مشاهدات 100 يوم من الانقلاب التركي

مشاهدات 100 يوم من الانقلاب التركي

اليوم، 23 أكتوبر، يوافق ذكرى مرور مئة يوم على محاولة الانقلاب الفاشلة التي عاشتها تركيا في 15 يوليو الماضي. ولا تزال العشرات من التساؤلات بدون إجابات، ولا تزال ملابسات أحداث كثيرة غامضة. كما لم يتم الكشف عن الجنرال رقم واحد المخطط للانقلاب.

شهدت تركيا خلال المئة يوم التي تلت محاولة الانقلاب الكثير من التغييرات الهامة في معظم القطاعات الداخلية، والأرقام التي تم رصدها تعكس التحول السياسي لحزب العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

تتبّعُ الأرقام الواردة في البيانات الرسمية المعلنة، يساعد على الوصول إلى حقائق كثيرة تمنح القارئ إمكانية تحليل الأحداث الجارية وتفسير المرحلة السياسية المقبلة في تاريخ تركيا، في ظل تجديد حالة الطوارئ لثلاثة أشهر اعتباراً من 21 أكتوبر الجاري.

اتهام سريع

بعد 5 دقائق من إعلان فشل محاولة الانقلاب العسكري، وجّه أردوغان اتهاماً صريحاً إلى حركة خدمة بزعامة فتح الله غولن، مؤكداً أن عدداً من الجنرالات المتورطين بمحاولة الانقلاب تلقوا تعليماتهم ومخطط الانقلاب من غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية.

حالة طوارئ

وأعلنت الحكومة التركية حالة الطوارئ في عموم البلاد خلال الأسبوع الأول من الانقلاب، لمدة ثلاثة أشهر. وبموجبها مُنح الرئيس التركي الكثير من الصلاحيات منها إصدار المراسيم وفرض حظر التجوّل، وإمكانية حظر وسائل الإعلام والسيطرة على كافة أشكال البث الإذاعي والمرئي، والسماح لقوات الأمن بالتفتيش والمداهمة ومصادرة الممتلكات دون إذن نيابي مسبق.

آلاف المعتقلين

ووصل عدد المحتجزين قيد التحقيق حتى مطلع أكتوبر الجاري إلى 77 ألفاً و545 شخصاً، ووصل عدد المعتقلين إلى نحو 34 ألفاً، وفقاً لبيان صادر عن وزير العدل التركي بكير بوزداغ. وبدأ التحقيق مع الآلاف بتهمة الضلوع في محاولة الانقلاب الفاشل والانتماء إلى حركة خدمة.

أقوال جاهزة

شارك غردأرقام مخيفة لما حصل من عمليات احتجاز واعتقال وفصل من العمل، في الأيام الـ100 التي تلت محاولة الانقلاب في تركيا

شارك غردهل يجري انقلاب جديد في تركيا؟ هل أردوغان خائن أم مدافع عن بلده؟ قد تساعدكم لغة الأرقام في تحديد رأيكم

وفي 15 سبتمبر الماضي، أعلنت وزارة العدل التركية عن بناء 174 سجناً جديداً خلال السنوات الخمس المقبلة لحل مشكلة تكدس السجناء، ولاستيعاب الأعداد المتزايدة من المعتقلين بصفة يومية عقب الانقلاب العسكري الفاشل.

وقد ذكر رئيس مصلحة السجون والمعتقلات في تركيا أنس يافوز يلدريم، أن نسبة إشغال السجون بلغت 104% نتيجة عمليات الاعتقال التي أعقبت المحاولة الانقلابية على الرغم من حملات تخلية سبيل كثيرين.

المؤسسة العسكرية

شهد الجيش التركي بكافة مؤسساته أكبر عمليات التصفية السياسية عقب الانقلاب التركي. وأفاد البيان الصادر عن هيئة الأركان التركية في العاشر من سبتمبر الماضي أنه جرى تقليص أفراد الجيش عقب الانقلاب بنحو 200 ألف عسكري برتب عسكرية مختلفة، لينخفض عدد أفراده من نحو 561 ألفاً إلى 351 ألفاً.

ويشير البيان إلى خفض عدد الضباط والقيادات من 73 ألفاً إلى 48 ألفاً، والجنود من 311 ألفاً إلى 182 ألفاً. وتم اعتقال 163 جنرالاً، وستة آلاف و269 عقيداً، وسبعة آلاف عسكري برتب مختلفة، عدا آلاف المحتجزين قيد التحقيق.

موظفو الصحة

أعلن وزير الصحة التركي رجب أكداغ أنه جرى فصل نحو 6 آلاف من العاملين بوزارة الصحة خلال الشهر الأول من الانقلاب، وأشار إلى استمرار حملات التصفية بحق العاملين في الوزارة حال الاشتباه في انتمائهم إلى حركة خدمة.

انقلاب تعليمي

لم يسلم قطاع التعليم من تداعيات محاولة الانقلاب الفاشل، إذ أعلنت وزارة التعليم إقالة 11 ألفاً و254 معلماً بتهمة مشاركتهم في فعاليات تنظيمية لمنظمة حزب العمال الكردستاني المحظورة. بينما أعلن نائب رئيس الوزراء التركي نور الدين جانيكلي أن عدد المفصولين من قطاع التعليم في تركيا عقب الانقلاب بتهمة الانتماء إلى حركة خدمة بلغ 27 ألفاً و715 معلماً وفقاً لمراسيم قانون حالة الطوارئ، وأعيد 455 منهم إلى عملهم عقب التحقيقات. وبلغ عدد العجز في أعداد المعلمين في تركيا نحو 10 آلاف معلم.

الانقلاب على القضاء

السلك القضائي في تركيا كان أول المتضررين من القرارات الحكومية عقب محاولة الانقلاب، إذ عوقب قبل معاقبة الجنرالات والعسكريين المتورطين في التخطيط والتنفيذ لعملية الانقلاب منتصف يوليو الماضي.

وأصدرت وزارة الدفاع التركية منتصف أكتوبر الجاري قراراً بعزل 109 قضاة عسكريين، في إطار التحقيقات المستمرة بشأن الانقلاب الأخير، ليرتفع عدد القضاة العسكريين المقالين إلى 209، أي ما يقارب نصف عددهم في تركيا.

وبلغ إجمالي عدد القضاة المستبعدين من السلك القضائي التركي خلال الـ100 يوما الأولى من الانقلاب أكثر من 3500 قاضياً وممثل ادعاء، من بينهم عضوان في المحكمة الدستورية العليا. وفقط خلال الأيام العشرة الأولى التي أعقبت الانقلاب استُبعد 2745 قاضياً وممثل ادعاء.

وخلال حفل افتتاح العام القضائي الجديد في القصر الرئاسي التركي في أنقرة قال الرئيس التركي: "أنا رأس السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية"، في إشارة إلى عدم استقلالية القضاء وغياب فصل بين السلطات.

الصحافة والإعلام

الإعلام كان من أبرز المجالات التي تضررت من القرارات الحكومية التي أعقبت الانقلاب، إذ صرّح نائب رئيس الإدارة العامة للصحافة والإعلام في رئاسة الوزراء التركية أكرم أوكتان، في أغسطس الماضي، أنه يجب على الصحافيين والإعلاميين الراغبين في مغادرة البلاد الحصول على تصريح من الإدارة.

وفي الشهر التالي أوقف المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون التركي بث عدد من القنوات الإذاعية والتلفزيونية من بينها عدد من القنوات الكردية والقنوات العلوية. كما طرحت الحكومة المؤسسات الإعلامية التابعة لحركة خدمة للبيع ونقلت ملكيتها بعد السيطرة عليها، إذ أعلن وزير البيئة التركي محمد أوزهاسكي نقل ملكية 42 محطة إذاعية وقناة تلفزيونية تابعة للحركة إلى التلفزيون التركي الرسمي، استعداداً لطرحها للبيع في مناقصة عامة.

عقوبة الإعدام

قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو: "زوجتي هددتني بإعادة النظر بعلاقتنا إذا رفضت تأييد عقوبة الإعدام"، وذلك خلال كلمته التي ألقاها في 12 أكتوبر الجاري، خلال مشاركته في اللجنة البرلمانية للمجلس الأوروبي بمدينة سترازبورغ الفرنسية.

ويبدو التصريح السابق ساخر، إلا أنه يصف استمرار رغبة الحكومة التركية في إعادة عقوبة الإعدام بعد إلغاءها عام 2002.

ودعا أردوغان عقب عملية الانقلاب الفاشلة إلى ضرورة تطبيق عقوبة الإعدام لردع أية مخططات مستقبلية، وقال: "الشعب التركي يصرخ في الشوارع ويطالب بتطبيق عقوبة الإعدام بحق المتورطين في محاولة الانقلاب الفاشلة"، مؤكداً أنه سيصادق على قانون عودة الإعدام حال تمريره من مجلس النواب التركي.

أرقام استقصائية

عقب عملية الانقلاب الفاشلة صدر موقع "Turkeypurge" باللغة الإنجليزية، وهو موقع مختص برصد الأحداث والتداعيات الخاصة بالانقلاب، وتسجيل واستقصاء كافة البيانات، وتحديث البيانات وأرقام المتضررين من عمليات التطهير الواسعة التي تتبناها حكومة العدالة والتنمية عقب الانقلاب في ظل قانون الطوارئ وفزاعة شبهة الانتماء إلى حركة خدمة.

وتشير الأرقام المرصودة وفقاً للموقع السابق إلى أن حصيلة عمليات التطهير عقب الانقلاب طالت، حتى 20 أكتوبر الجاري، أكثر من 105 آلاف متضرر. وهذا الرقم يتضمن المعتقلين والمحتجزين قيد التحقيق والمفصولين من العمل بقرار حكومي.

وتخطى عدد المحتجزين 70 ألفاً، وعدد المعتقلين 30 ألفاً، وبلغ عدد المدارس والمعاهد والجامعات المغلقة 2099، وعدد الجمعيات والمدارس المغلقة والمجمد نشاطها 1254، وعدد القضاة وأعضاء النيابة العامة المستبعدين من عملهم 3640، وعدد وسائل الإعلام المغلقة 180، وعدد الصحافيين المعتقلين 127.

انقلاب جديد

وأكد رئيس تحرير صحيفة "زمان" إسحاق إنجي لرصيف22 أن الرئيس التركي استفاد كثيراً من "مسرحية انقلاب 15 يوليو"، وقال إن "أردوغان عبر هذه المسرحية تسبب في قتل مئات الجنود من الجيش والشرطة".

وأشار إلى رغبة أردوغان في استمرار حالة الاضطراب الراهنة وعدم استقرار الأوضاع في تركيا، إذ أنه "يدرك أن استقرار الأوضاع يعني استقرار وبدء عجلة القضاء وفتح الكثير من الملفات والقضايا التي تنتظره"، مضيفاً أن "أردوغان أضحى يسيطر على كافة مؤسسات الدولة، وأصبح البرلمان التركي لا قيمة له، وتدرك المعارضة أنه في حال تجاوز الحد المسموح به من نقد أردوغان والحكومة قد يتم رفع الحصانة عنها".

وتابع: "أنا لا أرى أن هناك شخصاً أو جهة يمكنها إسقاط أردوغان حالياً، إلا أن أخطاءه وخيانته للوطن ستقضيان عليه".

وحول توقعاته بشأن القوانين أو القرارات الجديدة المحتمل إصدارها من قِبل أردوغان في ظل تمديد حالة الطوارئ، قال إنجي "أردوغان لا يحتاج إلى إصدار قوانين جديدة، لا أتوقع إصدار قوانين هامة خلال المرحلة المقبلة، لأنه مستمر في تعطيل جميع المؤسسات الحكومية".

وقال الأكاديمي جيهان توغال، أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيركلي الأميركية، إن ما تشهده تركيا عقب عملية الانقلاب الفاشلة "ليست عملية تطهير ضد العسكر تشنها حكومة العدالة والتنمية، لكنها عمليات تصفية في كافة مؤسسات الدولة"، مؤكداً أن ممارسات ودعوات بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية الحاكم مؤخراً "لن تؤدي إلى انقلاب جديد، بل ستؤدي إلى حرب أهلية صريحة".

ووصف الكاتب التركي علي عبد الله التركي، ما تشهده تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة بأنه "يفوق الإبادة الجماعية"، ووصف عمليات الاحتجاز والاعتقال والفصل من العمل بأنه "صيد الساحرات"، في إشارة إلى اتهام الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى كل مَن يخالغها بأنه ساحر  أو مشعوذ.

وأفادت شركة "صونار" التركية العاملة في مجال الأبحاث واستطلاع الرأي، بأن عملية الاستفتاء الشعبي التي أجرتها على 3000 مواطن في 26 مدينة كعينة عشوائية من الشعب التركي أوضحت أن 50.9 بالمئة يتوقعون احتمال حدوث محاولة انقلاب ثانية قريباً، بينما 42.7 بالمئة لا يعتقدون بذلك.

صحفي متخصص في شؤون الشرق الأوسط وتركيا، ومترجم لغة تركية معتمد، خبرة في مجال الترجمة والصحافة 11 عام.. عملت كمترجم في مصر وتركيا بعدد من المصانع والشركات التركية بالإضافة إلى عملي كصحفي متخصص بالشأن التركي

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي