هُما عابدين: هل تتحوّل من "ابنة ثانية" لكلينتون إلى عدوّتها؟ 

هُما عابدين: هل تتحوّل من "ابنة ثانية" لكلينتون إلى عدوّتها؟ 

بين ليلة وضحاها، تحوّلت هُما عابدين حدثاً. مُساعِدة المرشحة الرئاسيّة هيلاري كلينتون، ذات الأصول الهنديّة التي ترعرعت في السعوديّة، ابتعدت عن حملة كلينتون الرئاسيّة لتتجنّب الأضواء بعد الجدل الذي أثارته التحقيقات المتعلقة بالعثور على رسائل بريدية رسمية خاصة بالمرشحة، على جهاز كمبيوتر كانت تتشاركه عابدين مع زوجها أنطوني وينر. وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد أغلق التحقيق مع كلينتون في يوليو الماضي، ليعيد فتحه الآن مع اكتشاف آلاف الرسائل الإلكترونية العائدة لحقبة وجود كلينتون في وزارة الخارجية، واستخدامها لأجهزة شخصية (تابعة لعابدين ووينر) في التعامل مع ملفات سرية.

غابت عابدين (40 عاماً)، التي بدأت العمل مع كلينتون بصفة متدربة في البيت الأبيض منذ كانت في التاسعة عشرة وطُرح اسمها مؤخراً لمنصب وزيرة خارجية في حال فوز الأخيرة، عن أضواء الحملة الرئاسيّة بعدما كانت حاضرة دائماً إلى جانب كلينتون في جميع مناسبات حملتها الانتخابية الأولية وكذلك الرئاسية، وسافرت معها في غالبية رحلاتها الخارجية تقريباً منذ يوليو الماضي. إلا أن اهتمام الصحافة لاحقها في مكان آخر، بعدما أصبحت اليوم المسؤولة غير المباشرة عن تهديد مستقبل المرشحة الديموقراطية إثر تراجع فارق النقاط بينها وبين منافسها دونالد ترامب إلى نقطتين فقط، وذلك قبل أيام قليلة على الانتخابات الرئاسيّة.

هُما عابدين هُما عابدين

تستمّر التحقيقات بشأن الرسائل البريديّة، بينما عبّرت عابدين عبر محاميتها كارين دون عن استعدادها التام للتعاون مع "الأف بي آي"، قائلة "السيدة عابدين التزمت منذ البداية بشكل طوعي وكامل مع طلبات وزارة الخارجية وأجهزة الأمن، بما في ذلك إجراء مقابلات امتدت ساعات طويلة وتسليم وثائقها الشخصية المرتبطة بالعمل". من جهتها، اكتفت حملة كلينتون، بحسب "سي أن أن"، بالقول إن عابدين تواصل العمل مع الحملة من مقرها في بروكلين، وإنها مستعدة للتعاون مع كل من يرغب بالتحدث معها.

في المقابل، أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن كلينتون نصحت عابدين بالابتعاد عنها حالياً حتى لا تتأثر حملتها الانتخابية أكثر، بينما نصح عدد من المحيطين بكلينتون بفصل عابدين وعدم إعطائها أي منصب في البيت الأبيض في حال فوزها.

ترامب يشفي غليله

مع هذا التطوّر الجديد في المجريات الرئاسيّة، يبدو ترامب الأكثر فرحاً. رحّب المرشح الجمهوري باستئناف التحقيقات، واعتبر أن القضية أكبر من فضيحة "ووترغايت". وإلى جانب فرحه بـ"الضربة القويّة" التي تلقتها كلينتون، يتشفّى ترامب اليوم بمساعدتها التي لم يوفّر مناسبة لاتهامها بـ"الإرهاب"، حتى وصل الأمر إلى وصفها بـ"الجاسوسة السعوديّة".

أقوال جاهزة

شارك غردتطور جديد في المجريات الرئاسية الأمريكية، وترامب الرابح الأكبر...

قبل أشهر قليلة، نشرت صحيفة "دايلي ميل" تقريراً تضمن اتهامات وجهها روجر ستون، أحد مستشاري حملة ترامب، لعابدين قائلاً إن "لديها ماضياً مثيراً للقلق. وهي تأتي من العدم، ومن الواضح أن لديها أموالاً طائلة حتى قبل العمل مع كلينتون". وتساءل ستون: " هل لدينا جاسوسة سعودية في وطننا؟ وهل لدينا عميل إرهابي؟".

لمّح ستون إلى أن الاستخبارات السعودية اخترقت إدارة كلينتون، من خلال عابدين، مذكراً بأن والدها ووالدتها إسلاميان متشددان. وفي رواية "دايلي ميل" أن أسرة عابدين انتقلت إلى جدة عندما كانت هي في سن الثانية بدعم من عبدالله عمر نصيف، رئيس جامعة الملك عبدالعزيز، الذي هو "عضو كبير في جماعة الإخوان المسلمين ومتورط في تمويل تنظيم القاعدة". وقد لوّحت حملة ترامب حينها بأن قضية عابدين وتورطها مع هيلاري سيساعدان كثيراً في الفوز على الأخيرة. وذكرت الصحيفة أن عابدين ولدت في كالامازو ميشيغان لوالدين أكاديميين، وأن مسقط رأس والدها نيودلهي بالهند، في حين كانت والدتها من باكستان، وانتقلت هُما إلى الولايات المتحدة لتدرس في جامعة جورج واشنطن حيث كانت عضواً بمجلس إدارة جمعية الطلاب المسلمين.

وكانت عابدين قد ردت حينها على "تويتر" قائلة "يمكنك أن تكون أمريكياً فخوراً ومسلماً فخوراً، وأن تخدم هذا البلد العظيم بكل فخر، الفخر ضد التحيز"، بينما دافع السيناتور جون ماكين عنها قائلاً "ببساطة، هما تمثل الشيء الأفضل في الولايات المتحدة:  ابنة مهاجرين، ارتفعت إلى أعلى المستويات في حكومتنا على أساس جدارتها الشخصية الكبيرة والتزامها بالمثل العليا الأمريكية التي تجسدها بشكل تام، مضيفاً "أنا فخور بمعرفة هُما وبالقول إنها صديقتي". وكانت عابدين حازت إطراء من الرئيس باراك أوباما في العام 2012 عندما اعتبرها "مثال ما نريده في هذه البلاد"، وكرمتها مجلة "التايم" في وضع اسمها على لائحة "40 تحت الـ40" المخصصة لـ"النجوم الصاعدين في الولايات المتحدة" و"الجيل الجديد من القادة المدنيين".

بين كلينتون وعابدين "مساج" و"ندب"

لم تكن عابدين ظلّ كلينتون ومساعدتها وصديقتها فحسب، بل كانت "ابنة ثانية"، هكذا صرّحت وزيرة الخارجية السابقة مراراً، كما في حفل زفاف هُما إلى عضو مجلس النواب آنتوني وينر اليهودي في العام 2010، قائلة "لو كان لي ابنة ثانية لكانت هُما". مسار طويل جمع هاتين المرأتين في السياسي وفي الشخصي. وكانت هذه العلاقة تثير غيرة ابنة كلينتون، تشلسي، بحسب صحيفة "ديلي ميل" التي كشفت أن الأخيرة كانت تساير عابدين بحضور والدتها فقط، في حين كان التوتر والعداوة المبطنة يغلبان على هذه العلاقة. وبحسب الصحيفة كانت تشلسي، التي لا تجمعها علاقة حميمية بوالدتها إلا أمام الإعلام، تفرح إذا وجهت كلينتون انتقاداً لهُما بسبب تقصير معيّن. بدورها، كانت هُما تخجل من الاهتمام الذي تظهره كلينتون ناحيتها في العلن كما حصل في إحدى المرات عندما حاولت الأخيرة تدليك كتفيها بعدما بدا عليها التعب.

وقالت عابدين لمجلة "فوغ" مطلع العام الجاري "خلال السنوات الماضية، تشاركنا (هيلاري وأنا) قصص حياتنا، وجبات الطعام التي تُعدّ أكثر من أن أحصيها، احتفلنا معاً، وندبنا معاً".

على سيرة الندب، تقول "الغارديان" إن ما جمع كلينتون وعابدين ربما يكون تجربة المشاكل الجنسية التي عاشتاها مع زوجيهما والدعم المتبادل بينهما. لا أحد ينسى فضيحة بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي، وكيف عايشت هيلاري هذا الإحراج. أما في ما يخص عابدين، ففي شهر حملها الخامس بابنها جوردان زين في العام 2011، أُجبر زوجها على الاستقالة بعد فضيحة جنسية، وبعد عامين عاد اسمه لينتشر بفضيحة أخرى. كانت عابدين قد بقيت معه خلال تلك الفترة "بسبب ابنها" كما قالت، لتعلن انفصالها عنه الصيف الماضي بعد انتشار صورة فاضحة له كان قد أرسلها إلى فتاة قاصر، وإلى جانبه ابنهما.

في تلك الفترة، أشار البعض إلى العلاقة بين كلينتون ومساعدتها، "زوجة المتحرّش الجنسي"، لكن هيلاري وقفت بشكل تام وقوي إلى جانب عابدين.

لا دليل واضح اليوم على أن كلينتون ستنقلب على مساعدتها، لا سيما بعدما قال جون بودستا، أحد أعضاء الحملة الانتخابية، إن الأخيرة تقف إلى جانب عابدين. لكن أخطاء مساعدة كلينتون في علاقتها الزوجية أضرت كثيراً بالمرشحة الديموقراطية، وهذه المرة كانت الضربة قوية. بحسب أستاذ العلوم السياسية روس باكر لـ"الغارديان": ثمة ما يشبه الاتفاق بين أهل السياسة مفاده أنه حتى الصداقة يجب التضحية بها عند الضرورة - ولا أحد يفهم ذلك أكثر من كلينتون.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي