الكباش الخفي بين البنتاغون وكيري إلى العلن في سوريا

الكباش الخفي بين البنتاغون وكيري إلى العلن في سوريا

كان يُفترض أن يكون يوم السبت 17 أيلول 2016، موعداً أوليّاً لمرحلة جديدة في مسار الاتفاق الأمريكي - الروسي بشأن سوريا، بعدما اجتازت هدنة عيد الأضحى، المدّدة بضعة أيام، ألغاماً داخلية وخارجية، فصمد وقف العمليات العدائية، برغم خروق ميدانية هنا أو هناك، ظلّت بمعظمها "تحت السيطرة".

لكن تطوّراً خطيراً حدث فور دخول الاتفاق المثير للجدل أسبوعه الثاني، حين أغارت طائرات "التحالف الدولي" الذي تقوده الولايات المتحدة ضد "داعش" على موقع للجيش السوري في جبل ثردة في دير الزور، ما أسفر عن مقتل 65 جندياً وإصابة نحو مئة.

كان ذلك كافياً لتأكيد وجهة النظر القائلة بأنّ الاتفاق الأمريكي-الروسي قد ولد ميتاً، أو أنه في أفضل الأحوال، اتفاق ولد مبكراً، وما زالت ثمة حاجة إلى وضعه في "حاضنة"، لتحصينه ميدانياً وسياسياً.

توقيت الغارات الأمريكية بحد ذاته فتح المجال أمام تفسيرات كثيرة، اختلفت بحسب التموضع السياسي لهذا الطرف أو ذاك، ولكنها اتفقت على نفي تبريرات وزارة الدفاع الأمريكية بشأن وقوع "خطأ"، سببه خلل ما في المعلومات الاستخباراتية، وهي تبريرات قديمة، لطالما لجأ إليها "البنتاغون" في معرض غسل يده من غارات مشابهة، في أفغانستان والعراق... وأماكن أخرى.

وثمة من قال إن تلك الغارات تستهدف دعم "الدولة الإسلامية"، لا سيما في توقيتها، التي تزامن مع هجوم كبير للتنظيم المتشدد على مواقع الجيش السوري في جبل ثردة، لا بل أن البعض رأى أن الهجوم الجوي الأمريكي جاء ممهداً للهجوم البرّي "الداعشي"، في إطار ما أسماه أحدهم "تحالف الضرورة" بين الولايات المتحدة وتنظيم أبي بكر البغدادي.

وإذا كان تفسيراً كهذا يبدو منطقياً في ظل انعدام المنطق في الحرب السورية، إلا أن توقيت الغارات الجوية الأمريكية، والتجاذبات القديمة – الجديدة داخل الإدارة الأمريكية بشأن الملف السوري، ربما تقدّم تفسيراً أكثر واقعية لما جرى في دير الزور، وهو ما ألمح إليه المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، حين تساءل عن الجهة التي اتخذت القرار بشن الغارة.

خلافات متجددة.. وسياسات متحوّلة

في 23 كانون الأول 2015، نشر الصحافي الاستقصائي الأمريكي البارز سيمور هيرش في مجلة "لندن ريفيو أوف بوكس" تحقيقاً بعنوان "جيش لجيش"، كشف النقاب، من خلاله، عن جانب غير معلن في السياسات الأمريكية إزاء الصراع السوري، والمتعلق بالخلافات القائمة بين البيت الأبيض والمؤسسة العسكرية، التي اختارت التحايل على قرارات الرئيس الأمريكي، بأن فتحت خطوطاً استخباراتية على أكثر من جهة، لتصويب السياسات الرسمية.

وبحسب هيرش، فإن هذه الخلافات تعود إلى العام 2013، حين أعدّت وكالة الاستخبارات الدفاعية وهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي بقيادة الجنرال مارتن ديمبسي تقريراً سرياً للغاية، توقع أن يؤدي سقوط نظام الأسد إلى الفوضى وربما سيطرة "الجهاديين" على سوريا، كما حصل في ليبيا.

أقوال جاهزة

شارك غرديدور صراع في الكواليس بين الديبلوماسية الأمريكية وجنرالات وزارة الدفاع الراغبين بفرض مقاربتهم للشأن السوري

شارك غردمعظم المسؤولين في البنتاغون عايشوا الحرب الباردة، والتعاون العسكري مع روسيا أمر غير مسبوق ومربك بالنسبة لهم

ويشير هيرش إلى أنه "في تلك المرحلة، كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تتعاون لأكثر من عام مع المملكة المتحدة والسعودية وقطر من أجل نقل الأسلحة والعتاد من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، وذلك بغية الإطاحة بالأسد"، وقد خلص التقرير السري إلى "عدم وجود معارضة (معتدلة) قابلة للحياة في سوريا"، وأن "الولايات المتحدة بالتالي تسلح المتطرفين".

ووفقاً لهيرش، فإن جنرالات هيئة الأركان المشتركة ووكالة الاستخبارات الدفاعية سعوا إلى تصويب المسار، خارج القنوات البيروقراطية، بأن فتحوا خطوطاً على أكثر من جهة (روسيا، بريطانيا، إسرائيل، السعودية، قطر)، لا بل قاموا بتمرير معلومات استخباراتية للجيش السوري، وذلك للتقليل من المخاطر المرتبطة بسياسات أوباما السورية.

لكن الأمر لم يستمر طويلاً، إذ نجح "الصقور"، سواء في الإدارة الأمريكية أو البنتاغون، في فرض وجهة نظرهم على السياسات الخاصة بسوريا، لا سيما بعد إزاحة رئيس الاستخبارات العسكرية مايكل فلين، وخروج رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي إلى التقاعد.

تحوّل جوهري

حتى الأمس القريب، كانت العناصر الأساسية لسياسات أوباما حول سوريا مستقرة، تأثراً بموقف الصقور في الإدارة الأمريكية والبنتاغون، وهي: الإصرار على ضرورة رحيل الأسد، رفض التحالف مع روسيا ضد "الدولة الإسلامية" غير الممكن، اعتبار تركيا هي الحليف الثابت في الحرب ضد الإرهاب، ثمة قوات معارضة معتدلة كبيرة يمكن للولايات المتحدة أن تدعمها.

لكن تحوّلات ميدانية، فرضها التدخل العسكري الروسي من جهة، وتقاطع مصالح على خط واشنطن – موسكو من جهة ثانية، وحسابات المعركة الانتخابية الأمريكية من جهة ثالثة، دفعت إدارة أوباما إلى إحداث تحوّل جوهري في المقاربة السورية، بهدف تحقيق إنجاز عسكري في الحرب على الإرهاب، بما يجعل المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون قادرة على تسجيل النقاط أمام منافسها الجمهوري دونالد ترامب، الذي راح يستخدم، ومنذ الهجوم "الداعشي" في أورلاندو، كافة الأسلحة لتعزيز شعبيته، بدءاً باتهام كلينتون بالمسؤولية عن نشوء "داعش"، وصولاً إلى تسريب معلومات بشأن إمكانية اختياره الجنرال مايكل فلين لمنصب نائب الرئيس.

أهم ما في المقاربة الأمريكية الجديدة، تجاوز أوباما خطوطاً حمراء، من إرث حقبة "الحرب الباردة" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، وتتمثل في التعاون العسكري والاستخباراتي مع روسيا، من خلال تشكيل مركز تنفيذي مشترك للفصل بين مواقع المتطرفين "جبهة النصرة" و"داعش"، وبين المعارضة المعتدلة. حيث سيتم تبادل المعلومات بشأن هذه المواقع، ثم تبدأ عمليات قصف شاملة لمواقع المتطرفين من دون المساس بمواقع المعارضة المعتدلة، وفقاً لتسريبات من الاتفاق.

تجاذبات عابرة للقارات

بدا جون كيري مضطرباً يوم الجمعة 9 أيلول.

الوزير الأمريكي كان قد أنهى للتو محادثات معقّدة، في مقر الأمم المتحدة في جنيف، مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، انتهت بالتوصل إلى اتفاق حول سوريا، لكن الإعلان الرسمي ظل رهناً بالضوء الأخضر من الرئيس باراك اوباما.

ساعات عصيبة شابها القلق، وفي أحيان كثيرة الإحباط، أمضاها كيري، وهو يجري اتصالات ماراثونية على مسافة أربعة آلاف ميل بين جنيف وواشنطن، تخللتها مشاورات مضنية، مع فريق الأمن القومي في البيت الأبيض من جهة، والمستشارين القانونيين والعسكريين في البنتاغون من جهة ثانية.

على النقيض، بدا لافروف هادئاً ومرحاً، ذلك أن "عجلة اتخاذ القرارات في موسكو أسرع منها في واشنطن". واختار الوزير الروسي التعبير عن انزعاجه من التباطؤ الأمريكي: جال كثيراً في الأروقة، ثم راح يفاجئ الصحافيين بوجبات الـ"بيتزا" لمؤازرتهم على الانتظار، ثم قدّم لهم زجاجات "فودكا" وحرص على القول إنها هدية "من البعثة والروسية وليس من الولايات المتحدة".

في غرفة علوية محاطة بترتيبات أمنية عالية المستوى، كان كيري يخوض واحدة من أصعب معاركه السياسية، ليس أمام المسؤولين الروس أو الإيرانيين هذه المرة، وانما أمام زملائه في الإدارة الأمريكية، ولا سيما وزير الدفاع آشتون كارتر الذي أمطره، عبر الدائرة القانونية في البنتاغون، بعشرات الأسئلة التفصيلية، حول الاتفاقية المرتقبة.

الاتصال بالبنتاغون تناول كل كلمة تقريباً في النص، وعندما كانت وزارة الدفاع الأمريكية تقول"لا"، كان يتصل بالرئيس أوباما، الذي أصرّ في نهاية المطاف على موقفه، وخرجت الاتفاقية إلى العلن، مع التكتم على تفاصيلها، بناء على طلب أمريكي خلافاً للرغبة الروسية.

على ماذا يعترض "البنتاغون"؟

برغم الإعلان عن الاتفاق الأمريكي – الروسي، إلا أن التجاذبات بين كيري وآشتون لم تتوقف، فوزير الدفاع الأمريكي لم يخف معارضته للتفاهمات، في حين تفاوتت المواقف داخل البنتاغون بين أقلية مؤيدة، وغالبية معارضة ومشككة، في امتداد للخلافات المتجددة التي كانت سائدة منذ بداية الصراع في سوريا داخل الإدارة الأمريكية.

لكن الأمر يتجاوز سوريا، بالنسبة إلى كثيرين من المسؤولين في البنتاغون، لا سيما أن معظم هؤلاء عاشوا أجواء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي حين بدأت مسيرتهم العسكرية، ومن المؤكد أن ترتيبات لحظها الاتفاق الأمريكي – الروسي، من قبيل تشكيل مركز عسكري مشترك في جنيف، ينطوي على محاذير كبيرة، لا بل أنه أمر غير مسبوق ومربك لهؤلاء العسكريين.

وبالرغم من أن العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا تجاوزت خلال العقدين الماضيين إرث الحرب الباردة، حيث تشارك البلدان في العديد القضايا ذات الاهتمام المشترك، إلا أن التعاون ظلّ مقتصراً على الجانب الديبلوماسي – كما هي الحال في المفاوضات حول إيران وسوريا – لكنه لم يمتد يوماً إلى الجانب الميداني، في ما عدا التفاهمات المرتبطة بقواعد الاشتباك الجوي في سوريا، وبعض الترتيبات اللوجستية في حرب أفغانستان.

وإذا ما نجح الاتفاق الأمريكي – الروسي حول سوريا، لا سيما في الشق المتعلق بالمركز العسكري المشترك، فإن ثمة مخاوف لدى الجنرالات الأمريكيين من أن تنكشف الطريقة الأمريكية في استخدام المعلومات الاستخباراتية لتنفيذ القصف الجوي، في حال تمت مشاركتها مع روسيا، ليس في سوريا فحسب، بل في أماكن أخرى، وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، التي أشارت إلى خشية المسؤولين في البنتاغون من أن "تستخدم موسكو هذه المعلومات لاحقاً لمنفعتها الذاتية وسط توتر أجواء البحار والمجالات الجوية حول البلطيق وأوروبا".

ومعروف أن العلاقات الأمريكية – الروسية ليست على أفضل حال في المشهد السياسي الدولي، لا سيما منذ الأزمة الأوكرانية، وضم روسيا لشبه جزيرة القرم، واشتعال المعارك في شرق دونيتسك ولوغانسك في الشرق الأوكراني، وما تلا تلك الأحداث من تحركات عسكرية أمريكية (نشر اسلحة ثقيلة وعربات مدرعة ومعدات اخرى في شرق أوروبا ووسطها... الخ) قوبلت بتحركات روسية مضادة (تحرشات جوية بسفن حربية أمريكية في البلطيق، وهجوم روسي مفترض استهدف رسائل الكترونية ووثائق سرية أمريكية... الخ).

لكن ثمة من يعتقد أن الاعتراضات التي يثيرها الجنرالات الأمريكيون – والتي دفعت مسؤولين مقربين من كيري إلى اتهام البنتاغون بانتهاج مقاربة تعود إلى حقبة "الحرب الباردة" – ليست السبب الوحيد في التجاذبات القائمة بين وزيري الخارجية والدفاع الأمريكيين، فصحيفة " كمسمولسكايا برافدا" الروسية، على سبيل المثال، ترى أن الخلاف سياسي في الأساس. فجون كيري يريد التوصل إلى حل سلمي يكون آخر إنجاز له في هذا المنصب، في حين أن آشتون يأمل في البقاء في منصبه والاستمرار في محاربة روسيا، وبالذات في سوريا، في حال انتخاب هيلاري كلينتون رئيسة للولايات المتحدة.

قد يكون كيري أكثر من تفاؤله بشأن التزام القوى السورية بوقف اطلاق النار، وربما استبشر خيراً بصمود الهدنة سبعة أيام، على أمل المضي قدماً في تنفيذ الإتفاق، وفق الجدول الزمني المتفق عليه، لكنه لم يتوقع، على الأرجح، أن يحمل اليوم الثامن انتهاك طائرات بلاده للاتفاق!

وسام متّى

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية، متخصص في الشؤون العربية والدولية والحركات الإسلامية.

التعليقات

المقال التالي