سيد البيت الأبيض الجديد، كيف وصل وماذا نتوقع منه؟

سيد البيت الأبيض الجديد، كيف وصل وماذا نتوقع منه؟

وصل دونالد ترمب إلى البيت الأبيض. بعد حملة انتخابية غير مسبوقة في حدتها وخشونتها، استطاع المرشح الغريب عن الوسط السياسي التقليدي أن يكتسح مرشحي الحزب الجمهوري من السياسيين التقليديين، ثم تمكن بالأمس من انتزاع الفوز بالرئاسة خلاف كل التوقعات.

رجل الأعمال الملياردير الذي بنى ثروته في مجال العقارات ولم يسبق له أن عمل في السياسة استثمر غضب وتذمر الشارع الأمريكي من الطبقة السياسية الحاكمة واستطاع أن يقدم ما يشبه الطريق الثالث للأمريكان. هو سياسي ذو آراء إشكالية، يقول ما يجول في رأسه دون أن يخضعه للتدقيق المعتاد ليكون صحيحاً وفق المعايير السياسية. تحدث بصراحة عن أفواج الهجرة من المهاجرين غير الشرعيين من المكسيك، والذين ينخرط بعضهم في تجارة المخدرات. أعلن صراحة أنه سيضيق الخناق على دخول العرب المسلمين من الدول التي تعاني من حروب ومشاكل أمنية، واستعمل كارت داعش ليعد الأمريكان بقبضة حديدية تحميهم من التطرف الاسلامي. كما وجه نقده الحاد إلى قانون الرعاية الصحية المسمى "أوباماكير"، والذي ارتفعت أجور الاشتراك فيه مؤخراً، ليعد الأمريكيين بنقضه. كما لوح بتخفيض الضرائب ووقف هروب الأعمال والشركات إلى الخارج. في كل هذا، كانت هناك نقاط ضعف رخوة في الإدارة الديمقراطية استغلها ترمب بنجاح محولاً صورته كثري ناجح إلى المنقذ الذي يمكنه أن يجعل كل أمريكي ثرياً مثله.

في المقابل رشح الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة وزوجة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، والتي جاءت بصورتها الملأى بالمشاكل والأسئلة التي لا إجابات مقنعة لها لتكون نداً من النخبة التقليدية لهذا المتطفل السياسي المشاغب. ولكن المفاجأة أن هذا السياسي الثري الهاوي تمكن من الإطاحة بهذه السياسية المخضرمة وخلفها كل آلة الإعلام التي استهدفته منذ البداية. إن القوة الرئيسة التي اعتمد عليها ترمب في تحقيق هذا الانقلاب السياسي في أمريكا يمكن فهمها على أنها يأس شعبي من جوقة السياسيين التقليديين في واشنطن، واستجابة أيضاً لخطاب التخويف الذي استخدمه ترمب من الأجانب عرباً مسلمين كانوا أم  مكسيكيين.

بالأمس وقف المحللون في محطات التلفزيون الأمريكية مشدوهين أمام النتائج وهي تتوالي في اكتساح غير متوقع لولايات لم تكن في الحسبان، مثل المعقل الديمقراطي في ولاية بنسلفانيا، كما فاز بولايات متأرجحة هامة مثل فلوريدا وويسكونسن ونيوهامبشير وغيرها.

إن صورة هيلاري التي تقبل التبرعات لمؤسسة زوجها من دول خارجية مثل قطر دون إبلاغ وزارة الخارجية كما يفرض القانون، والتي دخلت في دوامة فضيحة استعمال ايميل شخصي معرضة بذلك معلومات الدولة الحساسة للخطر خلافا للقانون، والتي كذبت وحذفت إيميلات أثناء التحقيقات قد أسهمت كثيراً في انصراف الناخبين عنها. هذه السياسية التقليدية أضحت في نظر الكثيرين نموذجاً لفساد واشنطن السياسي، وانعدام الكفاءة في حل المشاكل. وتصرف معها الناخبون، حتى في الولايات التي صوتت لأوباما سابقاً، بأسلوب من نفد صبره فأطاح بضربة غير متوقعة بخيار الاستمرارية وانتخب حصاناً جامحاً ليعبر كل حواجز السياسة ويوصله إلى وهم الرخاء والأمن.

أقوال جاهزة

شارك غردنجح ترامب من تقديم نفسه على أنه الرجل الثري المنقذ الذي يمكنه أن يجعل كل أمريكي ثرياً مثله... وصدقه الأمريكيون

شارك غردوقعت الواقعة! ما الذي يمكننا أن نتوقعه من ترامب الآن في ما يتعلق بالداخل الأمريكي وبالعالم العربي؟

ما الذي سيتغير في أمريكا؟

في الداخل، من المتوقع أن يقوم ترمب، معززاً بأغلبية جمهورية في الكونغرس، بنقض أهم إنجازات أوباما في الرعاية الصحية، ويعيد الأمر إلى تنافس الشركات بمنطق رجل الأعمال. كما سيقوم بتخفيض ضريبي يستفيد منه بالدرجة الأولى رجال الأعمال. ولكن الأهم من هذا كله أن ترمب خلق مناخاً من الانقسام في المجتمع الأمريكي بسبب خطاب الكراهية الذي اعتمده وما رآه البعض أنه رد فعل لمعتنقي فكرة التفوق الأبيض على دورتين من حكم أول رئيس أمريكي أسود. كما أن ترمب كسر تابوهات في السياسة الأمريكية وأضحت التعبيرات العنصرية ضد الآخرين أمراً مقبولاً باسم الحفاظ على أسلوب الحياة الأمريكية وأمن المواطنين عن طريق شيطنة الآخر. وهكذا فقد نشهد بصعود ترمب جواً عاماً تتزايد فيه مشاعر الخوف والعداء للعرب مشابهاً للمناخ الذي ساد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

يقول رجل الأعمال روبرت أسمر من ميشيغان إن الأغلبية من أبناء المجتمع المسيحي العراقي في ولاية ميشيغان صوتوا لترمب بدافع من خوفهم من داعش وأملاً في أن يقوم فيما فشل فيه أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري من القضاء على التنظيم الإرهابي الذي أحرق بيوت أهاليهم وهجر مسيحيي العراق بعد احتلال الموصل.

جميلة الجزولي طالبة الدكتوراه في العلوم السياسية في نيويورك قالت إنها تتوقع أن تأخذ سياسة ترمب في الشرق الأوسط منحى متصالحاً مع السياسة الروسية في مكافحة داعش، مما سيؤدي إلى تغيير في الخريطة السياسية في الشرق الأوسط. أما فرزات سليمان، فقال إنه كسوري كان يفضل أن تفوز هيلاري بسبب سياستها تجاه اللاجئين السوريين. ووصف ترمب بأنه شخصية مخجلة لا تستحق أن تمثل الولايات المتحدة في المحافل الدولية، ولكنه أيضاً أنحى باللائمة على العرب في السمعة السيئة التي تلاحقهم حول العالم بسبب أخطائهم في تنمية الخلافات الطائفية.

ما الذي يمكننا أن نتوقعه عربياً؟

في منطقتنا العربية لم يخف ترمب رغبته في التفاهم مع روسيا حول حل للأزمة السورية مما قد يجعلنا نرى موقفاً أمريكياً يقبل بوجود الأسد في مقابل إنهاء داعش والنصرة. وفي هذه النقطة قد يبتعد ترمب عن حلفاء أمريكا العرب من دول الخليج، بل وربما يجبرهم على تمويل الحرب ضد داعش، لكنه في المقابل سيلتقي معهم في إعادة النظر في الاتفاق النووي مع إيران، أو على الأقل التشدد في تطبيقه. كما سنرى تشدداً مماثلاً في قبول اللاجئين من دول الأزمات كالعراق وسوريا. وقد يكون الأمر شاملاً على كل المسلمين من أي دولة كانوا.

وعلى المستوى الدولي، سيمضي في بناء سور ضخم على الحدود الجنوبية مع المكسيك كتطبيق عملي لما روجه من سياسات الانعزال والتخويف من الآخر. وقد نشهد توتراً مع دول مهمة كالصين التي تعهد ترمب بأن يغير التعامل التجاري معها ويجبرها على اتخاذ إجراءات توقف هجرة الشركات الأمريكية والأعمال إليها وقد يفرض إجراءات لوقف الخلل في ميزان التبادل التجاري معها.

أما بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي فقد تعهد ترمب بأن يكون وسيطاً فعالاً بين إسرائيل والفلسطينيين في استئناف المفاوضات بين الطرفين. ولعلنا لن نرى تغييراً كبيراً في مقاربة هذه الأزمة المزمنة. إن نقد ترمب للتدخلات الأمريكية في مناطق عديدة في العالم قد يرسم صورة لأمريكا أقل تدخلاً في العالم وأكثر انكفاء على نفسها تحت إدارته.

هي نتيجة سيفرح بها بوتين، ويقلق منها زعماء إيران والخليج على حد سواء، وستربك زعماء الناتو الذي تعهد بإعادة النظر في أسلوب عمله وسيكون لها رد فعل سلبي على أسواق المال العالمية كما شهدنا منذ لحظة إعلان النتائج. نحن ندخل إلى مجهول لا نعرف عنه الكثير. وبالنسبة لنا كعرب فقد فقدنا القدرة على المبادرة منذ زمن بعيد، ولن يكون أمامنا إلا أن ننتظر ونرى ما سيحدث في قادم الأيام والذي سيكون بكل تأكيد حافل بتغييرات جمة.

علي أديب

علي أديب صحفي عراقي عمل في بغداد مع جريدة نيويورك تايمز ثم انتقل إلى الولايات المتحدة حيث حصل على الماجستير في الاعلام من جامعة نيويورك. يعمل كمدرس في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك وله إسهامات إعلامية في الجزيرة أمريكا، وPBS ويكتب بشكل مستمر لرصيف22.

التعليقات

المقال التالي