هل تهجر إسرائيل فراش الدول السنية "المعتدلة"؟

هل تهجر إسرائيل فراش الدول السنية "المعتدلة"؟

كثر الحديث في تل أبيب خلال العامين الماضيين عن ضرورة إنشاء تحالف استراتيجي يضم إسرائيل والدول السنية المعتدلة، وفي طليعتها مصر والسعودية والإمارات والأردن والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ولكن بعض الأصوات الإسرائيلية تتحدّث اليوم عن خطورة التقرّب من هذه الدول، بعد التباعد الذي حصل بين القاهرة والرياض وتوجه مصر نحو روسيا.

التحالف الإسرائيلي السنّي

فكرة التحالف المذكور قامت على أساس أنه ضروري في مواجهة التهديدات المشتركة، وبالأخص الخطر الإيراني والتنظيمات الجهادية وعلى رأسها تنظيم داعش.

ففي 5 أكتوبر الماضي، نشر رجل الأعمال، والكاتب الإسرائيلي إيزي ليبلير مقالاً في صحيفة "إسرائيل اليوم" بعنوان "الامتنان والتفاؤل"، وعرض فيه "الإنجازات" التي حققتها إسرائيل في المنطقة، بما في ذلك التقارب "غير المسبوق" مع مصر والتعاون "السري" مع السعودية.

ومما جاء في المقال: "أكثر التغيّرات المذهلة سُجّلت في علاقاتنا مع الدول السنية المعتدلة. نعمل بالشراكة مع المصريين ضد الأصولية الإسلامية في شبه جزيرة سيناء، وامتدح الرئيس عبد الفتاح السيسي بالفعل إسرائيل ودان بشكل علني التطرّف الإسلامي. علاوة على ذلك، هناك تعاون سري مع السعوديين ومع دول الخليج التي تعترف بإسرائيل كعنصر حيوي في المواجهة مع الإيرانيين، الذين يسعون إلى فرض هيمنتهم على المنطقة".

وسوّق رجال السياسة الإسرائيليين التحالف مع الدول السنية المعتدلة لمنظمات الضغط اليهودية في أميركا، على أنه خيار استراتيجي، وهي الخطوة التي اتخذها زعيم المعارضة إسحق هرتسوغ. فألقى خطاباً منتصف العام الجاري في واشنطن أمام مؤتمر اللجنة اليهودية الأمريكية، بدأه بالتأكيد على أنه، بعكس زعماء الدول العربية من الجيل السابق، يعاني الزعماء السنة الجدد بشكل أقل من "عقدة إسرائيل".

أقوال جاهزة

شارك غردخبير إسرائيلي ينتقد فكرة تحالف إسرائيلي مع الدول السنّية المعتدلة ويعتبر أن عليها التخطيط بعيداً عن "كثبان الشرق الأوسط الرملية"

شارك غردجديد الخلاف بين السعودية ومصر... أصوات إسرائيلية تخاف من التحالف مع الدول السنّية "المعتدلة"

وكشف موقع "غلوبس" العبري، في تقرير بتاريخ 7 يونيو 2016، تفاصيل كلمة هرتسوغ الذي قال إن "هؤلاء الزعماء أكثر شجاعة، وأصغر سناً، وأكثر استقلالاً، وعلى استعداد للعمل مع إسرائيل طالما يخدم هذا التعاون مصالحهم".

واعتبر هرتسوغ أن مصر ليست وحدها في هذا المضمار فهناك أيضاً دول الأردن والإمارات العربية المتحدة والسعودية والمغرب والكويت والبحرين التي يمكن أن تشكّل "شركاء محتملين لإسرائيل، ويُستخدموا كعنصر يعزز الاستقرار بالمنطقة".

خوف من "الرمال المتحرّكة"

لكن ومع التدهور الأخير في العلاقة بين مصر والسعودية، الذي جاء على ما يبدو في إطار إعادة رسم خارطة التحالفات في المنطقة، وتوجه مصر صوب موسكو، انطلقت في إسرائيل أصوات تحذّر من مغبة اعتماد تل أبيب على التحالف مع الدول السنية المعتدلة.

وقد وصف الدكتور مردخاي كيدار، مستشرق ومحاضر في قسم اللغة العربية بجامعة "بار- إيلان"، وباحث مشارك بمركز بيغين- السادات للدراسات الاستراتيجية في الجامعة نفسها، هذا التحالف بأنه مبني على رمال متحركة، وذلك في مقاله المنشور بتاريخ 27 أكتوبر 2016 على موقع "ميدا".

وهنا نص المقال كاملاً:

“خلال أقل من أسبوع تدهورت العلاقات بين مصر والسعودية إلى أدنى مستوياتها على خلفية الحرب في سوريا. الرئيس السيسي يعيد حساب المسار، ويحسّن علاقته بالكرملين. وتشير التقلبات السريعة إلى الإشكاليات الكثيرة الكامنة في الاعتماد على تحالفات في الشرق الأوسط.

قبل أكثر من عامين، في منتصف أغسطس 2014 ختمت مقالي الأسبوعي بالفقرة التالية:

تُظهر أرجوحة الشرق الأوسط اليوم قوة المحور السعودي المصري، لكن ليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان هذا التحالف سوف يستمر في توجيه الشرق الأوسط بعد عام أو عامين. على إسرائيل ألا تتعرض للإغراء وترسم مستقبلها وأمنها على ظروف مؤقتة، مهما كانت جيّدة. يتعيّن على إسرائيل العمل على أساس تخطيط طويل المدى يرتكز على قدراتها الذاتية وليس على التحالفات المتغيرة لكثبان الشرق الأوسط الرملية.

تحدث إسرائيليون وغيرهم الكثيرون خلال العامين الماضيين عن أهمية خلق تحالف بين إسرائيل و"ائتلاف الدول السنية المعتدلة"، مصر والسعودية والأردن والإمارات والسلطة الفلسطينية، والاتحاد معها ضد إيران وضد الدولة الإسلامية (داعش) اللتين تهددان سلامهم واستقرارهم جميعاً. بل إن هناك حتى مَن يتهم الحكومة الإسرائيلية بأنها فشلت في استغلال الوضع في الشرق الأوسط لتحقيق السلام مع العالم العربي والإسلامي على أساس مبادرة السلام السعودية، التي تبنتها الجامعة العربية.

كان مركز "التحالف" السني هو التعاون الوطيد بين مصر والسعودية الذي بدأ عندما دعم الملك عبد الله، بقلب مفتوح وبسخاء، الجنرال السيسي. ومعروف أن السيسي أطاح في يوليو 2013 الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، رجل الإخوان المسلمين، وهو ما تعارض مع رغبة الإدارة الأميركية ودول أوروبا. وأنقذ المليارديرات السعوديون مصر من الإفلاس، بل حتى شمل التعاون بين الدولتين إرسال قوة مصرية تساعد السعوديين في حربهم ضد الإيرانيين والحوثيين باليمن.

لكن منذ ذلك الحين حتى الآن، تحركت الكثبان التي بُني عليها هذا "التحالف"، والرياح الشمالية القادمة من ساحات الحرب في سوريا خلطت الأوراق التي راهن عليها المتحدثون. اليوم باتت القاهرة والرياض أبعد ما تكونان عن التعاون، وارتبطت مصر بعلاقات قوية خاصة مع أعداء السعودية، وفي مقدمتهم إيران. فكيف حدث هذا التحوّل؟

الإجابة واضحة: إنه الوضع في سوريا خلال العامين الماضيين، وتحديداً التدخل الروسي، والمعركة والقرارات الخاصة بسوريا في مجلس الأمن، ومصر عضو فيه هذا العام. عمل الموقف من (الرئيس السوري بشار) الأسد على استقطاب مواقف كل الدول المعنية بسوريا: فروسيا، وإيران، والعراق، وحزب الله يدعمون الأسد ليس فقط من الناحية السياسية بل بالمشاركة الفاعلة في القتال. ولولا هذه المشاركة لكان الأسد قد سقط منذ وقت طويل. في المقابل، الدول المعارضة للأسد- السعودية، وتركيا وجزء من الإمارات- تعمل بشكل سياسي، وتمول، وتسلح وتدرب الجماعات المتمردة.

الرهان على الحصان الرابح

ما رجّح كفة الحرب في سوريا لصالح الأسد كان التدخل العسكري الروسي الذي تزايد خلال العام الأخير. يمكن القول بثقة إن روسيا حالياً تمثّل الدعامة الرئيسية لجيش الأسد، وتحديداً في الجو. تشكل منظومة الدفاع الجوي التي نشرتها روسيا على الساحل السوري تهديداً للنشاطات الجوية للولايات المتحدة، وإسرائيل وتركيا. بالإضافة إلى أن جزءاً كبيراً من الأسطول الروسي، مزود بصواريخ، ومعزز بحاملة طائرات، يتمركز قبالة السواحل السورية.

تعمل روسيا بلا قيود قانونية أو أخلاقية وتقصف بلا رحمة أحياء مأهولة بسكان يضطرون للعمل كدروع بشرية للمتمردين- أولئك الذين تدعمهم السعودية، لا سيما في أحياء حلب الشرقية. على الساحة السياسية نجحت روسيا في إجبار أردوغان على الكف عن مساعدة المتمردين، وهو يركّز نشاطه اليوم ضد أكراد سوريا للحيلولة دون إقامة دولة مستقلة تهدد الاستقرار في تركيا.

منذ استيلائه على الحكم في مصر، واجه السيسي معضلة من يدعم- الأسد أو معارضيه الإسلاميين، الأشقاء الإيديولوجيين لمعارضيه بسيناء وعلى طول النيل. امتنع السيسي عندما كان مرتبطاً بالسعودية سياسياً ومالياً، عن إبداء دعم علني للأسد. لكن التدخل الروسي المباشر والمكثف في سوريا دفعه لإعادة حساب المسار. فقد أدرك أن الأسد سينجح في نهاية الأمر في التغلب على معارضيه، وستفشل السعودية في حربها ضده، وقرر الرهان على الحصان الفائز. في هذه المرحلة يتضح أنه هجر السعودية وتجاوز الخطوط، ومن وجهة نظره يمكن أن يبقى الأسد في الحكم ضمن أية تسوية مستقبلية.

كذلك فإن نفض الولايات المتحدة يديها من شؤون سوريا أقنع السيسي أن روسيا وأصدقاءها الإيرانيين هم أصحاب البيت الجدد في الشرق الأوسط، وبالتالي كان ينبغي له الانضمام إلى المجموعة الفائزة والتخلي عن الخاسرين.

أيّد المندوب المصري في تصويت بمجلس الأمن في 8 أكتوبر مشروع القرار الروسي، ضد المشروع السعودي. في رد فعله قال مندوب السعودية بالأمم المتحدة أن تأييد مصر لروسيا "أمر محزن"، وأوقف السعوديون شحنة النفط إلى مصر وفرضوا قيوداً على رحلات شركة مصر للطيران إلى السعودية. أزالت الشرطة المصرية الحواجز الإسمنتية التي كانت تحمي السفارة السعودية في القاهرة بدعوى حفر نفق مروري في المنطقة، وغادر السفير السعودي القاهرة عائداً إلى بلاده.

من جانبه، أعلن السيسي خلال حفل عسكري أن "مصر لن تركع إلا لله"، أي ليس لأي شخص أو دولة، في إشارة إلى السعودية. تداولت وسائل الإعلام خبر بيع ضابط بارز سابق بالجيش المصري زوارق بحرية للحوثيين في اليمن، الذين يحظون بدعم إيران، وتحاول السعودية القضاء عليهم. حدث كل هذا التدهور الذي شاب العلاقات بين الدولتين في غضون خمسة أيام بين 8 و13 أكتوبر.

في المقابل، توطدت العلاقات بين مصر وروسيا في العام الأخير برغم استياء السعوديين، ووصل التعاون بين السيسي وبوتين أيضاً إلى المجال العسكري: اشترت مصر أسلحة روسية وأجرت مناورات مع الجيش الروسي، وتساعد روسيا مصر في بناء مفاعل نووي.

الاستعداد لما بعد عباس

انضمت السلطة الفلسطينية أيضاً في كثير من الأحيان إلى قائمة دول "التحالف السني المعتدل"، الذي زعم كثيرون أن على إسرائيل التوصل إلى سلام معهم. لكن يتضح أن السلطة الفلسطينية هي الأخرى تقف على أرضية مهزوزة. الصورة التي اعتدناها خلال السنوات العشر الماضية هي الانقسام الجغرافي والسياسي، فبينما يُنظر إلى قطاع غزة على أنه دولة حماس، فإن عرب الضفة يحبون منظمة التحرير الفلسطينية.

تثبت الأحداث الأخيرة أن حلم منظمة التحرير الفلسطينية لا يتناسب مع الواقع. فهذه المنظمة منقسمة بين مؤيدي محمود عباس ومؤيدي محمد دحلان. هذا الصدع شق صدعاً آخر آخذاً في الاتساع، بين سكان المدن، وسكان مخيمات اللاجئين.

خلال العام الأخير، وتحديداً خلال الشهر الجاري (أكتوبر) اندلعت أحداث عنف بين السكان وقوات أمن السلطة الفلسطينية، التي تتعامل مع السكان بوحشية وعنف لم نرَ مثيلاً لهما منذ سنوات طوال في العالم العربي، قبل أن يكسر "الربيع العربي" حواجز الوحشية. تعتمد الأجهزة الأمنية على رجال ليسوا من أبناء المكان، بل أولئك الذين جيء بهم من تونس، ولا يعتبرهم سكان المكان كيانات شرعية.

يجب أن نفهم ما يحدث اليوم داخل السلطة الفلسطينية في سياق استعداد الأطراف المختلفة لما بعد محمود عباس: تحصل حركة حماس على الأنصار والسلاح للسيطرة على الضفة الغربية، والخوف منها بين مؤيدي منظمة التحرير يدفعهم إلى البحث عن شخصية شابة وقوية يمكنها توفير ثقل موازن لقوة حماس. محمد دحلان مناسب لهذا المنصب بشكل تام تقريباً، لكنه يواجَه بمعارضة شديدة من محمود عباس وأنصاره.

هل ستبقى منظمة التحرير في المستقل كياناً واحداً؟ يصعب التكهن، لكن ديناميكية الشرق الأوسط تديم الصراعات وتعمّقها. يمكن الافتراض أن الخلاف سيقضي على منظمة التحرير، تماماً مثلما قضى الصراع مع حماس على حلم الدولة الفلسطينية الواحدة حتى قبل تأسيسها.

تحالفات مبنية على الكثبان

التحالفات الشرق أوسطية مبنيّة على الكثبان الرملية، وأعود وأحذّر متخذي القرار في إسرائيل وخارجها من الإعجاب بوضعية الكواكب كما هي الآن، ومن بناء سياسة طويلة المدى تعتمد على "تحالفات" إقليمية، وبالأخص من الدفع بالعملة الصعبة- وتحديداً بمناطق من الوطن- مقابل ورقة مكتوب عليها كلمة "سلام".

فقط للتوضيح: لدى اسرائيل معاهدة سلام مع الأردن منذ عام 1994، ولكن ذلك لا يمنع هذه الدولة الاصطناعية – التي لم يكن لها وجود قبل 1921 – من تبني قرار اليونسكو الذي يقوّض العلاقة بين الشعب اليهودي والقدس، العلاقة القائمة منذ أكثر من 3000 سنة. هل يبدو هذا سلاماً؟ هل استدعت إسرائيل السفير الأردني للاحتجاج على أنشطة بلاده في اليونسكو؟

وهل تريدون مع مثل هذا "التحالف" أن تشعر إسرائيل بالراحة؟”

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائلية وعضو في نقابة الصحافيين.

التعليقات

المقال التالي