عشر سنوات على عملية اختطاف "شاليط": كيف يقيّمها شباب غزة والجنوب؟

عشر سنوات على عملية اختطاف "شاليط": كيف يقيّمها شباب غزة والجنوب؟

دقت ساعة الصفر، وتمت عملية اختطاف الجندي الإسرائيلي "جلعاد شاليط" فجر 25 يونيو 2006، على أيدي مجموعة مقاومين فلسطينيين من داخل موقع عسكري إسرائيلي على الحدود الشرقية لمدينة رفح جنوب قطاع غزة، فجنت تل أبيب.

بعد أقل من أسبوعين، وتحديداً في 12 يوليو 2006، حدث اشتباك بين مقاومين من حزب الله اللبناني، وقوات إسرائيلية بالقرب من الحدود، أدت إلى اختطاف حزب الله الجنديين "إيهود غولدفاسر" و "إلداد ريغف". كانت تلك لحظة الانفجار. جن جنون رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ووزير جيشه عمير بيرتس، واندلعت حرب لبنان الثانية أو حرب "تموز".

عقد كاملٌ مر على تلك الحرب، كان خلالها سكان غزة ولبنان، خصوصاً المناطق الجنوبية، الأكثر تأثراً بتداعياتها. لكن كيف مر هذا العقد الأخير عليهم، بعدما دخل اسم شاليط التاريخ لأول مرة؟ كيف يقيّمون عمليات الخطف التي حدثت في الأمس حين ينظرون إليها اليوم؟

ثمن باهظ أم تضحية

قد يختلف سكان فلسطين حول إن كان اختطاف شاليط قراراً حكيماً، ونوعاً من المقاومة أم لا. لكنهم بلا شك يتفقون على أن السنوات التي تلت الاختطاف كانت مريرة.

بعضهم، كعبد الله محمود شرشرة، 26 عاماً، والذي يعمل محامياً في مدينة غزة، يرى أن الثمن كان باهظاً جداً، لكنه يستحق هذا القدر من التضحيات. ويقول: "عمت الفرحة بين المواطنين للإنجاز الذي قامت به المقاومة الفلسطينية، ولكن سرعان ما بدأت الضربات الإسرائيلية والغارات والاجتياحات".

ترتب على الاختطاف، وبعد ثلاثة أيام فقط، استهداف مباشر لجميع محولات محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع. الأمر الذي فاقم أزمات المستشفيات، وعمل البلديات وصعوبة وصول المياه للمواطنين، ونشر الخوف والرعب أثناء تمضية فترة الليل على أضواء وأصوات الصواريخ الإسرائيلية.

أقوال جاهزة

شارك غردهل الشعوب مع المقاومة؟ وما الذي يدفع أفراداً يعانون بشكل يومي إلى عمليات ينتج عنها عدوان مدمر لمدنهم وحياتهم؟

شارك غردكيف يقيّم شباب من غزة والجنوب اللبناني عمليات الخطف التي حدثت في الأمس حين ينظرون إليها اليوم؟


"استهدفت محطة توليد الكهرباء في منتصف الليل، ليعم السواد مع صوت القصف ويدخل الخوف والرعب في نفوسنا"، يضيف شرشرة. وقد استمر السواد لسنوات، فلم تعد الكهرباء بشكل منتظم إلى غزة بعد تلك الضربة.

تغيرت كذلك حياته كغيره من الشباب. أُغلقت المعابر وحوصرت المدينة. ويوضح: "بدأ تأثير العدوان المتواصل وفرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، يظهر يوماً بعد يوم، باختفاء البضائع من الأسواق، وضياع مستقبل العديد من الشباب لعدم تمكنهم من السفر للخارج للدراسة أو العمل، إضافة إلى انتشار الفقر والبطالة، ونقص الأدوية والمعدات في المستشفيات". لم يتمكن شرشرة من السفر لدراسة الماجستير، وألغى فكرة إتمام تعليمه في الخارج. لكنه حتى اليوم يؤكد على تأييده لعملية الاختطاف، ومثله يفعل الكثير من سكان قطاع غزة.

استمرت الهجمات والضربات على غزة، وبقي شاليط أسيراً. فكان عدوان عام  2008 - 2009، بهدف تحريره، ولم يتمكن من ذلك. ثم تمت صفقة تبادل الأسرى عام 2011 بوساطة مصرية، ليعود شاليط إلى إسرائيل مقابل تحرير 1027 أسيراً فلسطينياً من السجون الإسرائيلية.

يرى الكثير من سكان القطاع، أن الألف أسير ما كانوا ليتحرروا لو لم يتم اختطاف شاليط. ومن ضمنهم فرج بربخ، 38 عاماً، يعمل في مؤسسة أهلية في مدينة خانيونس جنوب القطاع، الذي يرى أن تحرير السجناء يستحق الثمن الباهظ الذي دفعه هو وسكان القطاع، وأن المقاومة الفلسطينية واللبنانية هي الهيبة التي أرغمت الاحتلال الاسرائيلي على كسر معادلات كبيرة.


لكن الضربات لم تنته. فقد واجه قطاع غزة العدوان الثاني عام 2012 الذي بدأ بقصف إسرائيل سيارة القائد العسكري في كتائب عز الدين القسام "أحمد الجعبري"، والذي رافق شاليط منذ بداية اختطافه وحتى تسليمه. واستمر الوضع في غزة في التأزم، والحياة في الاختناق. وأصبح تصور مستقبل للأجيال القادمة صعب في ظل الحصار المستمر. "أخشى على مستقبل أبنائي من المصير المجهول الذي ينتظرهم،" يقول بربخ.

من الصعب معرفة رأي سكان قطاع غزة بالمقاومة، التي تتمثل بحماس وجناحها العسكري كتائب عز الدين القسام في غزة وبحزب الله في لبنان. ويجد الكثير منهم حرجاً في انتقادهم علناً، أو من خلال الإعلام، كي لا يتهموا "بالخيانة". كما أنه لا توجد استطلاعات رأي دقيقة ومحايدة لقياس شعبية المقاومة خلال السنوات العشر الأخيرة في فلسطين.

لكن نبرة الغضب والتذمر من سوء الأوضاع المعيشية في تصاعد مستمر. تقول نور نعيم، 28 عاماً، من مدينة غزة، التي تعمل في مجال الصحافة المكتوبة، "إن الهدف من اختطاف شاليط هو التوصل لصفقة تبادل أسرى مشرفة. لكن ذلك لم يتحقق. فعلى الرغم من فرحة الناس، فالإفراج عن أكثر من 100 أسير، إلا أن الكثير منهم كانوا قد شارفوا إنهاء مدة محكوميتهم، وكان سيتم الإفراج عنهم بعد فترة وجيزة. بينما تمت إعادة اعتقال عدد من الأسرى المحررين بعد مدة، إذ لم يكن هناك ضمانات بعدم المساس بهم".

"منذ اختطاف شاليط ودخولنا في مواجهة مستمرة مع الاحتلال على مدار السنوات الماضية، وخسارتنا المادية وآلاف المواطنين، فكرت كثيراً ولم أجد أي مبرر يجعلنا نخوض تلك المواجهات المكلفة"، تضيف نعيم.

واستغربت ما تقوم به المقاومة من اختطاف جنود إسرائيليين، متسائلة: "هل كان يمثل شاليط للمقاومة صيداً أثمن من الحفاظ على أرواح ومقدرات وموارد قطاع غزة المحدودة، في ظل حصارها ومقاطعتها من العالم؟".

وتابعت: "كل هذه الدوامة التي نعيشها مع العنف المتبادل، لا أجد لها مبرراً. فالمقاومة مطلوب منها أن تدافع عن شعبها وأن تكون أكثر عقلانية في انتزاع حقوقهم لا أن تخسر الأرواح دون مقابل".

جنوب لبنان

لا شك أن قطاع غزة دفع الفاتورة الأكبر لعمليات الاختطاف، لكنه لم يكن وحده. فقد دفع سكان الجنوب اللبناني ثمناً أيضاً. وفي حين اختلفت آراء أهل قطاع غزة بين مؤيد ومعارض لعمليات اختطاف الجنود الاسرائيليين، ما زال بعض سكان الجنوب يؤيدون ما قام به حزب الله وفصائل المقاومة في غزة من عمليات خطف للجنود الإسرائيليين.

جوديت منصور (25 عاماً)، تحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها، تسكن في قرية رميش في أقصى الجنوب اللبناني. لا تبعد القرية سوى بضعة كيلومترات عن الحدود الشمالية لفلسطين التاريخية. تقول منصور عن استقبالها لنبأ اختطاف شاليط: "عند سماعنا بنبأ اختطاف شاليط، شعرنا بالفخر، وكأننا نحن من قمنا بالعملية، لأننا نشعر بأن مقاومة العدو الإسرائيلي واجب على كل إنسان عربي".

وفي الوقت الذي كان يعاني فيه قطاع غزة من هجمة عسكرية إسرائيلية، نشبت المعارك والهجمات في القرى والمناطق التابعة لحزب الله جنوب لبنان. وشنت القوات الإسرائيلية غاراتها على محطة الكهرباء، ليغرق الجنوب اللبناني في عتمة تشبه عتمة غزة، ويعيش المواطنون خوفهم على أضواء وأصوات الصواريخ.

يقول نديم الرز، 26 عاماً، يعمل مصور ومحرر في قناة الجديد – NewTv من مدينة صيدا اللبنانية: "لا يوجد بديل عن المقاومة اللبنانية والفلسطينية، ووجودها دليل على أن شعوب المقاومة لن تسكت ولم تنس"، واصفاً ردة فعل مدينته على نبأ الاختطاف بالفرح والاحتفال، رغم عِلم المواطنين هناك بأن عملية عسكرية إسرائيلية باتت حتمية، وستشن على قراهم.

انسحب الجيش الإسرائيلي  في 14 أغسطس 2006 بناءً على قرار "وقف الأعمال العدائية" الذي نص عليه القرار 1701 لمجلس الأمن الدولي، والذي ينص على "إنهاء العمليات القتالية من كلا الجانبين. وإضافة 15000 جندي لقوة (يونيفيل) لحفظ السلام، مع انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى الخط الأزرق، وانسحاب قوة حزب الله إلى شمالي نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب اللبناني.

لكن الانقسام يبقى كبيراً في باقي المناطق اللبنانية حول شرعية الدور الذي يلعبه حزب الله اليوم، وإصراره على حمل راية المقاومة وحده وتوجيه مدفعيته في الاتجاه الذي يختاره. بينما يدفع السكان ثمناً لهذه الخيارات بدون أن يكون لهم دور فيها.

هل الشعوب مع المقاومة؟

هل الشعوب مع المقاومة؟ وما الذي يدفع أفراداً يعانون بشكل يومي في قطاع غزة إلى عمليات ينتج عنها عدوان مدمر لمدنهم ومجتمعاتهم وحياتهم؟

الكاتب والمحلل السياسي الدكتور ناجي شراب الذي يعمل بجامعة الازهر بغزة، رأى أن الشعوب غالباً مع خيار فكرة المقاومة، لأنها تدافع عن الأرض المحتلة وحرية المواطنين وتدفع من أرواح رجالها في سبيل دحر المحتل.

لكن ميل الشعوب لمساندة المقاومة لا يعني تأييدها لمن يمثلها في الوقت الحالي، كحزب الله في الجنوب اللبناني، أو حماس التي تفرض سيطرتها على معظم الفصائل المقاومة في غزة خصوصاً بعد انخراط حزب الله في الحرب في سوريا، وفتحه جبهة جديدة دفاعاً عن النظام السوري الحالي، وبعد تمسك حماس بالحكم وجمع الضرائب الباهظة من المواطنين في غزة. ويرى شراب أن عمليات خطف الجنود يجب أن تخضع للعديد من الاعتبارات السياسية والجغرافية، على الرغم من اعتبارها انجازاً للمقاومة. مضيفاً أنه لا يمكن التعويل كثيراً على هذه الآلية.

"ماذا لو كانت نتيجة اعتقال جندي هي حرب شاملة شرسة على قطاع غزة أو غيره ولم يصمد الناس؟" يقول مستشهداً بتصريح الأمين العام لحزب الله اللبناني، حيث قال " لو علمنا أن عملية الأسر ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً".


وشدد دكتور شراب على أن خطف الجندي شاليط وأسره كان بمثابة ذريعة لإسرائيل لضرب وتدمير الأهداف التي تريدها والبنية التحتية سواء في قطاع غزة أو في الجنوب اللبناني، متسائلاً "هل يساوي هذا الجندي الأضرار التي حدثت؟". هو يرى أن الثمن الذي دفعته الشعوب أكبر بكثير من قيمة هؤلاء الجنود.

التعليقات

المقال التالي