الإخوان المسلمون: تأسيس ثالث أم نهاية الطريق؟

الإخوان المسلمون: تأسيس ثالث أم نهاية الطريق؟

أعلن الأمن المصري مؤخراً مقتل د. محمد كمال، أكبر قادة جماعة الإخوان المسلمين خارج السجون في مصر. هو الذي يطلق عليه الشباب الإخواني التواق للتغيير، لقب المؤسس الثالث للجماعة. لكن وزارة الداخلية ومن وراءها وسائل الإعلام الموالية للسلطة، تعتبره قائد ميليشيات الإخوان، وزعيم جناحها المسلح، الذي يقف وراء أعمال العنف والتفجيرات والاغتيالات التي وقعت في البلاد منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي.

وسواء قُتل كمال في تبادل لإطلاق النيران، كما تذكر رواية أجهزة الأمن، أو صُفّي بعد اعتقاله، كما يؤكد الإخوان، فان الجماعة تعيش أسوأ أيامها، ليس بسبب فقدانها للسلطة فقط، والضربات الأمنية الدامية التي تلاحق عناصرها، بل أيضاً بسبب صراعاتها الداخلية العميقة، وتناحر شبابها وقياداتها، بين رؤيتين متضادتين في الفكر والتنظيم والوسائل والأهداف، للخروج من الأزمة التي تكاد تقتلع الجماعة من جذورها.

شباب الإخوان، بمعاضدة بعض شيوخها، يدعون إلى تأسيس ثالث للجماعة، ينطلق من ضرورة التغيير الشامل في قيادات وهياكل الجماعة التنظيمية والإدارية. وتغيير رؤيتها للصراع القائم مع النظام العسكري في مصر، باعتباره امتداداً للاحتلال الأجنبي، ثم ضرورة اللجوء إلى القوة والعنف وحمل السلاح والجهاد، ليس لإسقاطه فحسب، بل لتحرير أرض مصر منه.

في المقابل، هناك الرؤية التقليدية للقيادات التاريخية المسيطرة على الجماعة مالياً وتنظيمياً، وفي مقدمتها القائم بأعمال المرشد العام محمود عزت، وهو شخصية لا يُعلم مقر إقامتها، والأمين للعام للجماعة محمود حسين، المقيم حالياً بتركيا. تمضي هذه الرؤية في طريقها نحو الإعلان والترويح للتمسك بالسلمية التامة، ونبذ العنف بكافة أشكاله، والمضي في طريق النضال الدستوري، وعدم إشعال الثورات، وانتظار تغيير يحدث من داخل المؤسسة العسكرية، وتحمل الأوضاع الحالية والسجون والمعتقلات، ريثما تتحسن الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية.

بين هاتين الرؤيتين، انقسمت الجماعة في مصر وخارجها، لكن جبهة الشباب والتغيير أصيبت في مقتل بعد اغتيال محمد كمال عضو مكتب الإرشاد، الذي تولى قيادة اللجنة الإدارية العليا للجماعة، عقب فض اعتصام رابعة الشهير، قبل أن يعلن استقالته من جميع المناصب التي يتولاها في مايو الماضي.

كمال الذي عمل أستاذاً للطب بجامعة أسيوط، اعتبر القائد والملهم للشباب المتمسك بخيار العنف والقوة، في مواجهة النظام القائم. وإليه تنسب قيادة ما يسمى اللجان النوعية، مثل الحسم والعقاب الثوري وغيرهما، والتي شنت هجمات متعددة ضد قوات السلطة.

وباغتيال كمال، تمسك شباب ما يسمى بالتأسيس والحل الثالث بخيارهم في مواجهة النظام، رافعين صور قائدهم الراحل على حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي. ووصل بهم الحال إلى اتهام جبهة عزت، المؤيدة للسلمية، بالتواطؤ مع الأمن للتخلص من قيادة الجناح المناهض لهم والداعي للتغيير. وعللوا ذلك بأن الاغتيالات والتصفية الجسدية، لا تنالان سوى من عناصر دعاة التأسيس الثالث.

أقوال جاهزة

شارك غردهل سيتمكن شباب الإخوان المسلمين من "إنقاذ" جماعتهم أم سيكتبون بأياديهم كلمة النهاية؟ إنها مرحلة الحسم

ومن المعروف أن الجماعة التي قارب عمرها 90 عاماً شهدت تأسيسها الأول عام 1928 على يد حسن البنا، حاملة فكرة شمولية الإسلام لكافة مناحي الحياة. بينما أتى التأسيس الثاني للجماعة، في منتصف السبعينات من القرن الماضي، على يد مرشدها الثالث عمر التلمساني، بعد أن كادت تندثر بسبب القمع الذي لاقته.

هياكل جديدة

يعرّف عز الدين دويدار، وهو مخرج سينمائي شاب ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، ويقيم بتركيا، عبر صفحته على فيسبوك، التأسيس الثالث، بأنه إعادة بناء شاملة لتنظيم الإخوان، وإعداد رؤية وبناء فكري، وإعادة ربط للواقع بالجذور الأصلية، ورفع كفاءة لكل الصف. بالإضافة إلى انتخاب مؤسسات شورى ومؤسسات تنفيذية، وبناء هياكل جديدة في الأماكن المختطفة إدارتها، ومواجهة تحديات معرقلي التغيير، ونفوذ مراكز القوى التاريخية والتحديات الأمنية واللوجيستية صعبة.

ويؤكد دويدار على شرعية حمل السلاح بقوله: "المسألة حقيقة ليست في شرعية الإعداد وحمل السلاح ضد عملاء الصهاينة والغرب، الذين ولوهم علينا بالسلاح... فهذا هو الشرعة في الدين والواقع والضرورة".

ملامح التأسيس الثالث

يمكن تلخيص ملامح رؤية التأسيس الثالث للجماعة كما رسمها أحد شباب الإخوان عبد الوهاب محمد، في إحدى مقالاته "الإخوان.. ثغرات التأسيس الأول والثاني، وأولويات التأسيس الثالث"، في تأسيس رؤية تتعامل مع منظومات الحكم القائمة باعتبارها امتداداً للاحتلال الأجنبي، واعتبار الجهاد أداة ضرورية لمعارك التحرر وللثورات، وأن تدعم الجماعة العمل الجهادي وترشده باعتباره جزءاً من خطة المواجهة والثورة.

جوهر الصراع واغتيال كمال

يقول الشاب الإخواني أحمد حمزة، أحد مناصري التأسيس الثالث، على صفحته على فيسبوك، إن جوهر الأزمة في الداخل تمثل صراعاً حول ماهيتها ومنهج حركتها وآلياته. موضحاً أن جماعة القيادات التقليدية ترسل وفوداً للكونجرس الأمريكي ومجلس العموم البريطاني، للتأكيد على أن الجماعة لا تمثل تهديداً للنظام العالمي. وأنها تسعى للعمل داخل المنظومة والمعادلة الحالية والبحث داخلها عن أفضل الحلول والمكتسبات.

في المقابل، كان محمد كمال ومن معه يؤسسون لجماعة تسعى لكسر هذه المعادلة بأكملها، والتحرر منها، وفرض واقع جديد ومعادلة جديدة. وهو مسار ينتفض من أجله النظام ولن تقر له عين إلا بالقضاء عليه وكسره وإنهائه، لذا قُتل كمال، وسيقتل كل كمال حتى ينتهي هذا المسار ويختفي.

المعركة المقبلة

يطالب د.جمال عبد الستار، أحد قيادات الإخوان البارزة، وأستاذ في جامعة الأزهر، الشباب بالاستعداد للمعركة المقبلة، في مواجهة النظام. وكتب عبد الستار مقالاً في موقع "الإخوان المسلمين - جبهة التغيير"، بعنوان "زمن التساقط"، دعا فيه إلى إسقاط رموز الجماعة التقليديين، الداعين للجهاد الدستوري وتجنب الجهاد الميداني. فقال: "فلتسقط منهجيات ترى أن الجهاد الدستوري واجب كل الأوقات، وعلاج كل الأزمات، حتى ولو كان ذلك على حساب مبادئ الإسلام وثوابته، في الوقت الذي تُسقط فيه جهاد الميدان إعداداً ومواجهة بحجج واهية".

الهجرة أو الموت

الإعلامي ذو الميول الإسلامية عبد العزيز مجاهد، العامل في قناة الجزيرة مباشر، كتب مقالاً بعنوان "أيها الإخوان هاجروا أو موتوا"، وجه فيه نقداً عنيفاً للقيادات التاريخية للجماعة المتمسكة بمناصبها. وقال: "الناظر في هبَّاتِ شعوبنا وثوراتها خلال الأعوام الماضية، يدرك أن هجرةً باتت واجبةً على قادتها وساستها، التي ألفت لعقود الجلوس على مقعد المعارضة الديكورية، والتحرك في بضعة سنتيمترات تركتها لهم الأنظمة".

دعوة حل الجماعة

وكان الشاب الإخواني، المسجون حالياً، حذيفة زوبع، كتب منذ عامين مقالاً مدوياً على موقع "ساسة بوست"، بعنوان "حلوها يرحمكم الله" داعياً لحل الجماعة. وأكد فيه أن جماعة الإخوان على المستوى السياسي لا تفعل شيئاً سوى أنها تنتظر أن يأتيَ أحدهم ليطيح السيسي، فتملأ هي الفراغ المتوقع، إن نشأ. فالوجوه نفسها والعقلية لم تتغير، والتجربة لم تُدرس بعد ليستفاد منها، حتى الشباب الذي يتم وضعهم في أماكن قيادية، إن حدث، فلا بد أن يشبهوا قادتهم.

"ربيع الإخوان"

"ما تشهده الساحات الإخوانية يؤكد أن بوادر الربيع الإخواني بدأت، وما حدث على الساحة المصرية حالياً، ليس انشقاقاً، بقدر ما هو حراك لمياه الإخوان الراكدة".

هكذا يؤكد الكاتب الأردني عبد الله فرج الله في إحدى مقالاته، مقدماً رؤية متفائلة لمستقبل الإخوان، بقوله "الربيع الإخواني سينقل الراية من القديم إلى الجديد، ومن الجمود إلى التجديد، ومن التراث إلى المعاصرة، ومن التقليد إلى الإبداع، ومن التعصب إلى التواصل، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن المقاطعة إلى المشاركة، ومن السرية إلى العلنية، ومن الشكوى والتذمر إلى المواجهة والتحدي".

رؤية القيادة التاريخية

أبلغ ظهور لرؤية القيادات التاريخية المسيطرة على الجماعة، تجلت في مؤتمر الشباب المسلم لمواجهة العنف، الذي عقد في سبتمبر الماضي في ماليزيا، ونال نقداً عنيفاً من شباب التأسيس الثالث. فأطلقوا عليه "مؤتمر الإخوان العلمانيين"، منتقدين توصياته بانتهاج السلمية ونبذ العنف، والابتعاد عن السياسة، والتزام طريق الإصلاح، واستخدام أدوات ما يسمى بالنضال الدستوري والابتعاد عن إشعال الثورات.

وتتجلى ملامح رؤية القيادة المحافظة للجماعة، بكلمات أبرز المشاركين في المؤتمر، كما جاء على  صفحة منظمة الشباب المسلم على فيسبوك. فأكدوا أن وسائل التغيير هي النضال الدستوري، وتكوين قاعدة صلبة لا ترضى بغير الحكم الإسلامي، وعدم الاعتماد على الثورات، وعدم استهداف الوصول للحكومة والتركيز على تربية المسلم ليحكم نفسه بالإسلام.

وأكدت المداخلات أن حق الدفاع عن النفس في الإسلام لا يسمح بالتجرؤ على استخدام العنف، والدفاع عن وجود الإسلام يتطلب علاقة طيبة بين الحركة وجميع الحكومات في كل دول العالم.

التيه الكبير

بين تلك الرؤيتين المتناقضتين، يعيش كثير من عناصر الجماعة وقواعدها تائهين مشتتين، منهم من يدعم دعاة التغيير والتأسيس الثالث وحمل السلاح والجهاد في مواجهة النظام، ومنهم قانع برؤية القيادة التاريخية، بالتزام السلمية والتحلي بالصبر والتضحية. في ظل أجواء يسودها التشكيك والتخوين بين أنصار الفريقين، وتخوف واسع من انشقاقات كبرى بالجماعة.

ويظهر ذلك في آراء  تعليقات كثير من عناصر وكوادر الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي، فمنهم من يرى أن لا وجود على أرض الواقع لأي بوادر لتأسيس ثالث، مؤكدين بقاء القيادات والعقليات والفكر هي هي، مشيرين إلى أن الصراع الحالي داخل الجماعة هدفه المناصب والنفوذ.

ويتعاطف بعض عناصر الإخوان مع دعاة التأسيس الثالث، معتبرين أن أطروحاتهم باستخدام العنف وحمل السلاح ضد النظام، سيصعب تحقيقها بمختلف الوسائل. وستكون عواقبها وخيمة على أبناء الجماعة والبلاد بأكملها. بينما يبقى سيد الموقف هو التخبط والحيرة والعجز عن إجابة السؤال الكبير: هل يستطيع شباب الإخوان إنقاذ جماعتهم أم سيكتبون بأياديهم كلمة النهاية؟

التعليقات

المقال التالي