تركيا على طريق التعديلات الدستورية التي ستحقق أحلام أردوغان

تركيا على طريق التعديلات الدستورية التي ستحقق أحلام أردوغان

أتت حملة الاعتقالات الأخيرة للقيادات السياسية الكردية في تركيا في إحدى أخطر الحقبات في تاريخ الجمهورية المعاصر. فما أن نجا الرئيس رجب طيب إردوغان من محاولة انقلاب في شهر تموز الماضي، وقد اتهم فيها أتباع المرشد الديني فتح الله غولن، أحد الحلفاء السابقين للرئيس والمقيم في ولاية بنسيلفانيا الأمريكية وقائد حركة حزمت (خدمة)، حتى بدأت الحكومة التركية عملية تطهير واسعة لأجهزة الدولة والقضاء والمؤسسات التعليمية بهدف إنهاء وجود أعضاء حركة حزمت، في إطار ما يسمى الدولة الموازية.

وطالت عملية التطهير عشرات الآلاف من ضباط الشرطة والجيش والقضاة والمعلمين والصحفيين، مما دفع العديد من منظمات حقوق الإنسان والسياسيين الأوروبيين إلى توجيه النقد الشديد للحكومة التركية، ما ينذر بإمكانية ضرب اتفاق اللاجئين السوريين بين أنقرة والاتحاد الأوروبي.

إلا أن الاعتقالات التي استهدفت قيادات الصف الأول لحزب الشعب الديمقراطي أنذرت ببدأ عملية تعديل الدستور التركي، وهو المشروع الذي يهدف لإعادة صياغة السلطة لتحويل تركيا من ديمقراطية برلمانية إلى ديمقراطية رئاسية. وتدعو حملة الاعتقالات التي استهدفت قائد الحزب صلاح الدين ديميرداش بالإضافة لـ11 عضواً في مجلس الشعب من الحزب، للقلق كونهم نواباً منتخبين وكون الحملة تسبق إعطاء صلاحيات إضافية لإردوغان.

تتهم الحكومة التركية الحزب بأنه الجناح السياسي لحزب العمال الكردي والمصنف جماعة إرهابية في تركيا والولايات المتحدة وأوروبا على غرار حزب الشين فين الإيرلندي والجيش الجمهوري. وعلى الرغم من وجود علاقات بين الحزبين، وكون الحزب الديمقراطي مدعوماً من الجالية الكردية، إلا أن التحالف يتضمن يساريين وشباباً ومجموعات أخرى سئمت من سياسات الحزب الحاكم، وهو حزب العدالة والتنمية الذي أنشأه إردوغان. واللافت أنه برغم العداء الزائد في الفترة الأخيرة بين الحكومة والأكراد، إلا أن حزب الشعب الديمقراطي كان من المجموعات التي عارضت الانقلاب العسكري.

العلاقات التركية الكردية

ويعود انهيار العلاقات التركية الكردية إلى منتصف عام 2015، حينما استطاع حزب الشعب الحصول على أصوات كافية لدخول البرلمان، مما فرض على حزب إردوغان فكرة إنشاء حكومة مع أحزاب أخرى بعد أن كانوا لسنوات يشكلون حكومة من حزب واحد. وكانت الحكومة التركية في الوقت نفسه توجه اتهامات لحزب العمال باختراق الهدنة التي أنشأت في 2013 بين الطرفين تمهيداً لعملية السلام. والحقيقة أن حزب إردوغان كان أول من حاول إيجاد حل لما كان يسمى "السؤال الكردي" برغم معارضة الكثير من القوميين الأتراك. إلا أن قيام أعداد كبيرة من الأكراد بانتخاب حزب ديميرداش، الذي سمي "باراك أوباما التركي" لشخصيته التي أعجب بها الكثير من الشباب، بالإضافة إلى العمليات الإرهابية التي قام بها حزب العمال ضد الجيش والشرطة، دفعت إلى انهيار عملية السلام.

أقوال جاهزة

شارك غردتغيرات مهمة طرأت في الأسابيع الأخيرة في تركيا ممهدةً الطريق للتعديلات الدستورية التي ستحول البلاد إلى النظام الرئاسي

شارك غردخطوات على طريق التعديلات الدستورية التي ستمكن أردوغان من الحكم حتى عام 2029!

وذلك الانهيار له أبعاد إستراتيجية كثيرة لا يسع في هذا المجال الدخول في تفاصيلها، إلا أنه يجب التلميح إلى الصعوبات التي تواجه حملة تحرير مدينة الرقة من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، والتي سببها تدهور العلاقات بين تركيا وأكراد سوريا، إذ تعتبر أنقرة وجود منطقة حكم ذاتي كردية في الشمال السوري تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهو ما سبب الكثير من التوتر بين تركيا (عضو في حلف الناتو)، والولايات المتحدة التي تعتبر أكراد سوريا من أهم حلفائها على الأرض في المعركة ضد تنظيم الدولة وساندتهم بالسلاح والقصف الجوي في معاركهم ضد التنظيم.

تعديل الدستور التركي

أما بالنسبة للسياسة الداخلية التركية، فتأتي عملية القبض على عناصر الحزب، والتي سماها مسؤولون فيه محاولة انقلاب، في خضم معركة سياسية متوقعة في الربيع القادم لتعديل الدستور التركي لتحويله من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام رئاسي يشبه إلى حد ما النظام السياسي الفرنسي أو الأمريكي، ولكن في ظل سيطرة حزب واحد على مقاليد الحكم.

وكانت فكرة تعديل الدستور، برغم طرحها في العديد من المناسبات، بعيدة المدى حتى بعد محاولة الانقلاب. إلا أن تغيرات مهمة طرأت في الأسابيع الأخيرة، أولها تصريحات رئيس حزب القوميين دولت باهتشيلي وفيها أبدى استعداده دعم مشروع الدستور الجديد، ما يتيح للحزب الحاكم أصواتاً كافية في البرلمان للموافقة على القيام باستفتاء شعبي على السلطة الرئاسية. ويبدو أن باهتشيلي حصل على بعض التنازلات مثل إمكانية أن يكون أحد نواب الرئيس من الحزب القومي، بالإضافة إلى استمرار السياسات القمعية ضد الأكراد والتي تعد إحدى رغبات قاعدتهم الشعبية، والموافقة على طرح فكرة إعادة عقوبة الإعدام في القانون الجنائي التركي، ما سيؤدي إلى انهيار مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي وترسيخ ابتعاد تركيا عن سياسات الدول الغربية.

وفي حال وافق مجلس النواب على استفتاء رئاسي، سيكون بإمكان إردوغان، بحسب تفاصيل مسربة من مشروع تعديل الدستور، أن يستمر في الرئاسة حتى عام 2029، إذ أنه سيحصل على السلطات الجديدة للرئاسة، بالإضافة إلى إمكانية ترشحه للانتخابات القادمة وبعدها لمدة فترتين رئاسيتين، مما سيرسخ حكم حزبه في القيادة التركية.

وفي ظل المعركة السياسية حول الدستور، تبدو الاعتقالات للقيادات الكردية إنذاراً للمعارضة، ومحاولة لتهميش دورها تجنباً لأي اعتراضات قد تدفع بخطة الحزب الحاكم لتعديل الدستور. فقد قرر حزب الشعب التوقف عن العمل البرلماني حتى يتم الإفراج عن أعضائه المعتقلين. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حملة ممنهجة ضد الإعلام المعارض، من ضمنه صحيفة جمهوريت العريقة التي اعتقل منها 13 شخصاً من بينهم رئيس مجلس إدارة الصحيفة، ما يسمح للحكومة بتعيين مجلس إدارة لتسيير شؤون الصحيفة، وهي أهم جريدة معارضة الآن، وتحويلها إلى أداة في يد حكومة إردوغان.

مراسل الشرق الأوسط في صحيفة الغارديان البريطانية

كلمات مفتاحية
الأكراد تركيا

التعليقات

المقال التالي