دماء 130 ألف مصري جرت في قناة السويس

دماء 130 ألف مصري جرت في قناة السويس

"عندنا عقدة من ديليسبس، عندنا عقدة من كرومر، عندنا عقدة من الاحتلال السياسي عن طريق الاحتلال الاقتصادي". هذا ما قاله الزعيم المصري جمال عبد الناصر، في خطاب تأميم قناة السويس عام 1956، الذي أدى إلى عدوان عسكري ثلاثي على مصر في 29 أكتوبر 1956، من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا.

التاريخ يثبت أن المصريين لهم الحق في الحديث عن قناة السويس بهذه الحساسية، نظراً للتضحيات التي قدموها من أجلها، أو حولها. فدماء نحو 130 ألف مصري جرت فيها، وهذا يساوي الكثير.

قناة السويس، ذلك الشريان المائي الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، وتكسب منه مصر مليارات الدولارات سنوياً، هو نفسه الذي سالت فيه أو حوله دماء آلاف المصريين، مع بدء حفره في أبريل 1859، حتى افتتاحه في نوفمبر 1869، في عهد الخديوي إسماعيل، حاكم مصر.

وكان الفرنسي فرديناند ديليسبس، أقنع عباس باشا حاكم مصر بحفر القناة، وأسس شركة لإدارتها. وكانت مصر تحمل حصة هزيلة من أسهم الشركة، تحصل بموجبها على 15% من أرباحها، واضطرت إلى بيعها بعد ذلك لبريطانيا.

حفرت القناة بسواعد المصريين، ومات منهم 120 ألفاً أثناء الحفر، بحسب ما ذكر عبد الناصر في خطاب التأميم. كما ذكر كتاب "قناة السويس... ملحمة شعب وحلم أجيال"، الذي أصدرته وزارة التربية والتعليم المصرية عام 2014، أن قناة السويس اشترك في حفرها نحو مليون عامل مصري، واستشهد أثناء الحفر نحو 100 ألف.

هذا الرقم الضخم في عدد الضحايا، سببه المعاملة غير الآدمية التي كان يعامل بها عمال الحفر.

دماء 130 ألف مصري جرت في قناة السويس

1859- 1869

حفر القناة

عدد الضحايا: 100,000

1882

معركة التل الكبير

عدد الضحايا: 1396

1956

العدوان الثلاثي

عدد الضحايا: 3000

1967

نكسة 5 يونيو

عدد الضحايا: 10,000

1967 -1973

حرب الاستنزاف

عدد الضحايا: 14,000

1973

حرب أكتوبر

عدد الضحايا: 10,000

وتحكي الباحثة الفرنسية المعاصرة، نتالي مونتل، في كتابها "ورشة حفر قناة السويس"، الذي ترجمه المؤرخ المصري الدكتور رؤوف عباس، عن الصعوبات التي واجهت الحفر، وأهمها عدم توفير المياه العذبة الضرورية لحياة العمال في صحراء قاسية. وذكرت أنه بناءً على فرمان سعيد باشا، حاكم مصر وقتها، كانت السخرة وسيلة استجلاب العمالة المصرية بمعدل 10 آلاف عامل كل شهر إلى العمل، ووصل الرقم إلى 25 ألفاً بعد العام 1861.

وتصف الباحثة الفرنسية ورشة العمل بنوعين من الحياة، أولهما المطاعم والمخابز ومحالّ بيع المشروبات والمغاسل والمقاهي، وحتى البارات للصفوة الأجنبية، وجزارات وورش خياطة وصالونات حلاقة وحمامات للأجانب. وحياة أخرى بائسة لعمال السخرة المصريين، الذين عانوا من الجفاف والقهر والمذلة.

أقوال جاهزة

شارك غرد130 ألف مصري كان لقناة السويس يد في مقتلهم بشكل مباشر أو غير مباشر...

شارك غردالتاريخ يثبت أن المصريين لهم الحق في الحديث عن قناة السويس بهذه الحساسية، نظراً للتضحيات التي قدموها من أجلها

ووفقاً للتقارير الطبية المحفوظة في مكتبة بلدية الإسكندرية، كان أكثر الأمراض انتشاراً بين العمال النزلات الشعبية والأمراض الصدرية والرمدية وحالات الإسهال الشديد، والدوسنتاريا وأمراض الكبد والجدري والسل. ثم جاءت الكوليرا في صيف 1865، وعصفت بالعمال إلى درجة أن الشركة لم تجد رجالاً يرفعون جثث الموتى الذين كانوا يدفنون في الصحراء.

وأضيف إلى ذلك ظهور مأساة تعرّض العمال خلال الحفر لمادة طينية سائلة، كانت تحتوي على فوسفور حارق، ما أدى إلى إصابة الآلاف بالأمراض الغامضة التي سببت وفاتهم على الفور.

كانت مدينة الزقازيق هي منطقة فرز العمال، فكان يستبعد أصحاب الأجسام النحيلة ويتم اختيار الشباب الأقوياء، ويرسلون إلى منطقة القناة سيراً على الأقدام في 4 أيام، وهم مقيّدون بالحبال، يحمل كل منهم قارورة ماء، وكيس خبز جاف. فيصلون إلى ساحات الحفر منهكي القوى، ويتبع وصولهم إصدار الأوامر بتسريح العمال القدامى، الذين أمضوا شهراً كاملاً، وهي المدة المقررة لبقائهم.

وكانت عمليات الحفر من المشاهد المثيرة التي يحرص على رؤيتها السياح الأجانب في ذاك العصر، بحسب تقرير لجريدة الأهرام، نشر في 12 مارس عام 2015.

القناة التي يبلغ طولها 193 كيلومتراً، حفرت يدوياً. ويذكر الدكتور عبد العزيز الشناوي، أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، في كتابه "السخرة في حفر قناة السويس"، أن شركة قناة السويس، لم تستقدم أي آلات ميكانيكية باستثناء "كراكتين"، قوة كل منهما 20 حصاناً، أحضرتا قبل شهر من بدء الحفر رسمياً، رغم طول القناة واتساعها وعمقها، ما يعني أن النية كانت مبيّتة لاستغلال الشعب المصري في حفر القناة.

التل الكبير 1882

قناة السويس كانت ضمن الأسباب المباشرة لاحتلال بريطانيا لمصر، فبعد تمرد وزير الحربية أحمد عرابي على حاكم مصر الخديوي توفيق، أقنع الأخير بريطانيا بالتدخل عسكرياً لقمع عرابي، زاعماً أن وزيره يسعى لطرد الأجانب من مصر، ما يمثل خطراً على مصالح بريطانيا في وادي النيل، وعلى رأسها قناة السويس، التي كانت المملكة المتحدة اشترت حصة مصر من أسهمها، وهي الشريان الرابط بين بريطانيا ومستعمراتها في الشرق.

عام 1882، ضرب الجيش البريطاني الإسكندرية "أقصى شمال مصر" واحتلها، لكنه لم يستطع التقدم إلى الداخل المصري، وهُزم بفضل الخطة التي أعدها الجيش بمشاركة الأهالي في كفر الدوار، فغادر الأسطول البريطاني الإسكندرية وترك حامية عسكرية عليها، ليحاول احتلال مصر من الجهة الشرقية، عن طريق دخول قناة السويس من بورسعيد، ومنها احتلال القاهرة.

يقول عبد العظيم رمضان في كتابه "تاريخ مصر الحديث والمعاصر"، إن أحمد عرابي، قائد الجيش المصري، فكر وقتها في ردم قناة السويس، لمنع البريطانيين من التقدم إلى الداخل المصري، ولكنه تراجع بخدعة من الفرنسي فرديناند ديليسبس، رئيس شركة قناة السويس في ذاك الوقت، إذ أقنعه بأن بريطانيا لن تجرؤ على دخول القناة، لأنها تمتاز بوضع دولي، وغالبية أسهمها يمتلكها أجانب على رأسهم فرنسا، كما أنها لا تسمح بمرور أساطيل عسكرية من خلالها، الأمر الذي دفع عرابي للتراجع عن فكرة ردمها، ولكن اتضح أن ديليسبس كان يخدعه.

في 13 سبتمبر عام 1882، فوجئت القوات المصرية المتمركزة في مواقعها بمنطقة التل الكبير في محافظة الإسماعيلية، قرب قناة السويس، بقدوم الإنجليز مع بعض بدو الصحراء، الذين أطلعوهم على مواقع الجيش المصري، لتدور معركة طاحنة، رغم قصر مدتها التي لم تتجاوز 30 دقيقة، بحسب عبدالعظيم رمضان، أسفرت عن مقتل 1396 مصرياً، وجرح 681. وفي المقابل، قتل 57 من الجيش الإنجليزي، وجرح 380، وفقد 22، كما جاء بالأرشيف الوطني البريطاني.

العدوان الثلاثي 1956

في 26 يوليو عام 1956، أعلن جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، التي كانت أسهمها مملوكة للأجانب، وخصوصاً فرنسا وبريطانيا، وفي 29 أكتوبر من العام نفسه، هاجمت القوات الإسرائيلية سيناء، الضفة الشرقية لقناة السويس، بعد اتفاق مع بريطانيا وفرنسا على إنزال قواتهما غرب القناة، لتحاصرا الجيش المصري من الخلف، بينما تواجهه إسرائيل. فأمر عبد الناصر قواته بالانسحاب من سيناء والعودة إلى منطقة القناة، لينجوا من الفخ المنصوب لهم، وليدير المصريون حرباً غير تقليدية، اندمج خلالها ضباط الجيش مع رجال المقاومة الشعبية في بورسعيد، إلى أن انتهت الحرب في مارس 1957، وأسفرت عن مقتل 3 آلاف مصري، وجرح 4900، بحسب كتاب "تاريخ الجيش الإسرائيلي"، لمؤلفه زئيف شيف.

نكسة 5 يونيو 1967

في 5 يونيو 1967، هاجمت إسرائيل مصر وسوريا والأردن، واحتلت شبه جزيرة سيناء في مصر، التي تحدّها قناة السويس من الجهة الغربية. وأسفرت الحرب عن مقتل وفقدان ما بين 9800 و15،000 جندي مصري، بحسب مذكرات الفريق عبد الغني الجمسي، وزير الحربية الأسبق، ورئيس عمليات القوات البرية في الجيش المصري في حرب 1967. لكن تقريراً للصليب الأحمر الدولي أكد أن عدد القتلى المصريين بلغ 10 آلاف.

حرب الاستنزاف

بعد نكسة يونيو 1967، كانت القوات المصرية ترابط على الضفة الغربية لقناة السويس، وعلى الجبهة الشرقية كانت القوات الإسرائيلية، ودخل الطرفان في عمليات استنزاف عسكرية، قتل خلالها 4 آلاف عسكري مصري، بالإضافة إلى 10 آلاف مدني من سكان المدن المتاخمة لإقليم قناة السويس، لتكون الحصيلة 14 ألفاً، بحسب تقرير للصليب الأحمر الدولي.

حرب أكتوبر 1973

في 6 أكتوبر بدأت حرب التحرير العربية للأراضي التي تحتلها إسرائيل، وعبرت القوات المصرية قناة السويس واقتحمت ضفتها الشرقية، واختلفت الروايات في عدد القتلى من المصريين، فهناك من قال إنه راوح بين 5 و15 ألفاً، بحسب كتاب "الحرب العربية الإسرائيلية 1973: النصر الحاسم لطيور الباتروس" للإسرائيلي جورج جارويتش. بينما يؤكد المؤرخ والصحفي الأميركي أبراهام رابينوفيتش في كتابه "حرب يوم الغفران"، أن عدد القتلى من المصريين والسوريين مجتمعين بلغ 8,528، بالإضافة إلى 19,549 جريحاً. لكن الصليب الأحمر الدولي، قال في تقرير له إن عدد القتلى المصريين بلغ 10 آلاف، منهم ألفان بين العبور يوم 6 أكتوبر ويوم 14 أكتوبر، وبقية العدد كان بعد تطوير الهجوم المصري لاحتلال منطقة المضايق، وسط سيناء، حتى وقف إطلاق النار في 22 أكتوبر 1973.

ومن خلال الرصد يتبين أن مصر فقدت على جنبات قناة السويس نحو 130 ألف مصري، هم حصيلة عدد الضحايا الذين سقطوا في مراحل مختلفة، وكان لقناة السويس يد في مقتلهم بشكل مباشر أو غير مباشر.

كلمات مفتاحية
التاريخ مصر

التعليقات

المقال التالي