هل تتفق الديمقراطية مع الشورى في الإسلام؟

هل تتفق الديمقراطية مع الشورى في الإسلام؟

ما الفرق بين الشورى والديمقراطية في الإسلام؟ سؤال ليس من السهل الإجابة عليه. ولكن تتبع عشرات المشايخ من كبار العلماء ومختلف التيارات السياسية والفكرية، ومن يملكون ناصية الكلام بحكم التخصص، يوحي بأن "الشورى" مصطلح لا يفسر إلا نفسه.

فالشورى لا تعني انتخابات أو تداولاً سلمياً للسلطة، لأن الإسلام بتعاليمه التي يفسرونها لنا، لا يعترف بالنيابة أصلاً، ولا يعنى بالحزبية بمفاهيمها المتعارف عليها، لأن الإسلام ضد التحزب، ولا يعني تصويت الشعب على القرار بطريقة ديمقراطية حديثة. لأن الفرد المسلم أمين على تنفيذ ما اتفق عليه أهل الحل والعقد. فضلاً عن أن الأدبيات السياسية الحديثة لم تكن موجودة سلفاً، ما يجعل التعريف عاجزاً عن تحديد مقصده.

في كل التفسيرات التي تربط الشورى بالديمقراطية، لن نجد إلا تأويلات هشة تلتف حول بعضها، لتضع الديمقراطية في خانة الشذوذ.

رأي محمد عمارة

الشورى تعني مشاركة الأمة في صناعة القرار بكل مستوياته، هذا هو معنى الشورى برأي الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المصري. لكنه في توصيف معنى الشورى في الإسلام، يضع مبكراً ضوابط على مشاركة الأمة في ما أسماه "صناعة الحلال والحرام"، وفي حدود ما جاء به الدين. أي لا بد أن تكون الشورى محكومة بثوابت إسلامية، التي هي وضع إلهي ثابت.

ويحدد عمارة محاور الشورى في ثلاثة مواضع: إدارة الأسرة، والثاني أنها صفة من صفات الأمة، والثالث في إدارة الدولة، كما قال ابن عطية، ونقل عنه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن، الذي قال إن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشر "أهل العلم والدين"، فعزله واجب.

ويؤكد عمارة أن أهل العلم والدين، ليس المعني بهم رجال الدين فقط، إنما النخب والعلماء، ولكن بضوابط وبما لا يخالف الشريعة.

يتوه عمارة في مصطلح فضفاض، ليس ملماً بكيفية تطبيقه، ومن سيحدد تحريم أو إجازة مشاركة علماء معارضين للتوجه الديني في إدارة الحكم. ولا ندرك في النهاية ماذا تعني الأمة في نظره، وما هو تحديداً الذي ينبغي أن يؤخذ رأيهم فيه. ومتى يكون محرماً عليهم الكلام في أمر ما، خصوصاً أن فتوى الشيخ أو رجل الدين تستطيع أن تلوي عنق كل الأشياء.

أقوال جاهزة

شارك غرد تَدخل المشايخ وإفتاءهم في النظريات السياسية بما لا يفقهون، هما وراء نكبة هذه الأمة

شارك غردما الفرق بين الشورى الإسلامية والديمقراطية... أجوبة مجموعة من رجال الدين

فالحلال والحرام حسب التركيبة الإسلامية، يتدخلان حتى في طريقة دخولك "دورات المياه". أي أن عالم الدين يستطيع أن يفتي بحرمانية قضائك حاجتك بالطريقة التي لا يراها صحيحة إن أراد، سواء كان هو، أو الحاكم الذي اصطفاه وأجلسه بجواره.

رأي عبد العزيز الطريفي

فضل الشيخ عبد العزيز الطريفي، العالم السعودي الشهير، البدء بتعريف الديمقراطية على هوى "المتدينين"، أي أنها إباحة للشذوذ والزنا وحتى الانتحار. ثم ليثبت مدنيته، اعتبر أن الشورى حُددت بمصالح الناس في أمور الحياة.

وتحدث الطريفي بعمومية، فلا نظريات سياسية ولا مقاربة من واقع ناجح في الدول المتقدمة. فقط اختار أن يختتم حديثه بضرورة ألا تتعارض الشورى مع الشريعة، ما يعني أنها تحتاج إلى حراس من المشايخ.

رأي وجدي غنيم

عدة دقائق فقط مع الداعية الإسلامي وجدي غنيم، كافية لنلاحظ مجموعة متناقضات في منتهى الغرابة والطرافة عن الشورى. فهي في رأيه، تزكي الحاكم الظالم طالما يحكم بالشريعة. ولا داعي للتساؤل حول كيف تستقيم العلاقة بين الظلم والشريعة، لأن غنيم سيفاجئنا برأي آخر عن ضرورة عدم الخروج عن الحاكم مهما كان ظالماً. لماذا؟ لأنه يحكمنا بالشريعة، حتى وإن كان "خمورجي وحشاش" بحسب وصف غنيم، الذي يعتبر هذه السلوكيات أخطاءً شخصية ليس لنا علاقة بها.

ويؤكد أنه بموجب الشورى وليس الديمقراطية، نراجع الحكام عن طريق أهل الحل والعقد، معتبراً أن أجمل ما في الشورى أنها ليس بها معارضة من الأساس.

رأي راغب السرجاني

ولم يذهب الدكتور راغب السرجاني الداعية الإسلامي والمشرف على موقع قصة الإسلام بعيداً. فقدم قضايا الإباحية والزنا والخمر، وجعلها أصلاً للخلاف بين المجتمعات الشرقية والغربية. والغريب أنه وهو يشرح معنى كلمة الديمقراطية من أصلها اليوناني، وكيف نشأت، حرص على اقتران معنى حكم الشعب بالشعب بشيوع الوثنية، أي تعدد الآلهة، وهو السبب الذي دفع هذه الأمم لسن تشريعات من صنع البشر، لعدم وجود تشريع إلهي يغنيهم عن ذلك، وهو الأمر المتوفر عندنا بالطبع.

الشورى بين النظرية والواقع

أما الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، فحاول أن يجد حلاً وسطاً. وقال لرصيف22 إن الشورى لا تنفع في الوقت الحالي، ليس لأنها غامضة في العقول، وليس لأنها أفضل من نظم الحكم الحديثة، ولكن لأن المجتمع برأيه غير متفهم لثقافة التشاور والآراء المتعددة. وضرب مثلاً بإحالته للتحقيق من قبل الأزهر لإفتائه في بعض الأمور التي لا تناسب الهوى الفقهي والديني لعلماء الأزهر.

وحتى في محاولته إيجاد حل وسط للخروج من المعضلة، وبما أنه يرى أن الديمقراطية هي الأخرى ستجلب الزنا والرذيلة بجميع صورها، اعتبر أن الحل يكمن في العودة "للشريعة الإسلامية".

في اتجاه مغاير، يرى السفير الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، والمرشح الرئاسي الأسبق لرئاسة مصر، أن تدخل المشايخ وإفتاءهم في النظريات السياسية بما لا يفقهون، هما وراء نكبة هذه الأمة.

وروى الأشعل لرصيف22 واقعة حدثت معه شخصياً، حين اجتمعت معه الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح عام 2012، وهي الجبهة التي تتكون من كبار المشايخ، وعلى رأسهم محمد حسان والدكتور طلعت عفيفي الذي تولى وزارة الأوقاف المصرية في ما بعد، وياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية بمصر، لتزكية مرشح لقواعدهم العريضة التي تنظر إليهم بعين السمع والطاعة في انتخابات الرئاسة المصرية، وسألوه سؤالاً واحداً، هل ستطبق الشريعة؟

لم يسأله أحد في مناهج الحكم، ولا عن مؤهلاته، ولا عن برنامجه للمرأة والفقراء والعشوائيات، وكيفية الالتزام بمواد الدستور. فقط سألوه عن تطبيق الشريعة، فكان رده "نعم، ولكن ماذا تفهمون أنتم عن الشريعة، أنا أراها رد الحقوق للجميع، وإدارة البلاد بطريقة حديثة وتفعيل المؤسسية، والانفتاح على العالم، وفتح المجال العام لجميع أبناء الشعب". فرفضوه في الحال وأعلموه بذلك.

تلاعب في المعاني

ربما يبدو الإجماع الوحيد على هذه القضية الشائكة، أن هناك تلاعباً في المعاني، وعدم قدرة للمشايخ وعلماء الدين على استعراض كيفية تطبيق أفكارهم، بما يصون ضمانات الحقوق الأساسية والحريات العامة والفردية، والمساواة في الحقوق والواجبات من دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو الدين.

ولن نجد من يتحوط من مخاطر خلط العمل العام بالسياسة بالدين، وهي القضية التي تثير الفزع في المجتمعات الحديثة، بل هي محور الصراع الممتد بين رجال الدين وبين المفكرين والمثقفين في بلاد المسلمين.

يبدو أن رجال الدين مصرّون على شرعنة كافة رغبات الحاكم، وإرهاب المعارضة. يقدّم الإسلاميون فهماً لزجاً للشورى. وللتأكد من ذلك، يكفي أن ننظر إلىما يحدث في البلدان العربية التي سيطر عليها التطرف بعد ثورات الربيع العربي، والتي تتقاسم فيها الحركات الإسلامية السيطرة على كل شيء، وكل منهم يرتكب جرائم يباركها أهل الحل والعقد.

التعليقات

المقال التالي