هل حطمنا أسطورة "كاريزما" الزعيم الملهم؟

هل حطمنا أسطورة "كاريزما" الزعيم الملهم؟

"الزعيم الملهم والقائد المنقذ، الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، يملك سحر البيان فيملك قلوب الجماهير ويأسر عقولهم وألبابهم، ويتغلب على المؤامرات وينتصر على الأعداء".

تلك أسطورة "الكاريزما" التي طالما رسخها إعلام الصوت الواحد، للقادة والزعماء في عالمنا العربي. ولكن أتت شبكات التواصل الاجتماعي لتمثل الصوت الشعبي المغاير لذلك الخطاب الرسمي، وتنال من صورة الزعيم المنقذ، فتحطم أو تكاد، الكاريزما التي كان يتمتّع بها.

عبر حملات من النقد العنيف، وربما السخرية اللاذعة، وجدت الجماهير في مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة، ومنابر، لتعبر عن آراء الغالبية المهمشة، ما أجبر السلطة على الدخول إلى حلبتها، لمحاولة حماية صورة الزعماء والقادة والنيل من معارضيها.

فإلى أين تقودنا الحروب الإعلامية على ساحات شبكات التواصل؟ وهل فقدت السلطات العربية هيبتها عبر الواقع الافتراضي، أو نجح تدخلها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ وهل فقدت الأنظمة الحاكمة سطوتها وقوة تأثيرها وسيطرتها على الجماهير؟

كسر الاحتكار

يؤيد الدكتور سامح الشريف، خبير الإعلام الجديد، أن وسائل التواصل نجحت في كسر صورة الزعيم الملهم، وصوت الإعلام الواحد، والتعبير عن مختلف فئات الشعب، خصوصاً في العالم العربي. ويوضح أنها دعمت فكرة المفكر الألماني يورغن هابرماس عن "المجال العام"، في ديمقراطية المشاركة والفرص المتساوية، وصنعت مجالاً عاماً تشاركياً لكل الفئات وكسرت احتكار المؤسسات الرسمية لحرية التعبير.

ويرى الشريف أن وسائل الإعلام الشخصية، التي تتربع مواقع التواصل الاجتماعي على عرشها، خصمت كثيراً من رصيد وسائل الإعلام التقليدية. فقد باتت وسيلة تواصل أساسية، تتيح التعبير عن الآراء وتبادل المعلومات والمشاركة في توجيه الأحداث، وتوظيفها من جانب فئات الجماهير المهمشة، لتصبح أحد أهم محركات التفاعل مع الأحداث الجارية، والشؤون العامة، وإنتاج محتوى إعلامي بديل يعبر عن خطاب الجماهير في مواجهة خطاب المؤسسات.

كما اعتبر أن ذلك ساهم في تعديل موازين القوى بين الجمهور والسلطة، لتصبح "السوشال ميديا" بحق صوت الغالبية الصامتة، في مقابل الخطاب الأحادي الرأسي. وكسرت شبكات التواصل الاحتكار الإعلامي وأظهرت نماذج شعبية بديلة، وخطاباً شعبياً في مواجهة خطاب النخبة.

اختفاء الكاريزما

يبين خبير الإعلام الرقمي أن صورة "الزعيم الملهم" اختفت تقريباً منذ سبعينيات القرن الماضي، مع نهاية حقبة تاريخية ارتبطت بالتحرر من الاستعمار والحروب العربية الإسرائيلية وسيطرة الاقتصاد الموجه.

أقوال جاهزة

شارك غردهل فقدت السلطات العربية هيبتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو نجح تدخلها في إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

ويشرح أن رياح العولمة، ودخول عصر السماوات المفتوحة، أحدثا العديد من التغييرات الثقافية والسياسية الواضحة، وأتاحت أمام الجماهير متابعة العديد من النماذج الثقافية والسياسية الغربية، التي كانت مغايرة لما درجت عليه الأدبيات السياسية العربية. وهذا ما مهد الطريق لترسيخ ثقافة الديمقراطية، وحرية التعبير والمشاركة الجماهيرية، في صنع القرار ورسم السياسات العامة.

التفاعلية والمشاركة

مع دخول الإعلام الشخصي للمنطقة العربية، والذي بدأ يترسخ مع ظهور المدونات والمنتديات الإلكترونية، وفق ما يذكره الشريف، تعززت قدرة الجماهير على إبداء آرائها المختلفة في الشؤون العامة. ولم تكد المدونات تؤثر في مسارات الأحداث، حتى ظهرت شبكات التواصل الاجتماعي، التي مثلت قمة الهرم في التفاعلية والمشاركة بالكلمة والصوت والصورة، على أوسع نطاق، لتمثل مجالاً عاماً بحق، تتوافر فيه الشروط التي وضعها المفكر الألماني الشهير يورغن هابرماس، لحرية التعبير والمشاركة الجماهيرية الواسعة.

وتركت السوشال ميديا تأثيرات واضحة على جهود التسويق السياسي للمؤسسات الرسمية المختلفة، التي سعت لتشكيل صورة الزعيم، فواجهت منافسة شديدة من جانب مواقع التواصل الاجتماعي، التي يعتمد عليها الأفراد في نقد السياسات العامة وصناع القرار. غير أن السوشال ميديا لم تنجح في صنع نماذج بديلة، فشهرتها الكبيرة وأعداد مستخدميها الهائل، حدّا من قدرتها على التوحد وساهما في تفتيت أصوات المعبّرين عن آرائهم عبرها. عدا أن مختلف المؤسسات الرسمية العربية، اتجهت هي الأخرى إلى توظيف مواقع التواصل الاجتماعي سياسياً لإدارة صورتها وسمعتها، ونجحت في ذلك إلى حد كبير، فلم تعد هذه المواقع حكراً على الجماهير وحدها.

ويكشف ذلك أن السوشال ميديا ليست اللاعب الوحيد في المعادلات السياسية، بل هي طرف لا ينكر أحد أنه شديد الأهمية، ضمن أطراف عدة، تتبادل النقد وطرح وجهات النظر المتعارضة، في إطار ما يعرف في أدبيات العلوم السياسية بنظرية اللعبة Game Theory.

اختفاء الأسطورة

ورأى الكاتب والمحلل السياسي أسامة الهتيمي، في حديث لرصيف22، أن من أهم العوامل التي ساهمت أو ساعدت على صنع الأسطورة أو الرجل الأوحد، هو استغلال الأجواء السياسية، التي لم تكن لتسمح إلا بصوت إعلامي واحد. ثم حرمت المجتمع من التناول الحر لأي شخصية، الأمر الذي أخرس أصوات المعارضين أو المناوئين للزعيم الأوحد، أو على أقل تقدير، حرم هؤلاء من أن يتواصلوا بشكل واسع مع الجماهير، فبقيت الشخصيات القيادية على رونقها لا يستطيع أحد أن يمسها.

ولكن، برأيه، تغير الأمر إلى درجة كبيرة مع ثورة الاتصالات التي منحت الجميع القدرة على أن يعبر عن آرائه وأفكاره وتعليقاته وانتقاداته، بما يفتح الباب على مصراعيه أمام الجميع، لتناول من يشاء كيفما يشاء، ومن أي مكان شاء. فساهم ذلك في الكشف عن العديد من العورات والعيوب، التي تتسم بها هذه الشخصيات القيادية التي كان يصعب المساس بها أو الاقتراب منها.

إسقاط الهيبة

لا نستطيع إنكار دور السوشال ميديا في تراجع ظاهرة الرئيس الملهم الخالد "الإله"، بحسب الكاتب الصحفي محمود سلطان رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة "المصريون"، مؤكداً أن تلك الظاهرة انتهت مع سقوط الطغاة بفعل ثورات الربيع العربي.

وأوضح سلطان لرصيف22 أن الربيع العربي سليل هذه الشبكات الاجتماعية، التي أسقطت أسطورة الرئيس القائد، وخصمت من سطوة الدولة الإعلامية، وجعلتها تتراجع أمام الإعلام غير الرسمي الآتي من فضاء الواقع الافتراضي.

ويضيف أن النقد الجارح واللاذع الذي تزخر به السوشيال ميديا، تمكّن من إسقاط الهيبة تماماً عن الزعماء "أنصاف الآلهة"، ولم يعد ممكناً للرئيس أن يحظى بتلك الصورة الأحادية، التي ترسخت منذ عهد الانقلابات العسكرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

وتمكنت شبكات التواصل، من كشف أسرار السلطة، وهتك سترها، فلم تعد هناك الدولة السرية، وتمكنت منصات الإعلام الجديد من إذاعة تسريبات من داخل الغرف المغلقة لأجهزة الدولة.

ويذهب سلطان إلى فشل الدولة في منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن السلطات الرسمية في العالم العربي دخلت تلك المنصات أخيراً بعد الهزة التي أحدثتها، لكن خبرة الدولة وأدائها في هذا المضمار في مواجهة معارضيها كانت متدنية.

وبرأيه، استخدمت الدولة السوشال ميديا كأداة قمع وليس للإقناع، ولجأت إلى خطاب الفحش في مواجهة خصومها، للنيل من سمعتهم وأعراضهم، وقامت بمطاردة المعارضة من خلال جيوشها الالكترونية.

خطاب السلطة عبر السوشيال ميديا كان أقل إقناعاً وتأدباً ووعياً وثقافة، وكان متوتراً يخصم من قدرتها على التأثير وإحداث التوازن مع الخطاب المعارض. فمثلت النظم العربية عبر شبكات التواصل الصوت الرجعي الذي يعيد إنتاج فكر الستينيات، في مقابل خطاب الشباب والمعارضة الذي يحمل أدوات السخرية والتهكم، التي تصيب هدفها وتحدث أثارها وتترك دوياً هائلاً ينال من هيبة السلطة.

خدش الصورة

في المقابل، قلل الباحث السياسي أحمد التلاوي من قيمة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في صورة الزعيم الملهم لدى جماهيره. وأكد لرصيف22 أنها يمكن أن تكون خدشت تلك الصورة، لكنها عجزت عن كسرها أو تحطيمها، مبيناً أن من يصنع صورة كاريزما القائد الملهم في عالمنا العربي هم "الجهلة  والأميون"، وهؤلاء بعيدون كل البعد عن السوشال ميديا، مشيراً إلى أن في مصر ما زال للرئيس عبدالفتاح السيسي كاريزما عند ملايين المصريين.

كما أن شبكات التواصل الاجتماعي أضحت ساحة صراع بين طرفين، فهناك من يسخر من الزعيم، وهناك من يمجده، لكن يجب أن نقر أن السوشيال ميديا نجحت في كسر حاجز الخوف عند شريحة من المواطنين. وتمكنت من كسر احتكار إعلام الصوت الواحد، ومن النيل من الصورة الأسطورية التي يرسمها ذلك الإعلام للزعيم الملهم المنقذ.

وهذا من شأنه أن ينال، بحسب التلاوي، من هيئة الزعيم وقوة تأثيره بين جماهيره بدرجة ما. لكن يبقى نمط الزعيم الملهم في الأساس هو النمط الشائع في الأنظمة الديكتاتورية، التي تملك أدوات تنفيذية قوية على الأرض، ما يحد كثيراً من تأثير الواقع الافتراضي على ما يحدث في الواقع المعيوش.

التعليقات

المقال التالي