادر الجيلاني مؤسس الطريقة القادرية، ثم عاد إلى الجزائر عبر القاهرة وطرابلس وتونس.

بعد عودته، اتجه عبد القادر للعبادة والدراسة، فقرأ أفلاطون وفيثاغورث وأرسطو، ودرس كتابات مشاهير المؤلفين من عهود الخلافات العربية، كما قرأ عن التاريخ القديم والحديث، وعن الفلسفة واللغة والفلك، بل حتى الطب. وتشرب التصوف من كتب محيي الدين بن عربي وابن سينا وغيرهما.

البيعة والجهاد

بعد عامين من عودته إلى بلاده، بدأت مرحلة خطيرة في حياته، إذ تعرضت الجزائر للاحتلال الفرنسي في 5 يوليو 1830. وبعد اعتذار والده عن قيادة المقاومة الشعبية لكبر سنه، تولى هو قيادتها وهو في الـ25 من عمره.

في 21 نوفمبر 1832، بايعت القبائل الجزائرية عبد القادر بالإمارة. فاختار مدينة المعسكر عاصمة له، وبدأ بجمع المتطوعين، وتكوين جيش قوي، وحقق انتصارات عدة وطارد القائد الفرنسي بوايه، فعزلته فرنسا، وعينت دي ميشيل بدلاً منه. واضطر هذا الأخير إلى عقد اتفاق هدنة مع الأمير عبد القادر، في 26 فبراير 1834.

وتقر اتفاقية الهدنة سلطته على جميع مقاطعة وهران وتوجب له الحق في أن يعين قناصله وأن يستورد الأسلحة من أية جهة يريد.

انتهز عبد القادر فرصة الهدنة فعمد إلى تشييد الحصون والقلاع والمصانع، والاهتمام بالعلم وتوفير الموارد المالية والبشرية لدولته التي قسمها ثلاث مقاطعات إدارية لتسهيل إدارتها وهي معسكر ومليانة وتلمسان، ثم عمد للاهتمام بالقضاء وإرساء قواعد العدل ومحاربة الفساد.

لكن الفرنسيين لم يلتزموا بالاتفاقية وخرقوها، وثار بعض المنافسين من أهل البلاد عليه. انضمت قبيلتا الدوائر والزمالة إلى فرنسا، فطلب عبد القادر بتسليم رؤسائهم إليه فرفض الفرنسيون ذلك.

اندلع القتال مجدداً، وانتصر عبد القادر في معركة سيق، رغم تفوق القوات الفرنسية في العدد والعدة. وفي يوم المقطع، في 26 يوليو 1835، أنزل هزيمة كبيرة ثانية بالقوات الفرنسية، ما أدى إلى تغييرات كبيرة في صفوف قياداتها.

أقوال جاهزة

شارك غردحكاية الفارس الذي كان في الـ25 من عمره عندما بايعته القبائل الجزائرية أميراً عليها، فقاد حرب التحرير الجزائرية الأولى

شارك غردالأمير عبد القادر الجزائري، بطولاته ضد الفرنسيين، علمه الذي أبهر الكثيرين، والجدل حول انضمامه إلى الماسونية العالمية...

وتواصلت انتصارات الأمير، فلم تجد فرنسا بداً من مصالحته لتلتقط أنفاسها. أبرمت معاهدة تافنا الشهيرة، في الأول من يونيو 1838، التي تعترف فيها فرنسا بسيادته على الناحيتين الغربية والوسطى من الجزائر، فضلاً عن تبادل التثميل الدبلوماسي، بين الجانبين، ووقع المعاهدة عن الجانب الفرنسي الجنرال بيجو.

وتحسباً لتزايد قوة الأمير، خرق الفرنسيون الهدنة مجدداً، ونهجوا سياسة الأرض المحروقة، باستعمال أساليب وحشية في قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وحرق تام للمدن والقرى المساندة للأمير. فنادى عبد القادر بالجهاد في 20 نوفمبر 1839.

استمرت المعارك ولجأت فرنسا لسياسة فرق تسد  بين القبائل كما واصلت سياسة الأرض المحروقة حتى سقطت عاصمة الأمير المتنقلة "الزمالة" عام 1843 ، ولكن عبد القادر لم يستسلم وواصل الكر والفر واستطاع أن يلحق بفرنسا الهزيمة في معركة سيدي إبراهيم في 23 سبتمبر عام 1845 وقد أصيب خلالها قائد القوات الفرنسية مونتياك.

وعندما سدت أمام الأمير السبل، لجأ إلى المغرب أملاً في دعم السلطان المغربي مولاي عبد الرحمن بن هشام، لكن ضغوط الفرنسيين وتهديدهم باحتلال المغرب بل وقصفهم مدينتي طنجة ومغادور حالت دون ذلك، فعاد إلى الجزائر ولكن مع استمرار الحصار الفرنسي الشرس انتقل مجدداً إلى المغرب. وهنا لم يجد سلطانها تحت تهديد فرنسا مفراً من قتال عبد القادر، فسيّر جيشاً ضخماً لقتاله، ووقعت معركة كبيرة بين الجيشين الجزائري والمغربي، دخلها عبد القادر مضطراً، بعد أن كاتب علماء مصر بشأن موقف السلطان فأفتوا بقتاله.

ووقعت المعركة يوم 15 ديسمبر عام 1847 عند نهر ملوية وتكبد فيها المغاربة خسائر فادحة، وبعد انتهاء المعركة علم أن الجنرال لامورسيال قائد القوات الفرنسية يتربص به بينما ما زال سلطان المغرب متربصاً به على الجانب الآخر، فأيقن بانتهاء الأمر واستسلم للفرنسيين في 23 ديسمبر عام 1847.

الأسر والمنفى

غادر الأمير و80 من أنصاره الجزائر على متن السفينة الفرنسية أسمدوس، وكان اتفاق الاستسلام مع الفرنسيين أن يتوجه إلى الاسكندرية أو عكا، ولكن السفينة وصلت ميناء طولون الفرنسي في الأول من يناير عام 1848 ومنها نقل إلى سجن بمدينة بو في الجنوب الفرنسي ثم في آمبواز بإقليم اللوار. لكن رئيس الجمهورية الفرنسية لويس نابليون قرر فيما بعد إطلاق سراحه، فسافر إلى تركيا في 2 ديسمبر 1852، ومنها انتقل إلى سوريا واستقر بمدينة دمشق بداية من 1855، حيث قام بالتدريس في المسجد الأموي.

وخلال إقامته بالشام، استطاع عبد القادر أن يؤلف موسوعته الجامعة "كتاب المواقف"، تناول القضايا العويصة في الفكر الإسلامي وبث فيها آراء إصلاحية. وكان تأليف هذا الكتاب الضخم، حصيلة لثقافة الأمير الصوفية واستجابة لطلب بعض العلماء الذين التمسوا من الأمير أن يدون لهم ما يلقيه من دروس وما يتكلم به في مجالسه.

من أشهر مواقفه خلال هذه الفترة، ما فعله خلال أحداث الشام الطائفية بين الدروز والموارنة، التي وقعت في 10 يوليو 1860، إذ تواصل مع كل الأطراف لاحتواء الأزمة، وفتح بيته وبيوت جيرانه للموارنة الفارين، وتوجت جهوده بنتائج باهرة، دعت كل الأطراف إلى إكباره. ولكن بقدر ما كانت النتائج كانت التضحيات، فدفع عدد من الجزائريين أرواحهم، من بينهم رفقاء الأمير في جهاده. ومع انتهاء الأزمة استطاع الأمير إنقاذ 15 ألف ماروني من الموت.

وكان حفل افتتاح قناة السويس عام 1869، فرصة للأمير ليزور مصر ثانية، فلبى الدعوة التي وجهت إليه ليحضر هذا الحدث التاريخي الهام، بجانب الملوك والوزراء، وهي شهادة على ما كان يتمتع به حينئذ من احترام.

الماسونية

يعتبر موضوع انضمام الأمير عبد القادر للماسونية العالمية قضية حساسة، لاختلاف الآراء فيها. فابنه الشيخ محمد باشا لم يتطرق في تحفة الزائر لهذا الأمر، رغم أنه لم يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة والده دون تناولها.

أما شارل هنري تشرشل، مؤلف كتاب "حياة الأمير عبد القادر"، فيذكر بصريح العبارة ما نصه: "ومن جهة أخرى أصبح يحمل شعار جمعية تقوم على مبدأ الإخوة العالمية، وقد سارعت الجمعية الماسونية في الاسكندرية، إلى الترحيب بالعضو الجديد الشهير، فقد دعي إلى المحفل الماسوني المعروف باسم محفل الأهرام، وأدخل عبد القادر في هذا النظام الصوفي الغامض، وقد أضيفت لميزة مجاور النبي ميزة ماسوني حر ومقبول. وهي العبارة العرفية المستعلمة في هذا المقام، وكان اسمه الرمزي بعد انضمامه هنري الرابع".

وظلت هذه القضية محل أخذ ورد بين المؤرخين، وقد نشر محمد بن سعيد حفيد الأمير عبد القادر مقالاً بعنوان "الأمير عبد القادر والجمعية الماسونية"، ينفي فيه انضمام الأمير للجمعية وطالب من يدعي ذلك بإبراز دليله.

أشعاره

عرف الأمير عبد القادر الجزائري شاعراً، وتميز في مجالات كثيرة فقال في الفخر بنسبه:

أبونا رسول الله خير الورى طرا

فمن في الورى يبغي يطاولنا قدرا

ويفتخر أيضاً بفروسيته:

ومن عادات السادات بالجيش تحتمي

وبي يحتمي جيشي وتحرس أبطالي

وللأمير صولات في شعر الغزل العفيف، ومنه قوله:

ألا قل للتي سلبت فؤادي    وأبقتني أهيم بكل واد

تركت الصب ملتهباً حشاه   حليف شجى يذوب بكل ناد

في 24 مايو 1883 توفي الأمير عبد القادر في قصره قرب دمشق عن عمر يناهز 76 عاماً، ودفن بجوار الشيخ ابن عربي، تنفيذاً لوصيته، وفي عام 1965 نقل جثمانه إلى الجزائر ودفن في المقبرة العليا.

كلمات مفتاحية
الجزائر

التعليقات

المقال التالي