شهيّة بريطانيا المفتوحة على الحروب: أسرار تُكشف للمرة الأولى من سايغون إلى عمان والعراق وسوريا

شهيّة بريطانيا المفتوحة على الحروب: أسرار تُكشف للمرة الأولى من سايغون إلى عمان والعراق وسوريا

"حروب بريطانيا السريّة" هو العنوان المغري الذي سبر من خلاله الصحافي في "الغارديان" البريطانية إيان كوبين، أغوار أكثر من 100 عام كانت فيها بريطانيا في حالة حرب دائمة. بعضها كان معلناً كما في حالة فولكلاند، وتحول إلى عنصر أساسي في الخطاب السياسي، لكن بعضها الآخر، كما في حالة قمع الانتفاضة في عمان، بقي سرياً.

يبدأ كوبين توثيقه من أغسطس العام 1945، بعد أشهر على استسلام اليابان، حين أصبح البريطانيون مقتنعين بأن الحرب أصبحت وراءهم. لكن في ديسمبر من العام نفسه، كان متاحاً أمام قراء "مانشستر غارديان" أن يقرأوا رسالة صغيرة في أسفل الصفحة ضائعة بين موضوعين كبيرين، واحد بشأن محكمة نورمبرغ الشهيرة لجرائم الحرب، وآخر عن تأسيس الأمم المتحدة.

التحالف مع الأعداء

رسالة صغيرة حشرت في الزاوية لكنها كانت كافية لإثارة ضجة ـ خلافاً للعادة ـ وجهتها فرقة عسكرية صغيرة إلى وزير الخارجية آنذاك إرنست بيفين. "لقد تبيّن أن البريطانيين يحاربون جنباً إلى جنب مع اليابانيين والفرنسيين ضدّ القوات الوطنية فيت مين. لماذا إذاً هذا التعاون؟ لماذا لم يتم نزع سلاح اليابانيين؟ نحن نتمنى أن تشرح الحكومة لنا ضرورة وجود قوات بريطانية في الهند الصينية". كانت الرسالة من فرقة بريطانية صغيرة في سايغون الفييتنامية.

كان من غير العادي ـ حتى في ظل مبادئ المساواة السائدة في المملكة ـ رؤية فرقة عسكرية صغيرة تخاطب الحكومة علناً. لكن ما كان غير عادي حقاً، بحسب كوبين، هو رؤية بريطانيا تقاتل جنباً إلى جنب أعدائها السابقين: الجيش الياباني وجيش فيشي الفرنسي. يخوض كوبين في أسباب هذا القرار، ليذهب أبعد ويقول إن جنود الجيش البريطاني كانوا يتصرّفون بناء على تعليمات تطلب منهم عدم الاكتراث في الجبهات لمسألة وجود المدنيين. وفي حال اختلاط الأمر بين من هو العدو ومن هو الصديق أو بين العسكري والمدني، يصبح أمام الجنود خيار واحد هو استعمال الحدّ الأقصى من العنف والنار، لضمان عدم وجود أي جيوب مقاومة أو نيران معادية.

في الرسالة أيضاً، كان ثمة شهادة لجندي بريطاني يتحدث فيها عن بيوت تحترق، ومئات احتجزوا في معسكرات، وعن العديد من سيارات الإسعاف، وفيها نساء وأطفال فقط، وعن نساء وأطفال كانوا يقفون أمام منازلهم بثياب الحداد، ويحدقون إلى الجنود بكراهية.

أقوال جاهزة

شارك غردعلى امتداد أكثر من مئات السنين، لم تمر سنة واحدة لم تكن فيها بريطانيا متورطة في عملية عسكرية في مكان ما من العالم

شارك غردمسؤول عسكري بريطاني: "لقد أحرقنا قرى بكاملها، وقتلنا قطعان ماشية كان يملكها المعارضون العمانيون، وأتلفنا المحاصيل للانتقام منهم، وكنا نعلق جثثهم في السوق"

في بريطانيا، لم يكن البرلمان كما الرأي العام على بيّنة حول ما يجري، في وقت كانت الحكومة تتمنى لو بقي الأمر في منتهى السرية. تمّ تأنيب الفرقة في سايغون، سمعت كلاماً عن إمكانية رشقها بالرصاص في السابق، ولكنها نالت العفو. بعد ذلك لم يسمع أحد شيئاً من سايغون، ولم تخرج أي ملاحظة بشأن ما يجري هناك. كان لا بد أن يبقى ذلك سراً، شأنه شأن عمليات كثيرة قامت بها بريطانيا حول العالم.

بعد 70 عاماً، وفي سبتمبر العام 2014، أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، استعداد البلاد لاستئناف العمليات العسكرية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية. قال كاميرون "نحن أناس مسالمون… لا نبحث عن صدام، لكننا بحاجة لنفهم أنه لم يعد بالإمكان تجاهل الخطر على أمننا". لم يكن من شك أن كاميرون كان يتحرك بعد مقتل بريطاني على يد التنظيم والتهديد بذبح آخر.

قمع دموي في سلطنة عمان

بين عامي 1918 و1939، كان البريطانيون يحاربون في العراق والسودان وإيرلندا وفلسطين وعدن. وفي السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، كانوا يحاربون في أريتيريا وفلسطين والهند الصينية ومصر والصين وعمان. وبين 1949 و1970، أطلق البريطانيون 34 عملية تدخل عسكري. بعدها كانت فولكلاند والعراق (4 مرات) والبوسنة وكوسوفو وسييراليون وأفغانستان وليبيا. على امتداد أكثر من مئات السنين، لم تمر سنة واحدة لم تكن فيها بريطانيا متورّطة في عملية عسكرية في مكان ما من العالم. لا يمكن قول ذلك حتى عن الأميركيين والروس والفرنسيين، أو أيّ أمة أخرى. بريطانيا، يبدو أنها الوحيدة في حالة حرب دائمة. حروب قليلة كانت بمثابة الفضائح الكبرى الممتلئة بالصفقات كفولكلاند وغزو العراق، وغيرها الكثير لكنها طي الكتمان.

اللافت في تحقيق كوبين المطول، كان تسليط الضوء على دور بريطانيا في قمع انتفاضة سلطنة عمان بشكل دموي. وعلى مدى أكثر من عقد من الزمن، أحيطت عملياتها هناك بسرية تامة. في العام 1972، نشر تقرير تحت عنوان "هل تشارك بريطانيا في حرب الخليج السرية؟". لقد تبيّن أن المملكة تشارك إلى جانب سلطان عمان في محاربة الانتفاضة في ظفار (أرض اللبان)، جنوب سلطنة عمان. وكان السؤال عن تحرك القوات البريطانية من دون علم البرلمان أو الرأي العام.

يوضح الكاتب موقع عمان الإستراتيجي في الحسابات البريطانية. السلطنة محاطة بالإمارات العربية المتحدة من الشمال، والمملكة العربية السعودية واليمن من الجهتين الغربية والجنوب غربية. وهي تحاذي مضيق هرمز، ممر النفط الرئيسي. مع العلم أن الغرب في الستينيات، كان يعتمد على 60% من النفط القادم من الخليج، وكانت تمر حاملة نفط من مضيق هرمز، كل 10 دقائق. وعليه كان البريطانيون يرون تدخلهم في تلك الحرب الداخلية ضرورياً. وعلى مدى القرنين التاسع عشر والعشرين، حافظ البريطانيون على قبضتهم داخل السلطنة لضمان عدم حصول تدخل خارجي آخر في السلطنة وقلاقل داخلية.

حتى منتصف الستينيات، كان السلطان سعيد بن تيمور يتلقى أكثر من نصف دخله من بريطانيا، وصولاً إلى العام 1967 عندما بدأت السلطنة بضخ النفط وتحسن الدخل. مارست بريطانيا ضغوطاً هائلة هناك، فوزير الدفاع ومدير الاستخبارات في السلطنة كانا بريطانيين، ومستشار السلطان كان دبلوماسياً بريطانيا سابقاً. في الظاهر، كانت السلطنة مستقلة، لكن في الواقع لم تكن أكثر من مستعمرة بريطانية.

بالعودة إلى القمع الدموي الذي قاده البريطانيون، فقد كانت هناك إعدامات علنية، وظروف السجن مأسوية، من دون طعام وعناية صحية. وفي العام 1950، كان هناك عدد من الانتفاضات التي أجهضها الجيش البريطاني، بأكثر من 1635 طلعة جوية، و1049 طناً من القنابل و900 صاروخ.

ومع ظهور حقول نفطية جديدة في الصحراء بين ظفار والعاصمة مسقط، شعر البريطانيون بالخطر عليها لا سيما مع تصاعد نظرية سيطرة الشيوعيين على مضيق هرمز. هنا أتى رد البريطانيين مدوياً لا رحمة فيه. ينقل الكاتب عن مسؤول عسكري بريطاني قوله "لقد أحرقنا قرى بكاملها، وقتلنا قطعان ماشية كان يملكها المعارضون العمانيون، وأتلفنا المحاصيل في الأسواق للانتقام منهم. وكنا نعلق جثة كل من يقتل في السوق، ليكون عبرة لمن تسوّل له نفسه أن يكون مقاتلاً من أجل الحرية". باختصار، ومن أجل صدقية بريطانيا في الشرق الأوسط، كان على حربها في عمان أن تبقى مطلقة السرية.

من أفغانستان إلى سوريا

بعد ذلك يبدو أن بريطانيا لم تفقد شهيتها للحرب. أول حرب لها في القرن الحديث كانت على نظام طالبان في أفغانستان. كلفت الحرب حوالي 95 ألف ضحية خلال 13 عاماً، بينهم 435 من البريطانيين، ولم تحقق الفوائد المرجوة لشعب أفغانستان. لتأتي بعد ذلك الحرب العراقية في العام 2003، وقد اعتبرها الباحثون الكارثة الأكبر بعد الفشل في السويس. سقط حوالي المليون في العراق، بينهم 179 من البريطانيين. مع ذلك، بقي العراق اليوم في حال فوضى عارمة. واستمرت بريطانيا في الاستثمار في الحروب، سياسياً وتقنياً ومادياً. في وقت بات إبقاء المشاركة في حرب ما في دائرة الظل، أمراً شبه مستحيل، في ظل الإعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي. في العام 1996، ألزم الجيش البريطاني بتوقيع تعهد باسم عناصره التزام السرية التامة، لكن ذلك أصبح صعباً جداً في نمط الحروب الحالي.

وفي السنوات التي أعقبت اعتداء 11 أيلول، كانت الأخبار تنتشر عن حروب سرية وبالوكالة من جبال اليمن إلى مدن ليبيا. لكن في العام 2007، خرج وزير الخارجية آنذاك طوني بلير ليعلن أن الحكومة ستصبح في خدمة الشعب بشكل أفضل. كان ذلك بعد تجربة العراق الفاشلة.

لكن بعد ست سنوات، في أغسطس العام 2013، استجابت الحكومة لرأي البرلمان والشعب بعدم التدخل العسكري في سوريا. ووعدت بأن تتصرف على هذا النحو. ولكن يبدو أن عبارة "على هذا النحو" لم تكن دقيقة تماماً. في يوليو 2015، عادت العمليات لتتجدد في العراق وفي سوريا ضد "داعش". كما كان معروفاً وجود البريطانيين في غرف التحكم السعودية لحرب اليمن. ويتساءل كوبين في النهاية عن "أسرار ربما لا نعرفها حالياً حول دور الجنود البريطانيين"، في منطقة الشرق الأوسط.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي