ختام مناظرات الرئاسة الأمريكية: كلينتون تتفوّق وترامب في مأزق

ختام مناظرات الرئاسة الأمريكية: كلينتون تتفوّق وترامب في مأزق

عشرون يوماً تفصلنا عن الإنتخابات الأميركية. ما يقدّر بـ50 مليوناً حول العالم تابعو الفرصة الأخيرة لمرشحيّ الرئاسة لعرض الرؤية المستقبلية لبلدهما. بإبتسامة عريضة وثقة عالية، دخلت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون إلى مقرّ المناظرة بجامعة "نيفادا" في لاس فيغاس، أمّا منافسها الجمهوري دونالد ترامب، فيبدو أن المناظرة الأخيرة جعلته أكثر إصراراً على موقفه السابق في “إدخال كلينتون إلى السجن” إذا أصبح رئيساً.

تسعون دقيقةً كانت كافية للمرشحين للانتخابات الرئاسية ليتبادلا آخر ما يملكانه من إتهامات قبل خوض السباق الرئاسيّ. رغم ذلك، يمكن اعتبار هذه المناظرة الأكثر هدوءاًً واتزاناً بعد المناظرتين السابقتين (26 سبتمبر و9 نوفمبر) اللتين امتازتا بالحماوة والمواقف المستفزة.

كالعادة، نجحت كلينتون في أن تحافظ على دور المهاجم، واستمرّ ترامب في موقعه كمدافع عن نفسه بعد كل الفضائح الأخيرة التي طالته، وأبرزها فضيحة التحرش بتسع نساء أمريكيّات. دليل نجاح كلينتون حسمته شبكة الـ "سي.ان.ان" التي أعلنت بعد ساعة من انتهاء المناظرة، فوز كلينتون على ترامب بنسبة 52% مقابل 39%، في استطلاع للرأي حول المناظرة.

وبين الهجوم والدفاع لعب الصحافي في شبكة فوكس نيوز الأمريكية كريس ويليس دور الحكم، وهو يدير نقاشاً لم تكسر حدّته سوى ضحكاته الساخرة أحياناً ومطالبته الحضور بالتحلّي بالهدوء أحياناً أخرى. حاول ويليس توجيه المناظرة للحديث عن الدين العام والاقتصاد والهجرة، وطبعاً الشأن الخارجي، ولكن في كل مرّة كان ينزلق النقاش بين المنافسين لتبادل الإتهامات والإهانات. وبين فضائح ترامب المتعلقة بالتحرّش، وفضائح كلينتون التي نشرتها ويكيليكس، برز بوضوح تأكيد ترامب على المساعي لتزوير الانتخابات الأمريكية لمصلحة منافسته، وعندما سأله ويليس عن الأمر أجاب: "لن أحكم على الأمر من الآن، سأخبرك برأيي بعد الانتخابات".

ربّما يحاول ترامب من خلال الإشارة إلى احتمال وقوع تزوير في الانتخابات، تشتيت الانتباه عن فضائحه التي لا تنشرها، برأيه، إلا "وسائل الإعلام الكاذبة والفاسدة". ولكنه طبعاً لم ينجح في ثني كلينتون عن مهاجتمه ووصفه بالرجل "المسيء والمهين للمرأة الأمريكية". وفي موقع الدفاع عن نفسه بوجه تهم التحرّش الجنسيّ، فشل ترامب هذه المرّة أيضاً في إظهار مناصرته لحقوق المرأة، وإن بهدف تلميع صورته فقط، ليقف ضد حق المرأة الأمريكية باتخاذ قرار الإجهاض، وهو الأمر الذي اعتبرته كلينتون "تدخلاً مرفوضاً للحكومة الأميركية في أمور وقرارات شخصية للمرأة".

"أنا من دعاة الحياة"، عبارة كررها المرشح الجمهوري أكثر من مرّة في المناظرة على مسمع الملايين من الأميركيين في سبيل استقطابهم،  بعد أن أظهرت الإحصاءات الأخيرة التي نشرتها جامعة "كوينيبياك" تقدم كلينتون بخمس نقاط، إذ حازت  45% من نوايا التصويت مقابل 40% لترامب. لكن كيف يكون الملياردير الجمهوريّ من دعاة الحياة وهو ضد حق المرأة في الإجهاض؟ ومع رفض استقبال اللاجئين السوريين، ومع كل تصريحاته العنصريّة بحق المسلمين والمهاجرين المكسيكيين والنساء والصحافيين؟ أسئلة كثيرة طرحتها كلينتون تحت قاعدة تركيزها على أنّ "أصحاب النفوذ مثل ترامب يجب منعهم من استغلال الناس".

مصدر القوّة الوحيد لترامب في المناظرة الأخيرة، بدا واضحاً في شق الشأن الخارجي للولايات المتحدة الأمريكية. "ذكاء روسيا وإيران والنظام السوريّ نجح في التفوّق على أمريكا"، والسبب برأيه السياسات الخاطئة للرئيس الأمريكي باراك اوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. تودد ترامب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس جديداً، ووصفه بالرئيس الذكيّ والمنتصر يزعج كلينتون التي وجّهت اتهاماً مباشراً لروسيا بالتجسس على أمريكا "بهدف التشويش على الانتخابات الرئاسية والتأثير بها"، محوّلة منافسها إلى أداة (دمية) بيد الرئيس الروسي "على ترامب أن يعترف بأنّ بوتين يتحكّم به وأنه سعيد بذلك"، قالت.

في السياسة الخارجية، استمرّ ترامب من سخريته من تأكيد كلينتون رفضها إرسال قوّات أمريكية "لاحتلال العراق بهدف تحرير مدينة الموصل من داعش". بالنسبة اليه، من صوتت لدعم قرار اجتياح العراق في العام 2003 لا يحق لها ان تنكر رغبتها بإحتلال جديد، ومن تُجاهر بمحاربتها لداعش ووضع قضية التخلّص منه على سلّم أولوياتها الرئاسية "لا يحق لها ان تعارض منع تدفق اللاجئين السوريين إذ يمكن اعتبار عدد كبير منهم من أنصار داعش"، وطبعاً لا يمكنها أن تتجاهل أن "سياستها وسياسة رئيسها صنعتا أكثر التنظيمات إرهاباً في العصر الحديث".

الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بالكذب والسرقة والتزوير، لم تعكر صفو المناظرة التي يمكن اعتبارها الأكثر هدوءاً ورصانةً بين المناظرات الثلاث. كيف لا وقد توعد ترامب كلينتون بإدخالها السجن في حال فوزه بالرئاسة خلال المناظرة الثانية. ولكن بالرغم من تفوّق المرشحة الديمقراطية على منافسها الجمهوري، لا يمكن إنكار أن أداء ترامب هذه المرّة كان أفضل من أدائه في المناظرتين السابقتين، وأنّه برغم سلوكه الفوقيّ المعتاد أثناء توجيه الحديث إلى كلينتون، بدا أكثر ثقةً وجديّة وكأنّه اتخذ قراراً مسبقاً بالتروّي قبل الرد على أيّ اتهام. فظهرت كلينتون، برغم موقفها المهاجم طوال الوقت، أكثر عصبيّة واحتداماً من ترامب، الذي لم يعرها اهتمامه إلّا بنظرات استفزازية بين حينٍ وآخر.

نهاية المناظرة حُسمت لمصلحة كلينتون، التي خصصت دقيقتها الأخيرة للتوجه للشعب الأميركيّ طالبةً منه منحها الثقة "والفرصة لخدمته". أمّا ترامب، ففشل في استغلال لحظاته الأخيرة إلى جانب منافسته، ليغدق عليها سيلاً من الاتهامات.

ومع انتهاء المناظرات وقبل أيام تفصلنا عن انتخاب رئيس أمريكيّ جديد، وبين رؤيتين متناقضتين تماماً لأمريكا وواقعها الداخليّ وسياستها الخارجيّة، يبقى موقع تويتر هو المنصة الأبرز للمرشحين بعد المناظرات، والوسيلة الأفضل لتكملة الحرب بين الطرفين، والتعبير افتراضياً عما يعجزان عن المجاهرة به وجهاً لوجه.

التعليقات

المقال التالي