التقريب بين المذاهب... المهمّة التي تخلّى عنها الأزهر

التقريب بين المذاهب... المهمّة التي تخلّى عنها الأزهر

المشهد الأوّل

كان يجلس بعمامته الأزهرية المهيبة، يتفحّص الوجوه من حوله بطمأنينة. كانوا يتناقشون طويلاً. قد لا يصل الحوار إلى شيء قاطع، ولكنّه كان يرى أنّ الحوار نفسه ضرورة وهدف كبير.

لا نعرف ما دار تحديداً في نقاشات طويلة امتدت على مدار اعوام. ولكن بحسب روايته، "كان يجلس المصري بجانب الإيراني أو اللبناني أو العراقي أو الباكستاني، أو غير هؤلاء من مختلف الشعوب الإسلامية ويجلس الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي بجانب الإمامي والزيدي حول مائدة واحدة، تدوي أصوات فيها علم وفيها أدب وفيها تصوّف وفيها فقه، وفيها مع ذلك كله روح الأخوة وذوق المودة والمحبة وزمالة العلم والعرفان".

هكذا كان الأزهر منارة للإسلام والتقريب، وهكذا كان شيخه محمود شلتوت.

أقوال جاهزة

شارك غردقبل الثمانينيات كان الأزهر رائداً في التقريب بين المذاهب الإسلامية، ما الذي تغيّر الآن؟

شارك غرديقال إنّ الأزهر يمثّل الوسطيّة، ولكن ربّما يكون ما يراه الأزهر وسطًا، هو تشدّد عند آخرين

المشهد الثاني

العمامة الأزهرية مستقرّة على رأسه، إلا أن حركات عصبية تبدو على محيّاه. يردد في الجملة ذاتها المعنى وعكسه. "لست ضد التشيع كمذهب وإنما ضد نشر المذهب بالمال"، يقول.

ويقول أيضاً: "المشيخة لاحظت واكتشفت أن هناك أموالاً تضخ لتحويل شباب أهل السنة إلى المذهب الشيعي. هجمة بعض الشيعة على أهل السنة قوية وشرسة، ونحن كأزهر قلعة أهل السنة والجماعة ليس باستطاعتنا أن نمد يدنا إلى مَن يشكك في عقائدنا ويسبّ صحابة رسولنا صلى الله عليه وسلم، ويتكلم بالسوء عن مولاتنا وسيدتنا عائشة رضي الله عنها".

بتصريحات مماثلة، يقطع الأزهر اليوم كل الصلات، ويرفض شيخه "الطيب" أحمد الطيّب أن يمدّ يده إلى مَن يختلفون عنه في المذهب.

بين هذين المشهدين تعيش أطياف الأمة الإسلامية، فمنهم المهتم بالتقريب بين المذاهب الدينية، وآخرون يرون في ذلك عبثاً وخروجاً من الملة، وفئة ثالثة ليست بالقليلة غير مهتمة بالتقريب.

الأزهر "المستقل" يقود التقريب

في وقت ما، كان الأزهر وعلماؤه يتمتعون بقدر من الاستقلال دفعهم إلى التفكير في إحياء فكرة التقريب بين المذاهب الفقهية، فجمعوا حولهم كبار العلماء من مختلف المذاهب. كان الدافع هو الغيرة على الإسلام والمسلمين فقط، من دون التطلع إلى منصب أو التقرب إلى نظام سياسي. ونجحت "لجنة التقريب بين المذاهب"، بريادة الأزهر، في تحويل التقريب من مجرد فكرة إلى عمل مشترك جاد، أثمر الكثير من الإنجازات التي ساهمت في إزالة الحواجز النفسيّة، وتصحيح المفاهيم بين السنة والشيعة.

كانت استراتيجية عمل اللجنة قائمة على الحوار وليس الجفاء، فتلاقت كل المذاهب على مائدة واحدة للتباحث وفتح الباب أمام إسلام واحد بلا مذاهب أو خلافات. كان الحوار هو الوسيلة لا التهديد والترهيب، أو الإنذار والوعيد. ولذلك نجحوا في إصدار الموسوعة الفقهية باعتماد المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية: الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي، والجعفري، والزيدي، والإباضي، والظاهري.

وضمّت لجنة التقريب قرابة عشرين عضواً، من بينهم محمد علي علوبة باشا وزير الأوقاف والمعارف وأحد كبار المصلحين في مصر آنذاك، والشيخ عبد المجيد سليم رئيس هيئة الفتوى بالأزهر، والشيخ أحمد حسين مفتي وزارة الأوقاف، والشيخ محمود شلتوت الذي كان عضواً في هيئة كبار العلماء ثم صار شيخاً للأزهر، وآخرين...

ومن أبرز إنجازات اللجنة مجلة "رسالة الإسلام" التي كان كتّابها مزيجاً من علماء السنة والشيعة، واستمرت في الصدور قرابة 16 عاماً، وأهم ما ميّزها هو الشعار المُثبت على غلافها، والذي كان عبارة عن آية قرآنية من سورة الأنبياء: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". كما فكّر أعضاء اللجنة في إصدار تفسير للقرآن يجمع عليه السنة والشيعة، وبالفعل قدَم الشيخ شلتوت "مجمع البيان لعلوم القرآن" للإمام العبد أبو الفضل بن الحسن الطبرسي، أحد كبار علماء الشيعة الإمامية، واستغرق إصدار هذا العمل عشرين عاماً، من 1958 حتى 1978.

وفي يناير 1959، نطق شلتوت بفتوى صريحة رنانة حرّكت المياه الراكدة. فردّ على سؤال: "بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة، وليس من بينها مذهب الشيعة الإمامية، ولا الشيعة الزيدية فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية مثلاً؟". أجاب الشيخ: "إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتّباع مذهب معيّن، بل نقول إن لكل مسلم الحق في أن يقلّد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً صحيحاً والمدوّنة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمَن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره، أي مذهب كان، ولا حرج عليه في شيء من ذلك".

وأضاف في الفتوى الرسمية التي نُشرت في مجلة "رسالة الإسلام": "إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية هو مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة، وينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معيّنة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى ويجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد تقليدهم، والعمل بما يقرِّرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات".

مبادرة أحمد كريمة

يتبنّى الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، مشروعاً للتقريب بين المذاهب. لم يفصح عن تفاصيل أو أسماء الأزهريين الداعمين له، ويزعم أنه حصل على موافقة أمنية من الجهات المختصة من أجل تفعيله، إلا أنه يؤكّد أنَّ المشروع بعيد عن مؤسسة الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية.

وأوضح كريمة أنّه بصدد عقد مؤتمر محلي في القاهرة يوم 20 أغسطس المقبل، يعلن فيه عما تمّ إنجازه وعن آليات عمل لكيان التقريب، لافتاً إلى أنه لا يملك الميزانية الكافية لعقد مؤتمر دولي ودعوة شخصيات من خارج مصر. وأكّد أن بعض علماء الأزهر والأوقاف سيشاركون فيه، لافتاً إلى دعوته شخصيات مسيحية من لجنة الإخاء الديني، للتأكيد على رغبته في لمّ الشمل من خلال التقريب مع الشيعة والإخاء مع المسيحيين.

ويوضح كريمة لـ"رصيف22" أن المشيخة لا ترفض التقريب، والأزهر لا يجرؤ على تكفير الشيعة أو تحريم التقريب، مؤكداً أن بعض مَن يهاجمونه جعلوا الأزهر حكراً عليهم أو "عزبة" خاصة بهم ويقصون مَن يختلف معهم، "وهم أعداء وحدة المسلمين وأغلبهم من السلفيين"، منتقداً شخصيات ترفض التقارب مع الشيعة والإباضية ولكنّها تفاخر بلقاءاتها مع شخصيّات صهيونيّة.

أزهريون رافضون

وتعليقاً على هذه المبادرة، قال الدكتور عبد المنعم فؤاد، عميد كلية العلوم الإسلامية في جامعة الأزهر، أن ما يقوده كريمة من مبادرات هو أمر خاص به ولا يعني بالضرورة أنه يمكن تطبيقه، مؤكداً أن الإقرار بإمكانية التقريب يعني الموافقة على ما يفعله الشيعة في إيران والعراق.

وأشار فؤاد إلى أن إيران هي السبب الرئيسي في المشاكل التي تواجه العالم الإسلامي "بعدما نصّبت نفسها مدافعاً عن كلّ شيعي". وأكد أن الأزهر من الممكن أن يؤدّي دور التقريب بشرط أن يكف الشيعة عن إراقة الدماء في العراق، ذاكراً أن مشيخة الأزهر شكّلت لجنة لمواجهة التشيع يشرف على عملها الدكتور أحمد الطيب.

من جانبه، قال الدكتور علي عبد الباقي شحاتة، أمين عام مجمع البحوث الإسلامية الأسبق، أن الأزهر اهتم بالتقريب بين السنة والشيعة منذ الأربعينيات، وأسس لجنة التقريب بين المذاهب التي ظلت تقوم بدورها على أتم وجه حتى قيام الثورة الإيرانية، ولكن بعدها تغيّرت الأحوال السياسية ولم يلتزم علماء الشيعة بما كانت تقره اللجنة فانقطعت الصلات والروابط بينهم وبين الأزهريين.

ورجّح شحاتة فشل جهود التقريب حتى تغيّر إيران سياساتها. وطالب بإعادة إحياء لجنة التقريب بين المذاهب ووضع إستراتيجية جديدة تنظم عمل اللجنة، بإشراف مباشر من الأزهر وشيخه، حتى لا تثار الشكوك حول الأشخاص الذين يدعون إلى التقريب بين السنة والشيعة ولا يُتّهمون بالتربح أو اعتبار مبادراتهم ستاراً لنشر التشيع في مصر والدول الآخرى.

هل يخشى الأزهر التعاون مع الشيعة؟

هذا سؤال طرحه البعض خاصةً بعد التحقيق مع الدكتور أحمد كريمة بسبب سفره إلى إيران قبل عدّة أشهر، ما جعله من المغضوب عليهم والمطرودين من جنة "الطيب" في المشيخة.

ويقول القيادي الشيعي المصري سالم الصباغ أن الأزهر اعترض على مبادرة كريمة، ورفض أن يقوم بدور التقريب أيّ فرد حتى لو كان منتمياً إلى المؤسسة، لافتاً إلى أنه ربما يكون هنالك تخوّف من تحوّل البعض إلى المذهب الشيعي. ولكنّه أكّد أن المقصود من التقريب هو التعايش السلمي بين المذاهب وحرية ممارسة الشعائر وليس إجبار كل طرف للآخر على تغيير معتقده.

ويضيف لـ"رصيف"22 أن المبادرات والأفراد لن يتمكنوا من إحداث تغيير في ثقافة الناس، ولا بدّ أن يتدخل الأزهر للحدّ من الحملة الشرسة التي تُشنّ على الشيعة. وبرأيه، إن لم يعلن الأزهر تبنّيه لمشروع التقريب فعلى الأقل ليعطِ موافقة للدكتور أحمد كريمة أو غيره على مواصلة التحرّك، معتبراً أن مشروع التقريب أصبح ضرورة ويجب تنفيذه بشكل عالميّ أو إقليميّ من خلال مؤسّسة كبرى لها صفة عالمية كالأزهر.

ويشدّد الصباغ على أن الإرادة السياسيّة ستساهم بشكل كبير في عودة الأزهر إلى ما كان عليه في الأربعينيات حتى بداية الثمانينيات، شارحاً أنّ الأمور لم تتعقّد إلا بعد الخلافات السياسيّة بين مصر وإيران، ومتمنياً أن يجتمع علماء الأزهر بالحوزات الدينية، ويعلنوا بداية جديدة من التسامح وتقبّل الآخر.

مفاهيم الأزهر فضفاضة؟

ويقول عبد الغني هندي، خبير الشؤون الدينية والأوقاف في مجلس الشعب ومؤسس الحركة الشعبية لاستقلال الأزهر، إنه طوال الوقت تتوالى التصريحات بأن الأزهر يقوم على التعددية المذهبية وأنه يمثل الوسطية، ولكن ربّما يكون ما يراه الأزهر وسطاَ هو تشدّد عند أخرين، لافتاً إلى أن المفاهيم الفضفاضة هي السبب في الفجوة بين المذاهب، ولذلك إذا حدّدناها ووضعنا كل مفهوم في إطاره الصحيح لن نحتاج إلى تقريب، لأن المذاهب الدينية هي وجهات نظر كلّها تحتمل أن تكون صواباً أو خطأ، ولا وصاية لمذهب على آخر.

ويوضح لـ"رصيف22" أنّ الأزهريين مشغولون بالتقريب الكلامي والخطب، ولكن يجب أن نرى النموذج العملي الذي تقدمه المؤسّسة حول التعايش بين المختلفين وأصحاب الديانات الأخرى، لا أن نكتفي ببيان كلامي أو خطاب عن تقبّل الأخر، لأن العالم يقيّمنا على أساس احترامنا للحريات والأقليات واحترامنا للآخر.

واعتبر أنه لا بد من أن نعترف بأنّ لدينا جماعات ظلامية تُركت منذ الثمانينيات ترتع في الأزهر كما تشاء واستحوذت عل عقول الشباب والطلاب وصدّرت لهم المفاهيم المتطرفة التي تنبذ الآخر.

التعليقات

المقال التالي