الناطق باسم "وزارة الخارجية" في غزة... لوحة إعلانيّة

الناطق باسم "وزارة الخارجية" في غزة... لوحة إعلانيّة

في مكان بارز على ناصية مفترق منطقة السرايا الشهيرة، وسط مدينة غزة، تطل على المارة لوحة إعلانية كبيرة يشاهدها الآلاف يومياً. يتغيّر محتوى اللوحة عند كلّ حدث سياسي على المستوى المحلّي أو الإقليمي، سواء أكان تصريحًا لرئيس دولة مجاورة، أو تنازعًا بين دولتين، أو انقلاباً على حكم موالٍ أو ثورة، أو زيارة أمير. يقف سكان القطاع عند اللوحة في اليوم التالي، يتندّرون على ما ستحمله من رسائل، بعدما أطلقوا عليها سخريةً لقب "وزارة الخارجية".

أقوال جاهزة

شارك غردتتربّع اللوحة الاعلانيّة على ناصية شهيرة في مدينة غزّة، وتستخدمها حماس لإطلاق المواقف السياسيّة

شارك غردتثير اللوحة سخرية سكان القطاع لما تحمله من عبارات شكر لدور عربيّة وأجنبيّة عند كلّ حدث سياسيّ

يغيب الدور الفاعل لوزارة الخارجية في غزة منذ العام 2007، ويقتصر عملها على تصديق المعاملات والأوراق الرسمية للمواطنين. وبسبب انقطاع تواصلها مع الوزارة في الضفة الغربية، ومع السفارات والمكاتب التمثيلية للفلسطينيين في أنحاء العالم، بات من الصعب عليها إصدار تصريحات تعلن فيها موقف حركة حماس من الأحداث الإقليمية والعالميةـ بشكل واضح ومسموع. لم يعد للحركة نافذة تطل من خلالها على العالم، أو على سكان القطاع، لتعلن اتجاهاتها بصوت عال. لذلك بحثت عن منبر آخر، فقررت اختيار أكثر الطرق مباشرة ووضوحاً وبساطة للإعلان عن مواقفها: "لوحة إعلانات".

صوت حماس إلى العالم

يبلغ عرض هذه اللوحة 15 مترًا وطولها 5 أمتار، أي نحو 75 متراً مربعاً، وترتفع على أعمدة حديدية ثقيلة ومثبتة في التراب، بكتل اسمنتية. تشبه اللوحة في الشكل اليافطات المستخدمة للإعلان عن السلع التجارية والعروض والتخفيضات، إلا أنّها لسان حال حركة حماس المسيطرة على غزة، ومن خلالها تبث رسائلها الدولية والمحلية. وتثير اللوحة ردود فعل مختلفة بين السكان تتفاوت بين الفضول والسخرية والغضب والإعجاب، بينما يكتب الإعلام المحلّي الكثير من المقالات عنها وعن تبديلها الرسائل كما تُبدّل الملابس.

فعقب محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا مثلاً، عرضت اللوحة صورة الرئيس التركي أردوغان، رافعاً يده في إشارة التحية وخلفه علم بلاده. كُتب عليها: "مع تركيا... قيادتها الحكيمة وشعبها الأصيل... النصر للأحرار.. تحية لتركيا قيادةً وشعباً".

وترى تهاني نصر (22 عاماً)، وهي طالبة في كلية الحقوق، أنّ الهدف من اللوحة "خلق فقاعات لتوجيه الشارع نحو موضوع أو رسالة ما". ففي إحدى الرسائل الموجّهة إلى النظام المصري (الذي انقضّ على جماعة الإخوان المسلمين المقربة من الحركة)، تصدّرت اللوحة صورة أربعة من عناصر حماس فقدوا في مصر قبل أشهر، وكتب فوقها: ""بدنا ولادنا يروحوا... أعيدوا المختطفين".

يرى العديد من المواطنين أن ما تنشره حماس عبر لوحة "وزارة الخارجية"، يعبر عن رأي الحركة وأنصارها فقط، ولا يعبر عن رأي الشارع بشكل عام، وأنّ ما دفع حماس لاستخدام اللوحة هو سوء علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع الدول الإقليمية. بينما يرى آخرون أن المواطن أحقّ بالمبالغ التي تصرفها الحكومة على الإعلان عبر اللوحة.

إشهار ولاء

من المعروف أن معظم اللوحات الإعلانية المنتشرة في القطاع، تملكها البلديات التي توكل شركات للدعاية والإعلان لتأجيرها مقابل مبلغ مادي، باستثناء هذه اللوحة التي وضعت خصيصاً للحركة. لكن البلدية رفضت التعليق على الأسئلة حول هوية مالك اللوحة، ونوع الاتفاق بينها وبين حماس.

وقد تسببت اللوحة بجدل واسع دار في منتصف مارس الماضي، بين قادة حركة حماس والقيادة المصرية في القاهرة، بعد وضع شعار جماعة الإخوان المسلمين عليها. وحاولت الحركة إنكار ما تناولته وسائل الإعلام عن رفعها للشعار، ثم غطّته بقطعة أقمشة، ثم أزالته نهائياً.

ترى بيسان عبد السلام (28 عاماً) خريجة كلية الإعلام، أن الرسائل التي نشرتها حماس على اللوحة، وحملت عبارات "شكراً قطر أوفيتي العهد"، "شكراً تركيا"، هي نوع جديد ومتطور من أنواع "الشحدة" أو الاستجداء، في إشارة منها إلى المبالغ المالية التي تقدم على شكل منح للحركة من تلك الدول. وتضيف ضاحكة: "وبقول الله يستر عليه مفترق السرايا، لأنه شغال للي بيدفع أكثر"، في إشارة إلى أنّ الولاءات تباع لمن يدفع أكثر.

أما شادي خميس (30 عاماً)، وهو موظف في محل تجاري ويدرس العلوم السياسية، فيعتقد أن اللوحة ليست إلا إشغالًا للرأي العام الداخلي في مواقف خارجة عن المألوف، ويقول: "من خلال اللوحة ستعرف من الراعي الرسمي لحركة حماس ومن يدعمها".

لوحة واحدة بألقاب كثيرة

"وزارة الخارجية" ليس اللقب الوحيد الذي أطلقه المواطنون على اللوحة، إذ يضيف خميس مسمّى "يافطة الشكر" إلى القائمة. ويقول: "كان الأجدر أن يكتبوا عليها شكراً شعب غزة"، في إشارة منه إلى ما يتحمله الشعب من أوضاع مأساوية وأزمات بسبب سياسات حماس تجاه الدول المحيطة. وتقول تهاني نصر إنها من الناس الذين يطلقون عليها اسم "يافطة الشكر أو رمزون الشكر والرسائل الحمساوية للخارج"، موضحةً أن اليافطة شيء عام، وتقع في مكان عام، وكان الأفضل أن تلصق عليها عبارات تعبر عن رأي الشارع بشكل عام.

ولكن هل تنجح حماس في تشكيل رأي الشارع، وتوجيه هواه عبر الرسائل المبثوثة على اللوحة الإعلانية؟ يرى الكاتب والمحلّل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله، أنّ حركة حماس نجحت في إيصال رسائلها للداخل والخارج، بسبب الموقع المركزي والحيوي الذي اختارته لوضع لوحتها الإعلانية، وتحوّل مضمونها إلى خبر متداول. لكنه يرى أن تهكم المواطنين على اللوحة، غير ناتج عن سوء فكرة الإعلان عن المواقف عبر اليافطات بالضرورة، بل عن أداء حماس الذي يثير غضب كثيرين. برأيه فإنّ التهكّم على اللوحة هو انعكاس لانقسام الشارع ورفض الشريحة المعارضة لكلّ ما تقوم به الحركة، ولو كان مجرد التعبير عن مواقفها عبر لوحة إعلانيّة.

كلمات مفتاحية
غزة فلسطين

التعليقات

المقال التالي