القمة العربية في موريتانيا "ولو تحت الخيام"

القمة العربية في موريتانيا "ولو تحت الخيام"

"سننظّم القمة العربية ولو تحت الخيام"، قال الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بحماس في خطاب ألقاه، قبل شهرين. يقترب موعد انعقاد القمة في 25 و26 يوليو الجاري، وتصاحب ذلك سجالات عدّة منها موضوع "الخيام".

وتستضيف موريتانيا القمة للمرّة الأولى منذ انضمامها إلى جامعة الدول العربية سنة 1973، وذلك بعد اعتذار المملكة المغربية عن عدم استضافتها.

ترميم نواكشوط ونصب الخيمة والسكن

بعد موافقة موريتانيا على تنظيم القمة العربية، طُرحت تساؤلات حول جاهزية نواكشوط لاستقبال الضيوف العرب. لذلك، بدأ العمل على تطوير بعض الطرق في تفرغ زينة، المقاطعة المرفّهة من العاصمة حيث ستعقد القمة، إضافة إلى مناطق أخرى محاذية لها.

أقوال جاهزة

شارك غردستُعقد القمة في خيمة كلّف تشييدها أكثر من مليون دولار، لعدم وجود قاعات اجتماعات كبيرة في نواكشوط

شارك غردإجلاء المتسوّلين والباعة الجوّالين من شوارع العاصمة، كي لا يرى ضيوف القمة مظاهر الفقر

واستدعت الترميمات الكثير من الانتقادات، فصفقات الترميم أتت بالتراضي، ومُنحت التعهّدات إلى مقرّبين من الرئيس. ويبدو أنَّ الأخير كان صادقاً حين قال إن القمة ستُعقد في خيمة، إذ شيّدت خيمة كلفت 700 مليون أوقية (مليونين و340 ألف دولار) وفيها ستعقد جلسات القمة، وكانت صفقتها بالتراضي أيضاً من دون إجراء مناقصة، وذلك لعدم توفّر قاعة مؤهّلة للغرض المنشود في نواكشوط.

لم تكن الطرق ولا القاعة العائق الوحيد، فسكن الضيوف عائق أكبر، لأنّ القطاع الفندقي في العاصمة الموريتانية ضعيف وهي تخلو من فنادق النجوم الخمس، ما جعل المشرفين على القمة يتّجهون إلى استئجار منازل رجال الأعمال الفارهة حتى يوفروا أماكن لائقة للضيوف، ويسدّوا النقص في الفنادق الموجودة.

قمة التسوّل!

تداول بعض الصحافيين على شبكات التواصل هاشتاغ #قمة_التسول للحديث عن تنظيم الحدث. ونشر نشطاء أخباراً تفيد بأن دولاً خليجية قدمت لموريتانيا بعض الهدايا كمساعدة على تنظيم القمة. وقدمت عمان 16 سيارة مصفحة، وقطر 20 سيارة إضافة إلى أخرى من السعودية والكويت، عدا عن مبالغ مالية من دول خليجية. والجدير بالذكر أن أعمال تطوير الطرقات تمت بتمويل سعودي.

لبنان ورئيس حكومته في مرمى النيران

تداول بعض النشطاء الموريتانيين خبراً منسوباً إلى صحيفة "الجمهورية" اللبنانية يقول إن رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام والوفد المرافق له لن يبيتوا ليلتهم في نواكشوط عقب اجتماعات القمّة العربية بل في المغرب، "لأسباب صحّية وبيئية، بعدما تبيّنَ أنّ فنادق موريتانيا المخصّصة لاستقبال الوفود العربية لا تتمتّع بالمواصفات الصحية التي تَسمح بإقامة سليمة على رغم التدابير الاستثنائية التي اتّخَذها الوفد إلى القمّة باصطحاب كمّيات كبيرة من المواد والمبيدات الضرورية".

أثار ذلك حفيظة بعض الكتاب والصحافيين الموريتانيين، وخلق جدلاً واسعاً. وكتب الصحافي الموريتاني حسن المختار: "أودّ أن أعرف كيف تأتّى لرئيس الوزراء اللبناني تمام سلام أن يجد مكاناً ينام فيه في لبنان ومساحته 10 آلاف كلم مربع فقط لا غير، وألا يجد مكاناً ينام فيه في موريتانيا ومساحتها مليون وربع مليون كلم مربع؟".

وأضاف: "نحن في موريتانيا لا ندّعي أننا دولة غنيّة، ولا دولة سياحيّة، ولكن فقرنا وعزوفنا عن اقتصادات السياحة، لا يمنعان أيضاً من أن يكون في عاصمتنا فندق أو بيت أو حتى فيلا لائقة لاستضافة دولة الرئيس سلام. وإن لم تكن فنادقنا تتسع لضيوفنا وأشقائنا، فبيوتنا تتسع لذلك، وعيوننا تتسع لذلك، وقلوبنا تتسع لذلك. ولا داعي للتجريح واختلاق تراشقات لفظية تافهة كهذه، فنحن كلنا إخوة في العروبة والإسلام".

وبدوره كتب الصحافي الشيخ سيدي عبد الله: "أستغرب من حكومة أغرقت شعبها في (الزبالة) لدرجة أصبحت الجملة الأكثر تداولاً هناك هي "طلعت ريحتكم"، استغرب من جسارتها على رمي الآخرين بالحجارة". وتابع: "بودّي لو تذكّرت الصحافة اللبنانية قول الأخطل الصغير (بشارة الخوري) مخاطباً بيروت: لهفي عليك فكل يوم مصرع/ للحق فيك وكل عيد مأتم/ والأمر أمرك لو رجعت إلى الهدى/ الحب يبني والتباغض يهدم".

وختم كلامه بنصح الوفد الموريتاني المستقبل لنظيره اللبناني باستخدام القفازات، "فالجراثيم لا وطن لها".

وأمام هذه الموجة من التهجّمات التي طالت لبنان بلا تمييز، انبرى بعض الموريتانيين لصدّ هذا الهجوم. فكتب الصحافي زايد محمد: "قبل أن تستقل موريتانيا كانت لبنان تسمى سويسرا العرب، حقيقة وليست مجازاً وليست من تأليف مدير إذاعة لبنان الدولية. لبنان دوحة غناء حباها الله الجمال الطبيعي وكانت رمزاً للسياحة قبل أن تستقل موريتانيا. لبنان قبل استقلال موريتانيا كانت تمتلك أكبر دور النشر في العالم العربي".

وسخر المدوّن الشيخ مزيد من الهبة الغاضبة وكتب: "بيروتُ بكامل زينتها وإرثها المعرفي المُبهر، وضفيرتها المخضبة بالذّهب، لبنانُ العظيمة أضحت قمامة العالم ومجرّد ارتجالٍ من مناحي التاريخ ومدينة نواكشوط بملابسها المُرقّعة وجسدها الوسخ وملامحها الدّميمة أصبحت ساندريلا المدن. موريتانيا ذات الستين خيمة وأطنان الأوساخ في الشعب والشوارع والمدن أصبحت ابتسامة العالم! إني أمدُ لساني فيكم... أقهقهه بفظاعة. ما اتفهكم!".

تقطيع أوصال نواكشوط واعتقالات

التحضير للقمة ألقى بظلاله على حياة سكان نواكشوط، فالأشغال كدّرت صفو حركة السير لكن ذلك لم يكن المكدر الوحيد. فبسبب القمة أُعلن عن مجموعة من القرارات التي تشل الحياة اليومية للمواطنين، حيث قررت السلطات الموريتانية إغلاق أكبر سوقين في المدينة هما سوق الخضار والمواد الغذائية المعروف بـ"مرصة المغرب" والسوق المركزي المعروف بـ"مرصة كبيتال"، إضافة إلى سوق الهواتف المحمولة الأشهر في العاصمة والمعروف باسم "سوق نقطة ساخنة".

وكذلك، حظر توقّف السيارات في الشوارع الرئيسية في العاصمة، خصوصاً في حي تفرغ زينة حيث سيقضي أغلب الوفود أيامهم. وهنالك أحاديث عن إغلاق منطقة استضافة القمة وقطع الصلة بينها وبقية مناطق العاصمة.

وتم إجلاء المتسوّلين والباعة الجائلين، في محاولة لحجب كل مظاهر الفقر عن أعين ضيوف نواكشوط، وطلبت مجموعة نواكشوط الحضرية من السكان، طلاء منازلهم ومحالهم.

كل ما سبق، يُضاف إليه اشتداد القمع وازدياد عدد المعتقلين. فمدينة نواكشوط أصبحت مكاناً محرّماً على المحتجين. وفي الأسابيع الماضية حدثت العديد من الاعتقالات وزُجّ بالكثيرين في السجن.

وقد منعت السلطات الموريتانية أيضاً الكاتب السويسري المصري الأصل طارق رمضان من دخول موريتانيا، ورحّلته من المطار. وكان رمضان قادماً لإلقاء محاضرات بدعوة من جمعية محلية، وقد ربط البعض بين المنع وبين السعودية وبعض الدول الخليجية التي لا يروق لها.

وحتى أن السلطات منعت تجمعاً لحزب "حاتم" المعارض، كان ينظمه في فندق. وتهدف موجة القمع تلك بحسب البعض إلى خنق أي صوت قد ينغّص راحة الوفود العربية.

سجالات أخرى

نقاشات القمة العربية كانت صاخبة في موريتانيا وكانت النخب تحاول أن تقدم مقترحات حولها، وعقدت ندوات حول القمة العربية، لكن مداخلة لسفير موريتاني سابق في إحدى تلك الندوات أثارت جدلاً واسعاً، إذ قال إنه على الموريتانيين فاتحي البشرة الخروج بكثافة أيام القمة العربية ليراهم الضيوف العرب ويعرفوا أننا دولة عربية!

جدل القمة لا ينتهى ونقاشاتها متعدّدة ومن أطرفها هاشتاغ #صبا_صبا الذي أطلقه نشطاء كنوع من السخرية من التجهيزات التي قد تفسدها زخات المطر، فنواكشوط يحوّلها المطر إلى مستنقع كبير لغياب قنوات الصرف الصحي فيها.

وكما لو أن النقّاد تنبأوا بما سيحصل. فقد نزل المطر قبل ثلاثة أيام من القمة وتحوّلت شوارع مدينة نواكشوط إلى برك كبيرة يصعب معها التحرك، ما أدى بالجهات المعنية إلى محاولة شفط المياه بطرق بدائية عبر صهاريج. وبالرغم من أن نسبة هطول الأمطار لم تتجاوز 20 ملم، إلا أنها تسربت إلى داخل مطار نواكشوط وذلك بعد أن سقطت أجزاء من سقفه.

ويذكر أن المطار دشّن قبل شهر وروّج له النظام كإنجاز عظيم وهذه قصة أخرى.

أحمد ولد جدو

مدون وناشط موريتاني مساهم في منصات عربية أخرى، مهتم بالكتابة عن السياسة والحريات في موريتانيا والعالم العربي.

التعليقات

المقال التالي