"المخبرون" كابوس الحركات العمالية في مصر السيسي

"المخبرون" كابوس الحركات العمالية في مصر السيسي

قبل مقتله بنحو شهرين، نشر الطالب الإيطالي جوليو ريجيني آخر مقالاته عن وضع الحركة العمالية في مصر لصحيفة "المنيفستو" الإيطالية، تحت اسم وهمي. جاء في المقال: "تمثل السياسة الحكومية في مصر هجوماً على حقوق العمال والحريات النقابية، التي تعرضت لقيود كبيرة بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013، الأمر الذي أصبح سبب استياء واسع بين العمال. ولكن حتى الآن تدرك النقابات صعوبة تحويل إحباطها إلى مبادرات حقيقية، وعلى مدار العامين الماضيين أضعف قمع نظام السيسي ومحاولات الاستقطاب التي يمارسها، المبادرات العمالية بشدة، حتى أن أكبر حركتين عماليتين، وهما مؤتمر عمال مصر الديمقراطي، واتحاد النقابات المستقلة، لم تعقدا جلسة عامة منذ 2013".

يرجح الكثيرون أن الطالب الإيطالي راح ضحية أبحاثه على الحركات والنقابات العمالية في مصر، التي كانت موضوع رسالته للدكتوراه في جامعة كامبريدج البريطانية. كذلك نشر تقارير عن هذه الحركات في الصحيفة المذكورة. وقد اختفى في ظروف غامضة في الذكرى الخامسة لثورة يناير، قبل العثور على جثته شمال القاهرة، وعليها آثار تعذيب وحشية، على غرار تلك التي تمارسها أجهزة الأمن، بحسب العديد من الناشطين المصريين.

وبعد مفاوضات كثيرة لمعرفة حقيقة مقتل الطالب الإيطالي، اعترف النائب العام المصري، في تقرير سلم للمحققين الإيطاليين، في 9 سبتمبر الجاري، أن الشرطة أجرت تحريات عن الطالب الإيطالي قبل اختفائه، بعد أن تلقت بلاغاً من رئيس النقابة المستقلة للباعة الجوالين، يتهم الطالب بالقيام بأنشطة مشبوهة. وعلى الرغم من تأكيد التقرير أن الأجهزة أنهت التحريات بعد 3 أيام فقط، إلا أن هذا الإعلان يكشف حقيقة أخرى، هي إلى أي مدى تخترق الحكومة النقابات العمالية؟ وكيف وصل الحال بالحراك العمالي في عهد الرئيس السيسي، بعدما حوّل نقابيين إلى مخبرين؟

الحركة العمالية والسياسة

لعبت الحركات والنقابات العمالية دوراً سياسياً مميزاً في التاريخ المصري المعاصر. فغالبية حركات المعارضة، التي قادت ثورة يناير، برزت من الاحتجاجات والإضرابات العمالية، في الفترة ما قبل الثورة. بدايةً من حركة 6 أبريل، التي تأسست عام 2008، دعماً للإضراب العام الذي دعا إليه عمال غزل المحلة في التاريخ نفسه. بالإضافة إلى حركة "عمال من أجل التغيير"، التي أنشأت في منتصف 2006، من ناشطين عماليين ويساريين، للمطالبة بتحسين أوضاع العمال، وزيادة الأجور ووقف سياسة الخصخصة التي اتبعها نظام مبارك.

تقول الباحثة في الشؤون العمالية فاطمة رمضان: "الحركة العمالية والسياسة في تداخل كبير ومستمر، أنا من الأشخاص الذين يعتبرون أن ثورة يناير، ليست الـ18 يوماً التي قضيناها في ميدان التحرير، إنما جزء منها الإضرابات والتظاهرات العمالية، والقدرة على الاحتشاد والتظاهر منذ بداية الألفية الجديدة".

ترهيب وترغيب

بعد 20 يوماً من ثورة يوليو 1952، بقيادة جمال عبد الناصر، قام عمال في مدينة كفر الدوار بالدلتا بإضراب عن العمل وتظاهرات للمطالبة بتحسين أوضاعهم، وأطلقت الشرطة النار عليهم، وقتل عامل أثناء التظاهرة، بينما اعتقل المئات، ليتم تقديمهم لمحاكمة عسكرية، والحكم على اثنين منهم بالإعدام، هما محمد مصطفى خميس ومحمد عبد الرحمن البقري. نفذ حكم الإعدام صباح 7 سبتمبر من العام نفسه، وتزامن مع تقديم وعود كبيرة لبقية العمال في المدينة، مقابل شراء موالاتهم، بتحسين رواتبهم وأوضاعهم، قبل أن يتسع الأمر إلى بقية العمال في مصر بعد إعلان سياسات التأميم.

يتشابه الوضع بعض الشيء في الوقت الحالي، منذ مجيء السيسي. عمل الجنرال على إعادة صورة "ناصر الجديد" إلى أذهان العمال، والتقرب منهم بالعديد من الوعود الوردية، لاحتوائهم ولإدراكه تماماً أن الحصول على دعمهم، سيشكل ضربة قوية للحراك الثوري في مصر، لا سيما أن القوى الثورية تعتمد عليهم في أي حراك. وبالفعل، نجحت هذه الصورة في البداية، خصوصاً مع منح الكثير من النقابات العمالية حق الضبطية القضائية، كنوع من جعل العمال مشاركين للسلطة في مهماتها.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف خرق النظام المصري الحراك العمالي، وحوّل نقابيين إلى مخبرين

لكن، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وما ترتب عليها من زيادة الأسعار ورفع الدعم التدريجي، انتابت العمال حالة استياء من الوضع وعدم تحسين أوضاعهم، والقمع وحالات الفصل التعسفي، التي تطال العديد من المصانع، نتيجة الأزمة الاقتصادية والخصخصة وتوقف الكثير من المصانع عن العمل.

يقول أحمد محمد (32 عاماً)، العامل في مصنع الغزل بشبين الكوم في محافظة المنوفية، أحد المصانع الكبرى في هذا المجال: "وضع العمال أصبح مزرياً، فمنذ خصخصة مصنعنا، فصل 8 آلاف عامل من أصل 11 ألفاً، كما هناك حالات تضييق على العمال، الذين يرفضون سياسات الفصل التعسفي والمعاشات المبكرة. ولا يتم منحهم تصريح لأي تظاهرات أو إضرابات". ويشير أحمد إلى أن الكثيرين يخشون مصير عمال الترسانة في الإسكندرية، الذين تتم محاكمتهم في الوقت الحالي أمام محكمة عسكرية، لأنهم قاموا بإضراب عن العمل لتحسين رواتبهم.

وعن مدى الرقابة الأمنية للعمال داخل المصانع، أوضح محمد أنه في كل مصنع يوجد مسؤول أمني كبير، يحاول استدراج الكثير من العمال ليشكلوا عيوناً على البقية. كما تقوم الإدارة بالأمر نفسه، ليتم إحكام القبضة على الحركة العمالية.

وأكدت رمضان كلام أحمد: "طوال الوقت، تعمل الدولة على التدخل واختراق الحراك العمالي والنقابات. فتقوم بزرع مخبرين وأفراد تابعين لها في النقابات التابعة للاتحاد العام للنقابات. حتى في الانتخابات النقابية، يتدخل أمن الدولة، ويرسل عملاء إلى مديريات القوى العاملة، يسمحون بدخول من يشاء إلى هذه الانتخابات ورفض من ليس على هواهم".

وأوضحت: "القمع، وعمل السلطة على تخوين أي شخص يعارضها، والخوف من الاتهام بالعمالة وعدم الوطنية، كل هذا أثّر بشكل كبير على الحركة العمالية، بالإضافة إلى قوانين منع الإضرابات ومنع التظاهر وجعل الأماكن العامة تشبه المناطق العسكرية".

وأشار تقرير لمركز "كارنيغي" للشرق الأوسط إلى أنه على الرغم من أن تأسيس الاتحاد العام لنقابات مصر كان دعاية لدولة العمال التي روج لها عبد الناصر، إلا أنه كان في الحقيقة وسيلة للسيطرة على العمال واحتكار تمثيلهم، من جهاز حكومي يدار بطريقة أمنية.

الأمر نفسه يحدث حالياً من الاتحاد نفسه. يوضح محمد: "الاتحاد العام للنقابات هو جهاز حكومي يدار من الرقابة الإدارية والأمنية، التي تطبق ما تمليه السلطة على العمال والتحكم بهم، ووصل الأمر إلى منع الإضرابات أو التظاهرات".

وتبين رمضان أن الاختراق والتدخل وصلا إلى النقابات المستقلة في الفترة الأخيرة، لا سيما أن تجربة النقابات المستقلة في مصر لم تنضج بعد لأن غالبيتها ظهر بعد الثورة.

أمنجية وسط الحركة العمالية

نقيب الباعة الجوالين، محمد عبد الله، الذي قدم البلاغ ضد جوليو ريجيني، يحمل حق الضبطية القضائية، مثل العديد من قيادات هذه النقابة، منذ صدور قانون لتنظيم عمل الباعة الجوالين عام 2012، كنوع لمراقبة مدى التزام أعضائها بالقانون والأماكن المخصصة لهم. لكن مع مجيء السيسي، تم منح العديد من أفراد وقيادات النقابات حق الضبطية القضائية، وتوسع الأمر ليتخذ اتجاهات سياسية فأصبحوا كنوع من "المخبرين" ضد المعارضين السياسيين.

وتضيف رمضان: "موقف نقيب الباعة الجائلين يظهر بشكل جلي أنه تابع للأجهزة الأمنية، فحين وجدت أجهزة الدولة نفسها أمام طريق مسدود بشأن ريجيني، اضطرت لحرق بعض رجالها، لا سيما أن الطالب كان يعمل على النقابات والحراك العمالي في مصر".

توسع النظام الحالي في منح حق الضبطية القضائية للعديد من النقابات، وبعض الموظفين في المصانع والمصالح الكبرى. وكانت الذريعة تسيير الأعمال داخل قطاعات هذه النقابات، ومراقبة الخروج عن القانون والفساد. غير أن هناك الكثير من التقارير التي أشارت إلى أن الهدف منها، هو مراقبة الناشطين السياسيين داخل النقابات والحركات العمالية، والموالين للإخوان المسلمين.

ولفتت رمضان إلى أن الضبطية القضائية تمنح للعمال والموظفين في الجهات الإدارية، لمراقبة تطبيق القانون في مناطق اختصاصهم. وبالتالي، حامل الضبطية القضائية له الحق في تحرير المحاضر ضد الأفراد الذين لا يطبقون القانون، مثل مفتشي العمل ومفتشي السلامة بوزارة القوى العاملة، وبعض الهيئات الحكومية الكبرى. كما يسند لهم إجراء تحريات في البلاغات والشكاوى التي يرفعها الموظفون، أو رصد وقوع حوادث فساد ورشوة.

وقد وصل استسهال منح الضبطية القضائية في عهد وزير العدل السابق، أحمد الزند بين مايو 2015 ومنتصف مارس 2016، إلى أعلى معدل له. ووصل عدد النقابات التي تحمل هذه الضبطية حتى الآن إلى 13، من بينها نقابة الموسيقيين، والمهن التمثيلية والمهندسين، والمعلمين وموظفي هيئة الرقابة المالية.

وتشير رمضان إلى أن منح هذه الضبطية للنقابات أمر غير مفهوم إطلاقاً، خصوصاً أن تعريف الضبطية القضائية مرتبط بمكان العمل، فأي عمل سوف يراقبه أعضاء النقابة داخل هذه النقابات؟

وأضافت: "طوال الوقت يشترون أفراد للعمل لمصلحتهم داخل النقابات، وفي بعض الأحيان يشترون أفراداً، يحاولون إظهارهم أمام أعضاء نقاباتهم، أنهم الوحيدون القادرون على تحقيق مطالبهم وخدمة مصالحهم. ونقابة الصحفيين خير مثال على ذلك. إذ تم التقرب إلى نقابيين كبار، ومنحهم الحق في زيادة البدل المادي والصحي للصحفيين، ليظهروا أمام أعضاء النقابة أنهم من سيلبون مطالبهم. أما الطرف الآخر المعارض، فيظهر أنه حامل شعارات فقط، وليس قادراً على تحقيق أي شيء".

كلمات مفتاحية
السيسي مصر

التعليقات

المقال التالي