عندما قرّرت الأونيسكو أن "تدعم الإرهاب"، وتعيد القدس إلى أهلها

عندما قرّرت الأونيسكو أن "تدعم الإرهاب"، وتعيد القدس إلى أهلها

لم يمرّ قرار الأونيسكو الأخير على خير. لقد تبنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة قراراً بشأن المسجد الأقصى، معتمدةً فيه تعريف "المسجد الأقصى" حصراً، لا الاسم الإسرائيلي "جبل الهيكل". بالتالي، نفت الأونيسكو أي رابط ديني أو تاريخي أو ثقافي لليهودية بالمكان، منتقدةً فرض إسرائيل قيوداً على دخول المسلمين إلى المسجد الأقصى واعتداءات الشرطة والجيش عليهم.

وجاء في نص القرار بشأن المسجد الأقصى: نطالب إسرائيل، القوة المحتلة، بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائماً حتى شهر سبتمبر من عام 2000، إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، السلطة الوحيدة المُشرفة على شؤون المسجد.

"القدس كالسور العظيم والأهرامات"

وهكذا أصبحت المنظمة "هيئة غير شرعية" بالنسبة لإسرائيل، فسارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وصف القرار بـ"العبثي والمضلّل" الذي "يرقى إلى درجة نكران التاريخ اليهودي"، واعتبر رفض علاقة إسرائيل بجبل الهيكل والحائط الغربي كإنكار علاقة الصين بالسور العظيم والمصريين بالأهرامات. ولم ينتظر وزير التربية والتعليم لديه نفتالي بينيت وقتاً طويلاً حتى أعلن تعليق إسرائيل نشاطاتها المشتركة مع الأونيسكو. وندّد في رسالة بعث بها إلى الدول الأعضاء في المنظمة بـ"من يمنح جائزة لمؤيدي الجهاد في القدس في الأسبوع الذي قُتل فيه يهوديان في المدينة". ولم يذكر بينيت بطبيعة الحال أنه في يوم التصويت اقتحمت مجموعة من المستوطنين حرمة المسجد واستباحت باحاته في ظلّ استمرار سياسات التوسع الاستيطاني وتنفيذ الحفريات وتضييق حرية العبادة.

القرار الذي حمل اسم فلسطين، حاز موافقة 24 بلداً ومعارضة ستة وامتناع 26 وغياب دولتين. وكانت إسرائيل قد كثفت جهودها قبل التصويت لمنع الخروج بمثل هذا القرار. ونقلت "هآرتس" عن مصدر إسرائيلي قوله إن الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية أدت إلى امتناع فرنسا والسويد وسلوفينيا والأرجنتين وتوغو عن التصويت، التي كان قد صوت بعضها بالموافقة على القرار في وقت سابق من هذا العام.

بدورها كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أنه "في الوقت الذي يُتوقّع فيه أن تصوّت اليونسكو على اقتراح فلسطيني بقطع العلاقة اليهودية بالقدس وجبل الهيكل، وفي الوقت الذي بذلت فيه إسرائيل جهداً كبيراً على مدى الأسابيع الماضية إزاء الدول الأعضاء لتعطيل الأغلبية الفلسطينية، توجّهت إسرائيل وللمرة الأولى إلى الفاتيكان، على الرّغم من أنه ليس لسفيرها في اليونسكو الحق بالتصويت، لكنّه يشارك في التحركات الجارية خلف الكواليس". وبحسب الموقع، تحاول  إسرائيل ربط الفاتيكان في العمليّة على اعتبار أن الفلسطينيين يعملون على فصل ليس فقط الشعب اليهودي عن "جبل الهيكل" والقدس، إنما قطع العلاقة المسيحية أيضاً بها.

أقوال جاهزة

شارك غردإسرائيل تحترق بغيظها... الأونيسكو تصدر قراراً منصفاً للفلسطينيين، معتمدةً التسمية الإسلامية للمسجد الأقصى

وكعادته، كان دونالد ترامب "صاحب واجب"، إذ علّق قائلاً إنه، تحت إدارته، "ستعترف الولايات المتحدة بالقدس كعاصمة إسرائيل الحقيقية والواحدة" و"سيكون لإسرائيل صديق حقيقي ومخلص في الولايات المتحدة".

احتفال فلسطيني، وتراجع أردني

احتفل الفلسطينيون بالقرار باعتباره "رسالة مهمة إلى إسرائيل مفادها أنه ينبغي لها إنهاء احتلالها والاعتراف بالدولة الفلسطينية وبالقدس عاصمة لها بما تضمه من مواقع إسلامية ومسيحية مقدسة"، بحسب المتحدث باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة. وقد استغل الظرف لتذكير الولايات المتحدة بضرورة "مراجعة سياساتها الخاطئة المتمثلة بتشجيع إسرائيل على الاستمرار باحتلالها للأراضي الفلسطينية".

وتنبثق أهمية الاحتفال بهذا القرار من أهمية المنظمة الدولية نفسها، إذ إن اختصاصها في تحديد هوية الأماكن الدينية والتاريخية في العالم وبالتالي الحفاظ عليها يعطيان لقرارها الحاسم بفلسطينية القدس زخماً جديداً، لا سيما أنها سبق أن أصدرت منذ احتلال القدس أكثر من 82 قراراً، من بينها الخلاف حول قبة راحيل ومسجد بلال بن رباح، وصولاً إلى أحقية الفلسطينيين بالمسجد الأقصى، وأحقية الأوقاف الإسلامية الأردنية في إدارة جميع شؤون الـمسجد، بما فيها الإعمار واستقبال الـمصلين والزوار.

يُذكر أن تصويت الأونسكو قد تزامن مع إعلان المملكة الأردنية التراجع عن قرار وضع كاميرات مراقبة في المسجد الأقصى والساحات تحت ضغط المطالب الفلسطينية. ففي وقت سابق أعلنت الحكومة الأردنية أن الهدف من تثبيت الكاميرات كان توثيق الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون وجنود الاحتلال، ليتبيّن لاحقاً تخطيط إسرائيل استغلال تلك الكاميرات للتعرّف على الفلسطينيين المدافعين عن الأقصى وتسهيل عملية اعتقالهم.

فلسطينيون في منزل رؤوفين ريفلين؟

لا يبدو أن طرفي النزاع سيتأثران كثيراً بقرار الأونيسكو، فالأول الفلسطيني لا يساوم على أحقيته بالقدس ولو اجتمع العالم كله ضدّ ذلك، بينما الإسرائيلي الممعن في تهويدها لم يتردد في وصف المنظمة بدمية تتحرك على خلفيات سياسية منكراً شرعيتها ومطالباً إياها بزيارة روما للتأكد من التاريخ اليهودي الذي سرقه الرومان من المنطقة. مع ذلك، يبقى تصويت المنظمة الدولية مهماً في حسم تاريخ المقدسات العربية والإسلامية.

صحيح أيضاً أن المجتمع الدولي القائم على حساب المصالح السياسية والاقتصادية لن يغيّر سياساته بين ليلة وضحاها، لكن اعتراف هيئة أممية (غير محسوبة على جهة سياسية أو دينية) ممكن البناء عليه أمام الرأي العالمي، في سياق الحرب المستمرة التي توظف فيها إسرائيل كل طاقاتها الدعائية لإقناع العالم بمظلوميتها وحقها التاريخي ونيتها بناء السلام.

في إطار هذه الدعاية بشأن مساعي "بناء السلام" الإسرائيلية، كان قد انتشر تزامناً مع قرار الأونيسكو خبر عن صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية عن اجتماع إسرائيلي - فلسطيني في منزل الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين حضره حاخامات إسرائيليون إضافة إلى رئيس المحكمة الشرعية التابعة للسلطة الفلسطينية محمود حبش، من أجل "إيجاد حل للتطرف الديني وتعزيز ثقافة السلام والعيش المشترك". تأخذ الصحيفة، كما الإسرائيليون، على من حضر الاجتماع من الفلسطينيين طلبهم أن يبقى عدم تصويره لإبقائه في خانة السرية وعدم ذكر أسمائهم، باعتبار "هذا الخجل" الفلسطيني جانباً من جوانب القصور في حلّ الصراع. ومع ذلك، والكلام للصحيفة، وصف الرئيس الإسرائيلي الاجتماع بـ"المهم" من "أجل تعزيز ثقافة السلام وحقوق الإنسان واحترام الأماكن المقدسة للطرفين". وحده حبش، رئيس المحكمة الشرعية الذي كان في صفوف "حماس" وغادر في التسعينيات، سمح بنشر خبر حضوره من دون أن يعلّق على نتائج الاجتماع.

في خضم كل تلك التجاذبات، يمكن القول إن قرار الأونيسكو يبقى الأكثر حضوراً بوصفه إسرائيل "قوة احتلال"، مؤكداً فشل الأخيرة في تأكيد ما يخالف هذا القرار بالعلم والوثائق، ما جعلها تلجأ إلى الاتهام السحري لمنظمة ثقافية تابعة للأمم المتحدة، التي تحترمها إسرائيل للمناسبة، بأنها "تدعم الإرهاب".

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي