أسرار الانقلاب في تركيا: إن حاولت استهداف الملك الأفضل لك أن تصيب

أسرار الانقلاب في تركيا: إن حاولت استهداف الملك الأفضل لك أن تصيب

لم يسر مشروع الانقلاب التركي الذي قام به مجموعة من ضباط الجيش كما كان مخططاً له. فقد كان الانقلابيون ينوون إطلاق العملية في الساعة الثالثة من فجر يوم السبت، 16 تموز، وليس في الساعة التاسعة مساء 15 تموز. وقد يكون هذا الخطأ المفصلي أحد أهم أسباب فشل الانقلاب ضد حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان.

كانت الخطة تهدف إلى انطلاق العملية والناس نيام، عبر السيطرة على مفاصل الحركة في أنقرة واسطنبول، واغتيال أو القبض على إردوغان، والقبض على هاكان فيدان، رئيس المخابرات التركية، وربما كانت الخطة ستنجح إذا تمت في ذلك التوقيت، لأن الرئيس التركي لم يكن ليستطيع مطالبة شعبه بالنزول إلى الميادين للوقوف ضد الانقلابيين.

أقوال جاهزة

شارك غردأسرار وتفاصيل محاولة الانقلاب في تركيا الذي أدّى إلى أسر أو فصل عشرات آلاف المسؤولين العسكريين الأتراك

شارك غردطائرتان انقلابيتان لاحقتا طائرة إدروغان المتوجهة من مارماريس إلى اسطنبول... فكيف نفد من الموت؟

فلماذا قدم الانقلابيون خطتهم وكيف فشلت؟ يقول مصدر رفيع في المخابرات التركية أنهم اكتشفوا في الرابعة من مساء 15 تموز أن بعض الضباط في أكاديمية الطيران في العاصمة أنقرة ينوون القيام بمحاولة انقلاب في فجر اليوم التالي، ما دعا رئيس المخابرات فيدان إلى الاجتماع بقائد أركان الجيش التركي، الجنرال هولوسي أكار، لإخباره بالمخطط. وحضر الاجتماع أربعة من أهم المسؤولين الأمنيين الأتراك، وهم فيدان وأكار والجنرال صالح تشولاك قائد القوات البرية والجينرال ياشار جولر نائب رئيس الأركان.

ويقول مسؤول استخباراتي: لقد علمنا أن هناك مخطط انقلاب في الساعة الرابعة مساء، ولكنها لم تكن معلومات دقيقة وكان ينبغي التحري عنها قبل العمل بها.

وقرر الطرفان إصدار أمر بمنع أي تحركات للآليات العسكرية وأرسلوا أحد الضباط إلى الأكاديمية لاستكشاف الوضع على الأرض. وتوقع ضباط المخابرات، الذين لم يكونوا يملكون تفاصيل دقيقة عن المخطط، أن تلك الخطوات ستدفع الانقلابيين إلى تأجيل الخطة، إلا أنهم قرروا تقديم وقت الانقلاب عند علمهم باكتشاف جهاز المخابرات أن العملية اقتربت.

ويقول مسؤول مخابرات تركي: هذا هو سبب فشل العملية. بالتأكيد هناك أسباب أخرى داعمة، ولكن إذا كانت بدأت في الثالثة فجراً لما كان من الممكن للناس أن ينزلوا إلى الشارع.

إردوغان يفلت من موت محتّم

وسنقوم بالكشف هنا عن بعض أسرار وتفاصيل محاولة الانقلاب ضد إردوغان، ذلك الانقلاب الذي ضرب استقرار دولة تعتبر أحد أهم أعضاء حلف الناتو بالإضافة إلى دورها الإستراتيجي في المنطقة، وهي محاولة انقلاب أدت إلى أسر أو فصل عشرات الآلاف من المسؤولين والعسكريين الأتراك، وهي المحاولة التي اتهمت فيها حكومة إردوغان حليفها السابق، قائد حركة حزمت، فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسيلفانيا الأمريكية.

وقد أكّدت عدة مصادر في الحكومة التركية العديد من هذه المعلومات.

وانطلقت محاولة الانقلاب في التاسعة مساء، عندما سيطرت القوات على الجسور الحيوية في اسطنبول بالإضافة إلى قيامها بمحاصرة المنشآت الحيوية في أنقرة كقيادة الشرطة والمخابرات. وانطلقت قوة إلى الفندق الذي كان يقيم فيه إردوغان في منطقة مارماريس البحرية، إلا أن الرئيس كان قد ترك المنتجع قبلها بفترة وجيزة.

أردوغان

ويروي مصدر في الحكومة التركية أن إردوغان استقل طائرة إلى اسطنبول، وكان مطار أتاتورك في تلك الأثناء تحت سيطرة الانقلابيين. ويقول المصدر أن طائرتين انقلابيتين كانتا تلاحقان طائرة إردوغان، إلا أن الرئيس التركي أفلت من الموت المحتم بعد أن قام قبطان طائرته بإخبار الانقلابيين عن طريق رسالة عبر الراديو أن الطائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية التركية.

600 ضابط من "أنصار غولن"

على كل حال، مع فشل محاولة القبض على إردوغان، بدأ الانقلابيون في العمل على الأعمدة الأخرى من العملية، إذ قاموا أولا بالاستيلاء على القناة التلفزيونية الرسمية التابعة للدولة وإرغام المذيعة على قراءة البيان المعد والذي أعلن أن القوات المسلحة استولت على مقاليد الحكم لإعادة إرساء الديمقراطية، كما انطلقت قوة تتضمن من طائرتي سوبر-كوبرا المروحية و3 طائرات سيكورسكي محملة بعدد من القوات الخاصة الموازية للقوات البحرية الخاصة الأمريكية التي قامت باغتيال أسامة بن لادن، إلى مقر جهاز المخابرات في أنقرة للقبض على فيدان.

وترجح المصادر في الحكومة التركية أن استهداف فيدان جاء بسبب قائمة أرسلتها المخابرات التركية قبل الانقلاب بأسبوع إلى قيادة القوات المسلحة، تتضمن أسماء حوالى 600 ضابط في القوات المسلحة كانت المخابرات قد زعمت أنهم أعضاء في تنظيم فتح الله غولن، وكان من المقرر عزل هؤلاء الضباط في شهر آب، وهو الشهر المعتاد فيه أن تصدر الحكومة مراسيم الترقيات والتقاعد السنوية في صفوف القوات المسلحة، وأن محاولة الانقلاب قد تكون استعجلت قبل أن يتم فصل هؤلاء الضباط.

ويؤكد محمد شمشك، نائب رئيس الوزراء: لقد كنا ننوي إحالة الكثير من هؤلاء على التقاعد في شهر آب بسبب ارتباطاتهم التنظيمية.

ويقول المسؤولون الأتراك أنهم كانوا يعتبرون القوات المسلحة هي المعقل الأخير لأنصار غولن الذين تم فصلهم خلال الأعوام والأشهر الأخيرة من جهاز المخابرات والشرطة والقضاء إلى حد كبير. وجاءت تلك الحملة بعد عملية تحقيق في قضايا الفساد أطلقتها مجموعة من القضاة والأمنيين التابعين لحركة غولن استهدفت المقربين من إردوغان، والتي اعتبرها الرئيس التركي محاولة انقلاب قضائي على حد تعبيره. وكان أنصار غولن وقت تحالفهم مع إردوغان من أقوى المناصرين لحملات تطهير القوات المسلحة من الانقلابيين، واشتركوا في العقد الماضي في مقاضاة العديد من الضباط الكبار في الجيش التركي، وتقول مصادر حكومية إن الحركة استطاعت ترقية العديد من الضباط المنتمين إليها لمراكز عليا بعد المحاكمات، ما سمح لهم بالقيام بعملية الانقلاب الأخيرة.

الهزيمة الكاملة

تزعم مصادر استخباراتية تركية أنهم استطاعوا خرق تطبيق مشفر يدعى بايلوك كانت تستعمله حركة غولن للتواصل بين أعضائها وعن طريقه اكتشفوا هوية الآلاف من أعضاء التنظيم. ومن المفارقات التي أكدها أكثر من مسؤول تركي أن الطيار الذي قام بإسقاط الطائرة الروسية منذ أشهر كان من ضمن المتهمين في قضية الانقلاب وقد ألقي القبض عليه. كما أن قائد قاعدة إنجرلك، والتي يستعملها التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وكان من الانقلابيين، حاول الاتصال عشر مرات بمسؤولين أمريكيين لطلب اللجوء السياسي، إلا أنه قوبل بالرفض، بحسب بيانات وتسجيلات هاتفية.

ويروي أحد ضباط المخابرات الذين كانوا مع فيدان في مركز جهاز المخابرات في أنقرة تفاصيل المعركة هناك والتي استمرت حوالي ست ساعات، إذ كان ضباط المخابرات يختبئون تحت الأشجار في ساحة المركز من نظارات الإينفرا-ريد التي كانت مع الطائرات المروحية للانقلابيين، كما أن فيدان أمر بتوزيع أسلحة خفيفة وثقيلة للضباط وأمرهم بعدم الاستسلام، ونجحوا بالفعل في صد الهجوم على مقر المخابرات بعد وصول مدافع دوشكا إلى ضباط المخابرات الذين استطاعوا بسببها رد الطائرات المروحية.

في هذه الأثناء، كانت عملية الانقلاب على وشك الهزيمة التامة، فقد نجح إردوغان في دعوته للشعب، ومن ضمنهم الكثير من مناهضيه، إلى النزول إلى الشارع لحماية الديمقراطية التركية، كما استطاعت وزارة الشؤون الدينية، ديانيت، استقطاب الآلاف من كبار السن ومتوسطي الأعمار المناصرين للرئيس الذين أيضاً نزلوا إلى الشارع.

ويقول مسؤول تركي رفيع أن الخطر الأكبر في الفترة المقبلة يكمن في أن العديد من الضباط الذين لم يُقبض عليهم بعد، هم من القوات الخاصة والكوماندوز الذين لديهم إمكانية القيام بأعمال نوعية كالاغتيالات وما شابه ذلك. ويجزم مسؤولون أتراك عن عمليات ما يسمونه بتطهير أجهزة الدولة من أنصار غولن ستستمر حتى تصل إلى نتائج، ويقول أحدهم: المسألة هي كالمثل الدارج الذي يقول إنك إذا حاولت استهداف الملك، فالأفضل لك أن تصيب.

مراسل الشرق الأوسط في صحيفة الغارديان البريطانية

كلمات مفتاحية
تركيا

التعليقات

المقال التالي