ما تحتاجون معرفته لفهم معركة الموصل

ما تحتاجون معرفته لفهم معركة الموصل

في الرابع والعشرين من شهر مارس الماضي، بدأ الكلام الجدّي عن معركة تحرير الموصل الواقعة تحت سيطرة داعش منذ يونيو العام 2014. بعد أشهر من الكلام عن الاستعدادات والتحديات التي تواجه تحرير آخر المعاقل وأكبرها للتنظيم في العراق، دقت ساعة الصفر بإعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بدء المعركة التي حملت اسم "دقت ساعة الحدباء".

المشاركون في العملية كثر، على اختلاف مصالحهم، من التحالف المشترك إلى تركيا وإيران ثم الحشد الشعبي والبشمركة. الهدف المعلن بين الجميع هو دحر "داعش" بمقاتليه المتمترسين بالآلاف. أما الخبايا في خلفية مشاركة كل طرف فكثيرة، ترخي بالغموض على المشهد لتكون أحد أبرز التحديات، إلى جانب تحديات أخرى على رأسها تعميق الصراع السني - الشيعي في الموصل وكذلك مصير أكثر من مليون مدني يعيشون فيها.

شغلت المعركة وسائل الإعلام المحلية والعالمية، التي تُجمع على أهميتها باعتبارها أكبر معركة خيضت ضد داعش حتى الآن. حجزت مجريات تقدّم المعارك عسكرياً مساحة واسعة في التغطية، ولم يمنع ذلك متابعة تبادل الاتهامات والشتائم المذهبيّة بين "من يريد أكل لحم السنة" في الموصل ومن "يخاف المدّ الشيعي إليها وتهديده لمصير السنّة فيها"، في وقت كانت الدعوات ترتفع لحماية المدنيين في الموصل.

عسكرياً

في اليوم الأول لبدء معركة بهذا الحجم، يصعب حصر كل التطورات العسكرية دفعة واحدة، لا سيما وأنها تجري على عدة جبهات في وقت واحد.

أمريكياً، تمّ الإعلان عن بدء إطلاق صواريخ ذكية على مواقع التنظيم في المدينة. وأعلن قائد التحالف أن المعركة ستستغرق أسابيع وربما أكثر، لكنه أبدى ثقته بالقوات العراقية، وبفعالية التدريب الذي تلقته مشيراً إلى أنه قد تمّ تدريب حوالي 54 ألفاً من أفراد القوات العراقية.

تركياً، شدّد الرئيس رجب طيب أردوغان على ضرورة مشاركة القوات التركية في عملية الموصل، لا سيما في ظلّ ما حُكي عن الخوف التركي من نتائج المعركة على الأمن القومي للبلاد ومن السيطرة الشيعية على منطقة سنيّة الهوية. وقد أثارت مشاركة أنقرة في المعركة حساسيّة بغداد التي تطالب الأتراك بالانسحاب من بعشيقة، في ظلّ تأكيد الرئيس التركي على إصرار بلاده المشاركة حتى في المفاوضات التي ستعقب المعركة. وكانت التقارير الإخبارية ذكرت خبر تدريب تركيا لمقاتلين سنة كي يشاركوا في المعارك، بينما يتحدث المحللون على أن أنقرة تريد مشاركة قوات تركمانية وسنيّة في العملية وتخشى أن يكون قضاء تلعفر نقطة وصل بين منطقة الموصل والشرق السوري ذي الأغلبية السنية.

أما الحشد الشعبي، فقد أكّد على لسان الناطق الرسمي أحمد الأسدي، أن المعركة ستكون خاطفة وسريعة وتذهل الجميع، على الرغم من تعقيدها جراء تداخل الأبعاد الإنسانية والعسكرية والسياسية. وقال المتحدث الرسمي باسم الحشد الشعبي أحمد الأسدي، إن "الهيئة العليا للحشد الشعبي وفصائل المقاومة الإسلامية ملتزمة بالخطط العسكرية الصادرة من القائد العام للقوات المسلحة (رئيس الوزراء) حيدر العبادي في عمليات تحرير الموصل من العصابات الإرهابية". في المقابل، نقلت وسائل الإعلام عن مصادر رفيعة في الحشد أن التحضيرات اللوجستية هي لمعركة طويلة هدفها تحرير المدينة ومحيطها، إضافة إلى ما تبقى من محافظة صلاح الدين، وهي محور تقدّم الحشد، ومدينة حويجة، إلى جانب قطع بعض خطوط الإمداد عن محافظة نينوى من الجبهة السورية، وتحديداً من الشمال الغربي والجنوب الغربي وصحراء الأنبار. وعن إمكانية تنسيق قيادة الحشد مع قيادة التحالف الدولي، شدّدت المصادر على أن أماكن وجود قوات الحشد الشعبي خالية من قوات التحالف، وعليه فإن مشاركة التحالف في المعركة أمر لا يعني الحشد، وهي من شأن الحكومة التي طلبت كذلك مشاركة الجنرال الإيراني قاسم سليماني.

أقوال جاهزة

شارك غردالموصل في عين العاصفة العسكرية والإعلامية... والمذهبية

أما كردياً، تشارك البشمركة في المعارك وهي تعلن منذ الساعات الأولى تقدمها في قرى شرق مدينة الموصل، وتبادل القصف الصاروخي مع مقاتلي داعش. وتُعدّ قوات البيشمركة أكبر القوات الكردية، وكانت قد تلقت دعماً أميركياً في مواجهة داعش منذ العام الماضي وحتى اليوم ،كما تنسق مع تركيا والعراق في المعارك لتحرير الموصل. وكان البشمركة قد تخوفوا من مشاركة الحشد الشعبي وما سيجرّه من تعاظم للدور الإيراني.

في الصراع المذهبي

على وقع المعارك الدائرة في الموصل، استعرت حرب مذهبيّة على مواقع التواصل الاجتماعية. احتل هاشتاغ #الموصل على تويتر قائمة الأكثر تداولاً في الدول العربية، وفيه كان مغردون يتهمون الحشد الشعبي بإبادة "إخوانهم السنة"، إذ يجري "قصفهم عشوائياً" على يد "الميليشيات الشيعية"، وتحدثوا عن إجرام أمريكي - إيراني ضدّ أهل السنة. كما أشار بعضهم إلى أن الحرب ظاهرها دحر داعش، بينما خرجت الأخيرة بسلام، أما باطنها فضرب السنة.

في المقابل، احتفى كثر بالمعركة التي سيأكل فيها العراقيون لحم "السنة الإرهابيين"، ويعود فيها الحكم لمن يستحقه، كما نشروا صوراً للمعارك ولـ"المتطرفين المقتولين" فيها. ولم يخل احتفاء هؤلاء بالمعركة، من التصويب على أطراف أخرى مشاركة فيها كالحساسية بين الحشد وتركيا، وبين الحشد والبشمركة، وبين تركيا والجيش العراقي… بالإضافة إلى انتقاد الاستعانة بالغرب.

وعلى الخط الثالث، اجتمع المحتفون بتحرير الموصل وعودتها إلى العراق، لا سيما من عانوا من انتهاكات داعش كناديا مراد، الفتاة الأيزيدية الناجية التي تعرضت للاغتصاب على يد عناصر من داعش.

في الجانب الإنساني

أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد المحاصرين داخل الموصل يُقدّر بنحو مليون و200 ألف شخص، بعد نزوح أكثر من 100 ألف عراقي من المدينة خلال فترة الاستعداد للمعركة. وتتوقع المفوضيّة أن تتسبب معركة استعادة الموصل من داعش بنزوح مليون شخص، من بينهم 100 ألف قد يتجهون نحو أربيل والسليمانية و250 ألفاً نحو شمالي نينوى و350 ألفاً نحو جنوبي نينوى وصلاح الدين.

في المقابل، قالت الحكومة العراقية إنها اتخذت كافة الاحتياطات لإغاثة النازحين من هناك وهيأت لهم ممرات آمنة. بدوره، أعلن ستيفن أوبراين، نائب الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ، أنه يشعر بـ"قلق بالغ" بشأن سلامة نحو 1.5 مليون شخص يعيشون في الموصل. وشدّد المسؤول الدولي على أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر عرضة للخطر إذ أن "عشرات الآلاف من الفتيات والفتيان والنساء والرجال العراقيين قد يكونون تحت الحصار أو قد يستخدمون دروعاً بشرية، وقد يتم طرد الآلاف قصراً أو قد يجدون أنفسهم عالقين بين خطوط القتال".

ولم تنحصر المخاوف حول الوضع الإنساني بفترة المعارك فحسب، بل أيضاً بالواقع الذي سيكون بعد انتهاء هذه المعارك. وطرح المتابعون السؤال بشأن وسائل حماية المدينة من السقوط بيد داعش مجدداً في المستقبل. وفي الجهة الأخرى، هناك مخاوف من الجهة التي ستسيطر في الموصل (وتحديداً الحشد الشعبي والدعم الإيراني وراءه)، وهل سيجرّ ذلك انتقاماً من الطرف السني الغالب في المدينة.

الموصل.. من الآشوريين إلى "القاعدة"

تُعرف مدينة الموصل، وهي مركز محافظة نينوى في شمال العراق، أنها حاضنة لجميع مكونات الشعب العراقي، من عرب وكرد وتركمان، مسلمين ومسيحيين وأيزيديين وشبك. وهي تُعدّ ثاني أكبر مدن العراق بحسب وزارة التخطيط التي تعدّ السكان بـثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة أغلبهم من السنّة. جرى اعتبار السيطرة عليها من قبل داعش سقطة عسكرية كبرى، لما تمثله من حلقة ربط بين تركيا وسوريا. وللموصل تاريخ حافل، فعمرها يعود إلى 5000 عام قبل الميلاد، وكانت عاصمة للآشوريين بين قرني 11 و611 قبل الميلاد، ثم سقطت بعدهم بيد الكلدانيين. ونتيجة اعتناق الآشوريين المسيحية، باتت الموصل تعرف ببلاد الرهبان والمدارس اللاهوتية. حملت اسم "الموصل" بعدما فتحها العرب ولقبوها كذلك لأنها تصل بين الشام وخورستان الكردية. ثم حملت لاحقاً اسم "الحدباء" بسبب التحدب في مسار نهر دجلة فيها، كما حملت أيضاً اسم "أم الربيعين" بسبب ربيعها الدائم في فصل الخريف.

في عهد صدام حسين، كانت تُعرف بمدينة الضباط في الجيش العراقي، لكثرة أعداد من انتسبوا منها إلى الجيش، ومع الغزو الأمريكي قام الآلاف منهم بمقاتلة القوات الأمريكية قبل أن يتمكن تنظيم "القاعدة" من جذبهم. اعتُبرت الموصل أخطر المحافظات على القوات الأمريكية، لكن الإهمال الذي عانته بعد ذلك من قبل الحكومة عمّق فيها الصراع الطائفي وجعلها هشّة أمام سيطرة داعش.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي