كيف صُنع الديكتاتور في الإسلام؟

كيف صُنع الديكتاتور في الإسلام؟

كلمة ديكتاتور Dictator لاتينية الأصل تعني المستبد، وتعود إلى أصول تاريخية رومانية. إذ كان الرومان أثناء الظروف العصيبة التي تواجههم، يعطلون الديموقراطية ومجلس الشيوخ، ويفوضون أحد القادة العسكريين ليحصل على السلطة السياسية كاملة، حتى يتمكن من التصدي للأخطار المحدقة بالدولة. وكان من المفترض أن يسترجع مجلس الشيوخ سلطته، بعد أن ينتهي الخطر ويزول.

أما في الحالة الإسلامية، فقد ظهر الديكتاتور تحت مسمى مختلف. إذ عُرف في التاريخ الإسلامي بـ"الحاكم المتغلب"، ويُقصد به الحاكم الذي يصل إلى منصب الخلافة عن طريق القوة والشوكة والتغلب.

ولا يمكن أن نعتقد أن نظرية الحاكم المتغلب هي نظرية إسلامية أصيلة خالصة، بل إن تاريخ المسلمين الأوائل في الحقبة الراشدية، يشي بوجود قواعد حاكمة لتولي الخلافة. وكانت تلك القواعد، في غالبها، تدور حول مبدأ الشورى، وحق الأمة في تعيين رأس السلطة السياسية.

كيف ظهر الديكتاتور (المتغلب) في الحالة الإسلامية؟

نستطيع أن نميز عدداً من اللحظات التاريخية المهمة، التي أدت إلى حدوث بعض التغيرات في شكل البناء السياسي للدولة، ثُم تحولت تلك التغيرات، إلى تغير كيفيّ، أدى لتغير شكل الدولة، بعد تمكن الحاكم المتغلب من الوصول إلى السلطة.

اللحظة الأولى، كانت عند تسلم الخليفة الثالث السلطة. فعثمان، رغم كونه من الراشدين، شهدت الدولة في عهده صعوداً للتيار السياسي الأموي، على حساب غيره من التيارات. وكثير من المؤثرات الاقتصادية والاجتماعية والقبلية والفكرية احتشدت في النصف الثاني من عهده. فأدى ذلك إلى تحول الحكم شيئاً فشيئاً من الخلافة إلى المُلك.

اللحظة الثانية، كانت حين سلم الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية بن أبي سفيان، عام 41هـ. أهمية تلك اللحظة تكمن في أنها أعلنت انهيار تيار المقاومة، الذي كان يحاول أن يعود بالدولة الإسلامية إلى سِيرتها الأولى في العهد النبوي-الراشدي. فكان في تسليم الحسن، رضوخٌ لضغوط مادية متزايدة، لم يستطعْ أن يتصدى لها.

وبتسليم الحسن لمعاوية، دُشّن لحقبةٍ جديدة في تاريخ الإسلام. إذ حدث انفصام أولي بين المجتمع من ناحية، والدولة من ناحية أخرى. فأضحت لكلٍّ منهما قواعدُ وأسسٌ ونظمٌ تختلف عنها في الأخرى.

اللحظة الثالثة، كانت حين أعلن معاوية عن رغبته في استخلاف ابنه يزيد. وتكمن أهميتها في كونها تأكيداً على اللحظة السابقة لها، بشكل أدى لحدوث صدمة على النطاق المجتمعي، حين شعرت القوى المجتمعية أنها تسير في اتجاه التدجين التام، والتحييد المطلق، في ما يخص السلطة وشؤون الدولة.

فالروايات التاريخية تكاد تجمع، على أن الاتفاق بين الحسن ومعاوية، كان ينص صراحةً، على أن يرجع أمر الخلافة إلى المسلمين بعد وفاة معاوية، وأن يختار المسلمون خليفتهم الجديد من دون إملاءٍ أو تقييدٍ من أي قوةٍ خارجية. وكانت رغبة معاوية في استخلاف ابنه، تعارض ذلك الاتفاق، ما أدى لحدوث غضبة مجتمعية عاتية في مراكز وحواضر الدولة الإسلامية الكبرى (مكة - المدينة - الكوفة). كما أن كثيراً من رموز المجتمع أعلنوا رفضهم للأمر بشكلٍ قاطع.

ولعل نظرةً واحدة في أسماء هؤلاء تبيّن حيثياتهم المجتمعية المجردة من الصفة السياسية حينذاك. فقاد المعارضة كلٌّ من الحسين بن علي حفيد الرسول، وعبدالله بن الزبير حفيد الخليفة الأول، وعبدالله بن عمر ابن الخليفة الثاني.

تحرك هؤلاء، بصفتهم المجتمعية، أدى لرد فعل سلطوي، تجلى في تهديد معاوية لهم بالقتل، في حال أبدوا اعتراضهم على قرار تعيين يزيد بشكلٍ ظاهر. لكن، بعد وفاة معاوية وتسلم يزيد للخلافة، وفي ظل ما انتشر عن سلوكياته، حدثت نهضة مجتمعية، تقوم على المبادئ الإسلامية من ناحية، واستدعاء الإرث القبلي من ناحيةٍ أخرى.

ظهرت تجليات تلك النهضة في ثلاث حركات متعاقبة ضد سلطة يزيد: الأولى تمثلت في مسير الحسين للكوفة، والثانية ثورة أهل المدينة وخلعهم لطاعة يزيد. أما الثالثة، فثورة عبدالله بن الزبير في مكة.

واستطاع ابن الزبير أن يتجنب الأسباب التي أدت لفشل حركتي الكوفة والمدينة، وساعدته الظروف في ذلك بوفاة يزيد عام 63هـ. وفي محاولة منه لرد الأمر إلى صورته الأولى وسيرته المثلى، أعلن ابن الزبير عن حق الأمة (المجتمع) في اختيار الخليفة (السلطة) الذي يحكمها. فوقع عليه الاختيار، ليكون خليفة بعد مشاورة ومشاركة من أهل الحجاز، فكان ابن الزبير آخر الخلفاء الذين اختارتهم الأمة عن شورى ورضا.

اللحظة الرابعة، هي اللحظة التي استطاع فيها عبد الملك بن مروان، أن يهزم ابن الزبير. حين دخل الحجاج بن يوسف الثقفي قائد الجيش الأموي إلى مكة، وصلب جثة ابن الزبير بعد قتله.

في تلك اللحظة التاريخية، بدأ عصرٌ جديد. فكان عبد الملك هو أول خليفة ينتزع الخلافة بقوة السيف والقتال. وبصعود عبد الملك إلى كرسي الخلافة، أُقرّ حكم المتغلب وأُسست نظريته فعلياً. فانصهرت جميع اللحظات التاريخية السابقة في بوتقةٍ واحدة، ودُشّن لعصرٍ جديد، شهد فصلاً تاماً بين الشأن السياسي، والشأن المجتمعي من جهة أخرى.

كيف أعطى الفقهاء ورجال الدين مشروعية للاستبداد والديكتاتورية؟

تعرضت نظرية ولاية الحاكم المتغلب عبر التاريخ الإسلامي الطويل لكثيرٍ من التعديلات التأصيلية والتنظيرية. وقد أدى ذلك في النهاية، لترسيخ أثرها داخل العقل السياسي الإسلامي.

وتمت عملية التطوير في خطين متوازيين: الخط الأول، هو خط واقعي عملي سلطوي، قاده الخلفاء والسلاطين الذين حرصوا على إعادة إنتاج النظرية والاحتكام إلى الشرعية المتفرعة عنها.

بدأ ذلك الخط عمليته التطويرية في عهد عبدالملك بن مروان، عندما هدد مَنْ يأمره بتقوى الله بالقتل. ليحدث بذلك فصلاً بين دوائر السلطة والخلافة والمُلك من جهة، ودوائر الدين والمنظومة الأخلاقية المنبثقة منه من جهةٍ أخرى.

أقوال جاهزة

شارك غردشرعن رجال الدين لحكم الديكتاتور في الإسلام بطريقتين، باعتباره خليفة شرعياً، وبتحريم الثورة عليه وإن خالف الدين

شارك غردتريدون أن تفهموا لماذا وقفت معظم السلطات الدينية ضد ثورات الربيع العربي؟ إليكم كيف شرعن فقهاء المسلمين لحكم الديكتاتور

ولعل ذلك الفصل ظهر جلياً في ما أورده الذهبي، المتوفي عام 748هـ، في كتابه "سير أعلام النبلاء". إذ ذكر أن عبدالملك بن مروان، حين عرف بوفاة أبيه واستخلافه هو، قام بإغلاق المصحف الذي كان يقرأ فيه قائلاً: "هذا آخر عهدنا بك".

وقد تتابع كثيرٌ من الخلفاء والسلاطين على تأكيد المعاني التي أعلنها عبدالملك. فأبو جعفر المنصور يعلن أنه ظل الله في أرضه، ويؤكد عددٌ من الخلفاء العباسيين، على كونهم خلفاء لله ذاته، لا مجرد خلفاء للرسول، كما كان معروفاً من قبل.

وبالتوازي مع هذا الخط السلطوي، كان هناك خطٌ آخر لتطور النظرية، واتصف بأنه فقهي علمي ديني، الفاعلون فيه هم العلماء والفقهاء المسلمون، الذين قاموا بالتأصيل لنظرية حكم المتغلب، وأوجدوا مبررات شرعية لها، ليدخلوها تحت مظلة الدين نفسه.

وقام هؤلاء بالشرعنة لحكم الديكتاتور الإسلامي بطريقتين، الأولى أنهم اعتبروه خليفةً شرعياً، والثانية أنهم حرّموا الثورة عليه، وإن أرتكب المعاصي وخالف صحيح الدين.

ففي الوقت الذي كان فيه عبدالملك يقيم حكماً بواسطة الشوكة والقهر، كان عبدالله بن عمر، وهو واحد من كبار الصحابة، يدشن فقهياً ونظرياً لحكم المتغلب، وانفصال السلطة عن المجتمع، بقوله المعروف، الذي ورد في كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد المتوفي 230هـ: "لا أقاتل في الفتنة، وأصلّي وراء مَنْ غلب".

كما أن انتصار الأمويين على ثورة عبد الرحمن بن الأشعث في موقعة دير الجماجم عام 83هـ، أدى لحدوث هزة نفسية وانتكاسة عنيفة في أفكار ومبادئ عدد من كبار التابعين، ممّن عرفوا بعلمهم وتقواهم. فالحسن البصري، الذي كان معروفاً باعتقاده بضرورة حمل السلاح ورفعه في وجه البغاة ومغتصبي المُلك والخلافة، نجده يغير من موقفه، فيقول: "إنّ الله إنما يغير بالتوبة، ولا يغير بالسيف".

أما الأئمة الكبار الذين عاصروا بدايات الحكم العباسي، فراوحت مواقفهم بين الاعتراض على النظرية أحياناً، والقبول بها والتسامح معها في أحيانٍ أخرى. فالإمام مالك، إمام المدينة، يبدي معارضته لأبي جعفر المنصور، ويرحب بالثورة عليه، ويؤيد حركة "محمد النفس الزكية"، ويفتي بأنه "لا بيعة لمكره"، لحث وتشجيع الناس على المشاركة في تلك الثورة. لكنه، بعد القضاء على تلك الحركة، يعود ليقيم علاقةً ودية وقوية مع المنصور، وصلت إلى الحد الذي يجعل الخليفة يطلب من مالكٍ أن يجمع الناس على فقهه وكتابه الأشهر "الموطأ".

أما الإمام الشافعي، فيظهر أنه أبدى موافقة صريحة على حكم المتغلب. فقد روى البيهقي، المتوفي 458هـ، عنه في كتاب مناقب الشافعي، أنه قال: "كلّ مَنْ غلب على الخلافة بالسيف حتّى يُسمَّى خليفةً ويحمع الناس عليه، فهو خليفةٌ".

ورغم حدة الصدام الذي وقع بين إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، المتوفي عام 241هـ من جهة، وعدد من الخلفاء العباسيين (المأمون - المعتصم - الواثق) من جهةٍ أخرى، فإن كل ذلك لم يمنعْ أن يتابع ابن حنبل أساتذتَه ومعاصريه من علماء أهل السنة والجماعة، في تأييدهم حكم المتغلب بالقوة وإقرار سلطتهم والتأكيد على طاعتهم.

ويظهر ذلك بوضوحٍ في اعتقاده بحتمية الجهاد مع كلّ خليفة، سواء كان براً أم فاجراً، والصبر تحت لواء السلطان على ما كان عليه من عدلٍ أو جور، وألا نخرج على الأمراء بالسيف، وإن جاروا.

تلك الاجتهادات الفقهية المؤسسة والداعمة لنظرية ولاية الحاكم المتغلب، والمشرعنة للسلطة المستمدة منها، أدت إلى ترسيخ مبادئ تلك النظرية في العقل السُّنِّي الجمعي. حتى نجد أنه لم يأتِ الربعُ الأول من القرن الرابع هجري، حتى أُقرت تلك النظرية بشكلٍ ضمني، من خلال واحدة من أهم المدونات الإسلامية، وهي متن العقيدة الطحاوية، التي كتبها أبو جعفر الطحاوي، المتوفي عام 321هـ. فجاء فيها: "ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القِبلة". "ولا نرى الخروج على أئمتِنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزّ وجلّ فريضة، ما لم يأمروا بمعصيةٍ، وندعوا لهم بالصلاح والعافية".

وينقل أبو بكر الباقلاني، المتوفي عام 402هـ، في كتابه تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، أن جمهور العلماء أجمع على طاعة الحاكم المتغلب، وإن كان معروفاً بفسقه وظلمه. ويؤكد إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، المتوفي عام 478هـ، في كتابه غياث الأمم على هذا الإجماع ويتفق معه في ذلك تلميذه، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، المتوفي عام 505هـ. ويعلل ذلك الاتفاق بعبارة: "إمام غشوم خير من فتنة تدوم" لأن هناك مبررات، مثل الأمن والاستقرار ووحدة الجماعة، ما يجعل المسلمين يتقبلون فسق الحاكم أو ظلمه.

ومن بين فقهاء وعلماء القرن الخامس هجري، يبرز أبو الحسن الماوردي، المتوفي عام 450هـ، والمعروف بلقب "أقضى القضاة"،  كواحد من أهم المنظرين السياسيين الذين نظروا بحرفيةٍ لنظرية الحاكم المتغلب والشرعنة لها. فعن طريق تأليف مجموعة ضخمة من كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، مثل "أدب الدنيا والدين"، "الأحكام السلطانية والولايات الدينية"، "تسهيل النظر وتعجيل الظفر"، و"سياسة الملك"، استطاع الماوردي أن يعطي بُعداً عقلياً لمسألة السلطان القاهر. إذ يصبح أحد الشروط والقواعد الأساسية التي تنصلح بها الدنيا.

وفي القرن السابع هجري، صحّح الفقيه الكبير المعروف بسلطان العلماء وبائع الملوك عز الدين بن عبد السلام، المتوفي عام 660هـ، في كتابه المعنون "قواعد الأحكام في إصلاح الأنام، ولاية الإمام الفاسد والحاكم الفاسق"، وبرر موقفه لِمَا في إبطال ولايتهما من تفويت المصالح العامة.

أما في القرن الثامن هجري، فأُقرت ولاية المتغلب الفاسق بشكلٍ أشدّ وأكثر جرأةً وتصريحاً من قبل. فيقول الفقيه بدر الدين بن جماعة، المتوفي عام 733هـ، في كتابه "تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام" عن حكم المتغلب: "ولا يقدح في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقاً في الأصح".

ونختم المقال برأي شيخ الإسلام ابن تيمية، المتوفي عام 728هـ، الذي دعا إلى "قبول الوضع الراهن، كما فعل ذلك العلماء قبله مهما كان الحاكم مستبداً وجائراً". وكانت مبرراته في قبول ذلك الوضع، تنحصر في إقامة الشريعة الإسلامية وصلاح حال الدولة.

 

 

كلمات مفتاحية
الإسلام

التعليقات

المقال التالي