كيف تطور نظام الخلافة عبر التاريخ؟

كيف تطور نظام الخلافة عبر التاريخ؟

حين توفي الرسول محمد سنة 632م، واستحدث أصحابه نظام "الخلافة" لإدارة الدولة الإسلامية، لم يكونوا قد أتوا بفكرة جديدة على العقل المسلم آنذاك.

فالقصص القرآنية عن كبار الأنبياء حملت فكرة "الخلف" بين أتباع النبي بعد وفاته، كخلافة يوشع بن نون للنبي موسى في الشعب اليهودي، وخلافة أتباع النبي عيسى له في نقل رسالته، وغيرها.

وتحمل بعض أدبيات التراث الإسلامي، عند السنة والشيعة، قصصاً عن نبوءات للرسول محمد حول خلافته، ومدتها قبل تحولها لملكية بحتة. بل تتطرق بعض تلك النبوءات لتحديد شخصية خليفته الأول، أبي بكر بن أبي قحافة المعروف "بالصديق" عند السُنة، وعلي بن أبي طالب ابن عم محمد عند الشيعة. وتمعن بعضها في التحديد، فتتناول بالذكر خبر تولي بني أمية ثم بني العباس للحكم.

على أي حال، ذلك النظام الحاكم كان فريداً بين الأنظمة المعروفة آنذاك، وتلك التي تلت نشأته.

تعريف الخلافة وفق نشأتها الأولى

هي القيام بمهام الرسول محمد نفسها، من إدارة شؤون الدولة الإسلامية من الناحيتين المدنية والدينية. لذا كان الخليفة الأول يلقب "بخليفة رسول الله"، ثم حين أتى خلفه عمر بن الخطاب، قيل له "يا خليفة خليفة رسول الله" قال "هذا أمر يطول"، فاستحدث المسلمون لقب "أمير المؤمنين"، وهو لقب يحمل صفة جهادية، فكان لفظ الأمير آنذاك يطلق على قائد الجيش، ليصبح لقباً للخلفاء بعد ذلك.

يذكر أن اختلافاً في الرأي دار بين علماء الدين الإسلامي ومتخصصي السياسة الإسلامية، حول إذا كان الخليفة هو خليفة الرسول أو خليفة الله. وانتصرت غالبية هؤلاء للرأي القائل إن الخلافة هي للرسول وليست لله من منطلق أن الخلافة تكون للغائب أو المتوفى، بينما الإله لا يغيب ولا يموت.

الناحية المدنية من المنصب هي الناحية المدنية للحاكم نفسها في أي نظام آخر من رئاسة الجهاز الإداري للدولة، القيادة العامة للجيش، وضع السياسات العامة، متابعة المرافق والمؤسسات، ومخاطبة الدول الأخرى. ولكن تحت رقابة ممثلة في "أهل الشورى"، وهم بمثابة المجالس الاستشارية للخليفة من الشخصيات العامة، ومن "ذوي الرأي والحكمة والخبرة"، ورؤساء العشائر والقبائل والعائلات، وقادة الجند، فضلاً عن ممثلي طوائف عامة الشعب. وهو ما تمثل في ما يشبه "العقد" بين الحاكم والرعية، الذي وضعه الخليفة الأول أبو بكر بن أبي قحافة، في خطبة توليه المنصب، حين قال "إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني".

الناحية الدينية من الخلافة هي متابعة تنفيذ تعاليم الدين الإسلامي، سواء في ما يتعلق بنظام إدارة الدولة، أو في ما يخص السلوك العام للرعية، من اجتناب للنواهي والمحرمات الدينية وقيام بالواجبات والالتزامات ومراعاة الضوابط.

هذا الإطار لمنصب الخلافة يخرج بها عن نظام الحكم "الثيوقراطي/الديني"، ونوعية "الحكم المعصوم بالحق الإلهي"، ما دام الخليفة مراقَباً من محيطه، ومحدوداً بصلاحيات معروفة مسبقاً، وهذا وفقاً للمذهب الإسلامي السُنّي. عكس المذهب الشيعي الإمامي، الذي يضفي على الخليفة عصمة من الخطأ، فينظر له أتباع هذا المذهب باعتباره وارثاً للمنصب من نسل علي بن أبي طالب، الذي ورثه بدوره، وفقاً للمذهب المذكور، من الرسول محمد. وبالتالي فإن وارثه يرث معه "عصمة الرسول من الخطأ".

شروط الخلافة

لتولي المنصب شروط كثيرة، مثل الكفاءة، الالتزام الأخلاقي والسلوكي، السلامة من العيوب والأمراض الجسدية المانعة من القيام بالمهام، سلامة القوى العقلية. ولكن أبرز الشروط الواجب توافرها في الخليفة أربعة هي:

البيعة

هي المبايعة الحرة التي لا يشوبها إجبار أو تدليس أو غش لإرادة المبايعين، واختلف العلماء في ما إذا كان يجب على البيعة أن تكون عامة شاملة لكل أفراد الرعية، أو  يكفي أن تأتي من جانب "أهل الحل والعقد"، وهم كبار رجال الدولة المقربين من دوائر الحكم.

العمل بالشورى

تنفيذاً للأمر الوارد في القرآن: "وشاورهم في الأمر"، يجب على الخليفة ألا يتخذ قرارات كبيرة كالحرب والقوانين الهامة، واستحداث أي جديد بنظام الدولة دون العمل بالاستشارة. وفي هذا الصدد، اختلف العلماء حول إذا كانت الشورى عامة، أو  يكفي اقتصارها على "أهل الحل والعقد" السالفي الذكر. كما تناولوا مسألة "هل الخليفة ملزم برأي الغالبية في الشورى أو أن له الانحياز لرأي منها يرجحه هو".

الحكم بالعدل

هو من أهم الشروط، يعتبر معياراً للتفرقة بين الملك المستبد الذي يحكم وفق هواه الشخصي ومصلحته أو المصالح الخاصة للطبقة الحاكمة، والخليفة الذي يلتزم تحري العدل والمصلحة العامة في كل قراراته وأعماله.

قرشية النسب

أي الانتماء لقبيلة قريش. وهذا وفقاً لما قاله كل من أبي بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجراح لفئة "الأنصار" في المدينة عندما طالب بعضهم بالخلافة لسعد بن عبادة سيد قبيلة الخزرج. كذلك عندما اقترح البعض الآخر "منا أمير ومنكم أمير"، فرد الثلاثة المذكورون بأنهم قد سمعوا الرسول محمد يقول "الأئمة من قريش" و"قدموا قريشاً ولا تَقَدَموها".

هذا الشرط بالذات هو الأكثر إثارة للجدل، إذ فسره صحابة الرسول محمد بضرورة أن يتولى الخلافة قرشي لما لهذه القبيلة من سطوة تلزم قبائل العرب الطاعة والانصياع، أو كما قالوا: "لن تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". بالتالي اعتبره البعض شرطاً وقتياً مرتبطاً بالظرف التاريخي المعاصر لوفاة الرسول محمد، بينما قال البعض الآخر بأنه شرط أبدي. وأسقطه بعض الفقهاء عندما ضعف الخلفاء القرشيون بحكم ضعف عصبية تلك القبيلة في العصر العباسي، حين قامت عصبيات وتكتلات سياسية وعرقية أقوى، فارسية وتركية. بينما تشدد في شأنه الشيعة الإمامية الذين اشترطوا في من يتولى المنصب ليس أن يكون قرشياً فحسب، بل أن يكون من نسل علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة بنت النبي محمد.

أقوال جاهزة

شارك غردنظام الخلافة، منذ انطلاقته بعد وفاة الرسول، إلى الحديث عن "خليفة آخر الزمان" في الأدبيات الإسلامية...

شارك غردالنوستالجيا الدينية عند قطاع كبير من المسلمين تتضمن حنيناً لعودة "أمجاد" الخلافة القديمة

ثمة شرط "عرفي" قديم للخلافة أيضاً، هو أن تقع المناطق الحجازية المقدسة، مكة والمدينة، في نطاق دولة الخلافة. لذا كانت الخلافتان العباسية والفاطمية تتنافسان على السلطة على تلك المنطقة. لكن الأمويين في الأندلس كسروا هذا الشرط، فقام أميرهم الثامن عبد الرحمن الثالث، المعروف بعبد الرحمن الناصر، بإعلان نفسه خليفة على بلاده.

تداوُل السلطة والانتقال من الخلافة للملكية

في العقود الأولى من نظام الخلافة تنوعت وسائل انتقال السلطة، فبينما بويع أبو بكر بن أبي قحافة من قِبَل أهل العاصمة "المدينة"، اختار هو قبل موته عمر بن الخطاب خليفةً له، وقام هذا الأخير عند احتضاره بعد تعرضه لحادث اغتيال بإنشاء مجلس من المرشحين للحكم من ستة هم عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، الزبير بن العوام، طلحة بن عبيد الله، عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وجعل ابنه عبد الله بن عمر سابعاً بشرط أن يقتصر دوره على المشاركة في النقاش من دون الترشح للحكم، واختير عثمان بن عفان ليكون الخليفة الثالث. وعند مقتله تولى علي بن أبي طالب المنصب بمبايعة أهل المدينة وأهالي العراق ومصر، في ظل انقسام سياسي حاد بينه وبين منافسه معاوية بن أبي سفيان. ثم عند احتضار علي إثر إصابته في حادث اغتياله، سأله أصحابه حول تولي ابنه الحسن بن علي الخلافة، فقال: "لا آمركم ولا أنهاكم" ليبايعوه بعد موته. ثم ينهي الحسن الانقسام السياسي بتسليمه الخلافة لمعاوية لتنتقل الخلافة للطور الملكي الوراثي، أو ما وصفه بعض أصحاب الرسول محمد بهرقلية وكسروية، نسبة لنظامي الحكم البيزنطي والفارسي. فقام معاوية بتوريث الحكم لابنه يزيد، ومن هنا أصبحت الخلافة طوال عصري الدولتين الأموية والعباسية حكماً جبرياً، يختار الخليفة في حياته من يليه في الحكم من أهله، سواء كان ابنه أو أخاه أو ربما ابن أخيه أو بعض أقربائه، كحالة سليمان بن عبد الملك الأموي الذي أوصى بالخلافة لابن عمه عمر بن عبد العزيز.

لكن، لم تخل نماذج تداول منصب الخلافة من بعض الضوابط "العائلية"، سواء المرتبطة بمعتقد غيبي، كما فعل الأمويون في دولتهم الأولى بالمشرق، وعاصمتها دمشق، من رفض تولية العهد لمن كانت أمه غير حرة، لاعتقادهم في نبوءة تقول إن ذهاب ملكهم سيكون على يد ابن جارية. وقد حدث ذلك، فكان آخر خلفائهم مروان بن محمد ابن أمة، بينما تحرروا من تلك القاعدة في ولاية العهد بدولتهم الأندلسية، أو وفقاً للمذهب الديني عند الفاطميين الذين قصروا ولاية العهد على أكبر الأبناء الذكور، أو العثمانيين الذين أقروا القاعدة نفسها لأسباب سياسية، ولكن مع استثناء حالة أن يكون السلطان/الخليفة قد توفي دون أن يترك ورثة ذكوراً له.

يذكر أن كل دولة استولت على هذا اللقب كانت تبشر أتباعها بأن اللقب باقٍ فيها، أو كما قال أول خلفاء العباسيين أبو العباس السفاح "ونحن الذين نلي هذا الأمر حتى نرده لعيسى بن مريم"، في إشارة لنبوءات أحداث آخر الزمان، من هبوط النبي عيسى من السماء ليقيم دولة العدل.

اضمحلال أمر الخلافة

في عهد الخليفة العباسي المعتصم بالله، قام بتغيير بنية الجيش، فاعتمد على الجنود الأتراك ليكونوا قوام جيشه وقياداته، وأنشأ لهم عاصمة عسكرية هي مدينة "سُر من رأى" (اضمحلت بعد ذلك وسخر منها الناس فسموها "ساء من رأى" ثم حرفت إلى سامراء)، من هنا، أصبحت السيطرة في الدولة للجنود الأتراك، الذين تسلطوا على الخلفاء التاليين وسيطروا عليهم. ولم يعد للخليفة سوى اللقب الشرفي، ومنحهم الألقاب الملكية مثل "أمير الأمراء" و"الملك" و"السلطان"، و"قسيم أمير المؤمنين"، ويعلنون عند بيعتهم أنهم فوضوا المتسلط عليهم إدارة الدولة، أو كما يقال "فوضته ما وراء بابي".

ونشأت ظاهرة قيام دولة داخل الدولة من خلال إنشاء بعض هؤلاء ملكيات وراثية، داخل دولة الخلافة كالسلاجقة وبني بويه والطولونيين والأخشيديين وغيرهم. بل تطاول بعضهم على بعض الخلفاء، فكانوا أحياناً يقتلون الخليفة، إن حاول التمرد عليهم، كالمتوكل والمنتصر، أو يفقأون عينيه كالقاهر، أو يغزون عاصمته بغداد، لو كانوا يحكمون من بلاد مجاورة، كما كان يفعل السلاجقة الأتراك أحياناً. وحين انتقلت الخلافة العباسية للقاهرة في العصر المملوكي، تحديداً عهد الظاهر بيبرس البندقداري، بقي الخليفة مجرد صاحب منصب شرفي يضفي الشرعية المعنوية على منصب السلطان، ويكتب له العهد، ويصاحبه في المواكب والاستقبالات الرسمية فحسب.

وفي الدولة الفاطمية لم يختلف الأمر كثيراً في نصفها الثاني، ففي عهد الخليفة المستنصر الفاطمي، استقدم الأخير القائد العسكري أرمني الأصل بدر الجمالي من الشام، وجمع له السلطتين المدنية "وزير القلم" والعسكرية "وزير السيف"، ليصبح لقبه "صاحب الوزارتين"، وليبدأ عهد من تسلط الوزراء على الخلفاء إلى حد التدخل في توليتهم حتى سقطت الدولة على يد الأيوبيين التابعين للخلافة العباسية.

أما العثمانيون، فبعد أن أسقط السلطان سليم الأول الدولة المملوكية، حمل معه الخليفة العباسي إلى إسطنبول، وهنا تختلف الروايات التاريخية. تقول بعضها إنه أجبر الخليفة على التنازل له عن الخلافة في عقد رسمي، أو أن هذا العقد لا وجود له من الأساس، ولكن المتفق عليه أن الخلافة العباسية سقطت تماماً، وورث السلاطين العثمانيون اللقب، وإن لم يستخدموه كثيراً إلا في حالات معينة مرتبطة بالاحتياج لمخاطبة الشعور الديني والولاء الروحي. ثم تعرضت الخلافة العثمانية بدورها للتسلط أحياناً، إما من قادة الجند أو من أصحاب منصب "الصدر الأعظم/رئيس الوزراء". ثم أُعلن إنهاؤها سنة 1924، من قِبَل الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك.

الخلافة اليوم؟

في 29 يونيو 2014 أعلن تنظيم "داعش" الإرهابي في العراق وسوريا قيام "الدولة الإسلامية"، وتنصيب إبراهيم عواد إبراهيم البدري المعروف باسم "أبو بكر البغدادي" منصب الخلافة، في مزيج من محاولة العزف على وتر "الحنين الديني" عند البعض لفكرة الخلافة، وإضفاء الشرعية على عمليات التنظيم. وظهر البغدادي على المنبر يخطب مرتدياً زياً "إسلامياً" كلاسيكياً، العباءة والعمامة، باللون الأسود الذي لا تخفى على المطلع على التاريخ دلالته، فهو لون الخلافة العباسية.

وبشكل عام، تتضمن النوستالجيا الدينية عند قطاع كبير من المسلمين حنيناً لعودة "أمجاد" الخلافة القديمة، خصوصاً مع وجود نصوص تراثية دينية تتحدث عن أن الخلافة ستتحول إلى مُلك ثم ستضمحل لتعود مجدداً وصولاً إلى ظهور "خليفة آخر الزمان"، الذي يحكم العالم بالعدل. وتتردد فكرة "الخليفة المنقذ/المهدي" في كثير من الأدبيات الإسلامية، ليس منذ سقوط نظام الخلافة سنة 1924، بل منذ عصور اضمحلال السلطة الخليفتية في القرون السابقة.

مصادر: المقدمة لعبد الرحمن بن خلدون، البداية والنهاية لابن كثير، الكامل في التاريخ لابن الأثير، تاريخ الخلفاء لجلال الدين السيوطي، تاريخ الخلفاء الراشدين وتاريخ الدولة الأموية وتاريخ الدول العباسية لد.محمد سهيل طقوش، النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير، حضارة العرب لجوستاف لوبون، أطلس تاريخ الإسلام لد.حسين مؤنس.

وليد فكري

صحافي مصري وباحث في التاريخ. مساهم في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.

التعليقات

المقال التالي