سوريا: هل تنقلب "الخدمة الإلزامية" على النظام؟

سوريا: هل تنقلب "الخدمة الإلزامية" على النظام؟

"يا حسرتي ليش ضل في شباب بسوريا؟ يا متخبيين يا مسافرين يا متوفيين... يا انسحبوا عالاحتياط". تتردّد هذه العبارة في سياق التندّر على أن النساء في العديد من مناطق سوريا بات بإمكانهن الخروج من دون غطاء رأس لعدم وجود رجال فيها. أما تراجع عدد الذكور فأسبابه، بعد حرب طالت لأكثر من ست سنوات، باتت معروفة، لا بل تُعدّ طبيعية.

أحد هذه الأسباب هو الخدمة الإلزامية المعروفة عامياً بـ"الاحتياط"، والتي أصبحت في خضمّ الصراع بين السوريين أشبه بفزاعة، علماً أنها لم تكن يوماً مهمة سهلة، حتى قبل الحرب. يشكو البعض، ممّن نجحوا في الهروب من الخدمة سواء بالفرار من البلد أو برشوة عسكريين في الداخل، من أن تمنّعهم لا يأتي نتيجة ضعف "انتماء وطني"، بل الخوف من المصير المجهول أو من المشاركة في قتل "الإخوة".

جيش الفقراء

ومنهم من يخاف التورّط في حرب يقتل فيها سوريين آخرين، لا سيما وأن كثيرآً من العائلات انقسمت في الصراع بين موالاة ومعارضة. ومنهم من يرعبه ترك عائلته والرحيل إلى أجل غير مسمى. يزيد من هذه المخاوف واقع احتجاز الآلاف، وإجبارهم حتى بعد انتهاء فترة خدمتهم الإلزامية على المشاركة في العمليات العسكريّة بسبب الحاجة لمقاتلين.

صحيح أن فترة الخدمة تقلصت من ثلاث سنوات إلى ثمانية عشر شهراً، لكن لو ضمن الشباب الذين تكتمل خدمتهم الإلزامية أن يتم تسريحهم بعد انتهاء المدة، لما كان لاحقهم كل هذا الرعب. المشكلة في الجبهات الحامية وفي الرواتب التي لا تُذكر، وفي مدة القتال المفتوحة. وبين هؤلاء من "حالفهم الحظ" فقتلوا على الجبهة، بينما بقي آخرون مع عضو مبتور أو شلل دائم، فيما تكاد الرواتب لا تكفي سدّ رمقهم، فكيف بعائلاتهم؟

لا شكّ أن العديد يخوضون الحرب بدافع عقائدي، لكن هل كل المنضوين تحت لواء الجيش السوري وفي كتائب البعث و"الدفاع الوطني" يتشاركون هذه القناعة؟ تظهر التقارير التي خرجت في مناسبات مختلفة أن العديد من الشباب السوري ممن بقي في الوطن دون الالتحاق بالخدمة، دفع مبالغ تتراوح بين ثمانية آلاف دولار وعشرة آلاف لـ"طيّ ملف الاحتياط" و"كفّ البحث"، أو الحصول على إذن استثنائي لمدة سنة من وزارة الدفاع. من لم يستطع تأمين المبلغ، فضّل الانضمام إلى "كتائب البعث" و"الدفاع الوطني" وغيرها من القوات الموالية للنظام، متنازلاً للقادة العسكريين فيها عن راتبه مقابل إبقائه بأمان وتجنيبه المشاركة في الجبهات الساخنة.

وهكذا أصبح عماد الجيش من الفقراء الذين لا واسطة لهم ولا مال ولا قوة. ولم يكن تأجيل الخدمة العسكرية قبل الحرب أمراً غير طبيعي، بل على العكس، أذ كان الولد الوحيد يعدّ محظوظاً لعدم إلزامه بها، بينما كان الشاب الجامعي يماطل بالتعليم، مؤجلاً خيار العمل إلى وقت لاحق. فكيف إذاً سيكون عليه الحال في سوريا بعد الحرب؟

أقوال جاهزة

شارك غرد"يا حسرتي ليش ضل في شباب بسوريا؟ يا متخبيين يا مسافرين يا متوفيين... يا انسحبوا عالاحتياط".

شارك غردقضية التجنيد الإلزامي هي واحدة من وجوه الرعب في الحرب السورية، وتدعو التقارير للالتفات إليها واستغلالها

بين الفترة والأخرى، تخرج الأخبار عن تنفيذ حملات دهم لسحب المتخلفين عن الخدمة العسكرية، وتصدر اللوائح بأسماء آلاف المطلوبين. في المقابل، ونتيجة ارتفاع نسبة البطالة في سوريا، يجد طيف من الشباب السوري نفسه ساعياً وراء القتال كفرصة تؤمن له دخلاً يكفيه وعائلته.

عن أحمد وأيمن وعامر وغيرهم

نتيجة هذا الواقع، بدأ الكلام في الأوساط الغربية عن ضرورة التركيز على هذه الورقة، فـ"ليس كل من يقاتلون إلى جانب الأسد يوالونه بالحدّة التي تعتقدونها. وعليه ثمة باب لاستخدامهم ضدّه". هذا ما تبدأ فيه مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تقريرها الذي عرض وضع هذه الفئة، بعدما تجاهل صناع القرار الغربيون تأثيرها في خضّم تركيزهم حصراً على تمويل المعارضة وتسليحها.

قد لا يكون كلام المجلة دقيقاً بالمعنى العسكري، لكنه وجهة نظر تستحق الإضاءة عليها في إطار استعراض النقاش الغربي في مقاربة الأزمة السورية. الحرب في سوريا ليست فقط محصورة بين معارضين وموالين، فالأمر أكثر تعقيداً. بحسب المجلة "كثير من العناصر المقاتلة إلى جانب الأسد، كانت تفضل تجنب الخدمة العسكرية، ولكن لأسباب عدة لم يكن هذا ممكناً". هذا الواقع يسلّط الضوء على "الفرصة المهدورة" من قبل المجتمع الدولي. فبينما يسعى المحللون الغربيون إلى تسليح المعارضة أو فرض حظر جوي، لم يكن هناك أي مبادرات لتجنيب الشباب الخدمة العسكرية أو دعم الملتحقين أصلاً في عمليات الانشقاق.

ثمة ظروف قليلة قد تجنب من لا يملكون المال الخدمة العسكرية، عدا ذلك فالمتخلف يحكم بالسجن 15 عاماً، علماً أن العديد منهم يحظى بعفو ليتم إلحاقه مجدداً في الصفوف العسكرية.

تعود المجلة للتذكير بقصة أحمد الذي التحق في العام 2012 بالخدمة العسكرية بسبب عجزه عن دفع كلفة الوصول إلى الجامعة، مفضلاً الانضمام إلى مجموعة "صقور الصحراء" التابعة للجيش السوري، من أجل الحصول على راتب 125 دولار يكفيه لتغطية نفقات العائلة، أخته في الجامعة وعلاج والده العاجز، بعدما توفيت أمه أثناء ولادته.

لكن أحمد لم يكن محظوظاً، فقتل مطلع العام الحالي، "مدافعاً عن النظام الذي يكره"، بحسب "فورين بوليسي".

وقد لاقى أيمن المصير نفسه. حاز الشاب الجامعي على شهادته في العام 2011، وتمكن بطريقة ما من تأجيل خدمته لمدة عامين، إلى أن استنفذ جميع وسائله. هو متحدر من عائلة تمتهن الزراعة ولم يكن بإمكانه تحمل تكاليف الهرب إلى خارج البلاد أو دفع رشوة لمحو اسمه، أو حتى 300 دولار لتمديد خدمته إلى ما بعد ستة أشهر. بعد سوقه للخدمة، بدأت صحته العقلية بالتدهور، وخلال ثلاث سنوات كان يتراجع من سيء إلى أسوأ إلى أن قتل على يد المعارضة في حلب في أغسطس الماضي.

Revolutionary Ayman, who was killed by “Friendly Fire”

أما عامر سليمان، فقد كان حلمه أن يصبح عازف غيتار. تمّ سوقه للخدمة في العام 2011 وتشكيله إلى القصير، شمال حمص. كان يطلق النار في الهواء في كل مناسبة، حتى ظنّ المسؤولون عنه أنه يعاني من اختلال ذهني فنقلوه إلى الشؤون الإدارية. لكن الفرحة بذلك لم تدم طويلاً، إذ أعيد في العام 2013 إلى القصير ليقتل بعد أيام قليلة.

A Guitar Player Who Fell Victim to the Rifle

الكثيرون يشاركون في القتال عن سابق إصرار وتصميم، لكن ثمة الكثير غيرهم كأحمد وأيمن وعامر، يتمّ الحديث عن ضرورة مساعدتهم والتركيز على "إنقاذهم"، اقتصادياً ونفسياً، من هذه "الورطة"، بحسب "فورين بوليسي". وكثيرون ممن لا يرغبون في الانضمام لصفوف المقاتلين من أجل النظام يرفضون أيضاً الانضمام لصفوف المعارضة، حتى لو كانت الأجور مرتفعة، وهؤلاء ليس هناك من يساعدهم، لا عائلة ميسورة ولا معارضة يمكنها تأمين انشقاقهم وهربهم.

تدعو المجلة المجتمع الدولي إلى إيلاء هذه القضية أهمية قصوى، لما يمكن أن تجرّه من ضغط على النظام السوري. وإن كانت "فورين بوليسي" تسلّط الضوء على القضية لأسباب سياسية وعسكرية تجدها مناسبة، وقد تثير بذلك مخاوف وانتقاد كثر، فلا شك أن قضيّة التجنيد الإلزامي في سوريا هي واحدة من وجوه الرعب في هذه الحرب المستمرة. وحتى من يستطيعون الفرار لا يجرؤون على الكلام، إذ ثمة عائلات تركوها في الداخل لن يوفرها أي طرف يريد الانتقام ممن "تخلوا عن الواجب الوطني".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي