في ذكرى 30 يونيو... هل يتصالح النظام المصري مع الإخوان؟

في ذكرى 30 يونيو... هل يتصالح النظام المصري مع الإخوان؟

ليست المرة الأولى التي يتردد فيها حديث المصالحة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، على مدار الأعوام الثلاثة الماضية. فتعددت الأطراف الساعية لإعادة دمج الإخوان في الحياة السياسية المصرية من أحزاب وشخصيات عامة، لكن تصريح وزير الدولة للشؤون القانونية مجدي العجاتي، حول أهمية التصالح مع الإخوان، مستهدفاً وحدة المجتمع، تطرح للمرة الأولى من جانب أحد أعضاء الحكومة، مبادرة مؤيدة للتسوية السياسية والمصالحة.

عززت تصريحات المستشار العجاتي المكلف إعداد قانون حول العدالة الانتقالية، التي قد تكشف عن نية داخل الدولة لفرض المصالحة مع الجماعة، التحركات التي يقوم بها مستشار الرئيس للشؤون الدينية الشيخ أسامة الأزهري، ولقاءاته مع عدد من السجناء المنتمين للإخوان والتيار الإسلامي بوجه عام، بهدف الدفع بالمراجعات الفقهية التي تتبنى العنف ضد الدولة.

وبالرغم من وجود بعض المؤشرات الإقليمية التي تدعم اتجاه الدولة لحسم الصراع مع الإخوان، ومنها التحالف المصري السعودي الذي تقوده الأخيرة نحو جذب الأطراف السنية في المنطقة لمواجهة النفوذ الإيراني الشيعي، وفي محصلته إعادة بناء دور جديد لمنظمات الإسلام السياسي التي تعتبرها المملكة معتدلة، كالإخوان المسلمين، لكن ثمة تعقيدات ترافق سيناريو المصالحة وتواجه الإخوان والدولة. فالنظام المصري منذ 3 يوليو 2013، بني جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية علي معاداة الإخوان. ويحمل خطابه السياسي إدانة بضلوعهم في أعمال عنف، لا سيما حادث تفجير مديرية أمن الدقهلية، الذي اعتبرت الجماعة على إثرها تنظيماً "إرهابياً". ما يجعل التسويق الإعلامي لفكرة المصالحة وقبول مؤيدي النظام بها، أمراً ليس سهلاً.

موقف الجماعة

من ناحية أخرى، لا تزال الجماعة تتمسك بعدم الاعتراف بشرعية السلطة الحالية، والصراع مع الدولة وما تكبدته الجماعة من أحكام بالسجن ومصادرة أموالها، وقتل كثير من أعضائها في مواجهات مع الأمن، خلق قطاعاً أكثر راديكالية ويرفض التصالح مع السلطة.

أقوال جاهزة

شارك غردما حقيقة الحديث عن أهمية التصالح مع الإخوان في هذه المرحلة؟


يرى عضو مجلس شورى جماعة الإخوان الدكتور جمال حشمت، أن دعاوى المصالحة التي يطلقها النظام من حين لآخر كاذبة. ويعتقد بعدم جدوى أي مشروع للمصالحة يجري من طرف واحد يحاول فرض إرادته، وتعمل ماكينته الإعلامية على تشويهه.

ويقول لرصيف22:" شروط المصالحة هي اختفاء السيسي من المشهد، وعدالة انتقالية للقصاص ممن تورطوا في دماء المصريين، واستعادة المسار الديمقراطي، ممثلاً في عودة الرئيس مرسي، وإبطال كل ما تم الاتفاق عليه من بيع مقدرات مصر وحقوقها التاريخية".

ويضيف المتحدث باسم حزب الحرية والعدالة، الجناح السياسي للجماعة: "لا أرى أفقاً لمصالحة مع النظام حالياً، ولا توجد رؤية مستقر عليها داخل الإخوان تجاه هذا المسار. فهذا النظام لا يمكن التنبؤ بمسار منطقي تتوقع منه تصرفاته. ففي اليوم الذى صدر فيه تصريح العجاتي، صدر أيضاً تصريح آخر لوزير الأوقاف عكس مدلول هذا التصريح".

ويشير إلى أن الاجتماع الأخير لمجلس شورى الجماعة، أقر تشكيل لجنة مهمتها صياغة رؤية للجماعة في المستقبل، وتقييم الأخطاء التي وقعت فيها. ويوضح أن من بين الأخطاء: "عدم بناء تحالف ثورى جبهوي ضد الثورة المضادة، ولا أعفي جميع الأطراف من ذلك. و يبدو أن عدم الحرص على ذلك كان متبادلاً بين الجميع. ما يعكس عدم إدراكهم لقوة الموروث الذي كنا نواجهه من الدولة، والموقف الجذري لمؤسسة الجيش ضد ثورة يناير، وربما لم يكن يجهر بعكس ذلك في التيارات كافة، إلا أفراد معدودون. لذلك نسج الجميع في فترات مختلفة علاقات مع الجيش أضرت بالثورة".

وصرّح أحد القيادات الشبابية لجماعة الإخوان، فضل عدم ذكر اسمه، أن حديث المصالحة بين النظام والإخوان يجري منذ مدة طويلة، سبقت الفترة التي قبض فيها على القيادي الإخواني محمد علي بشر. وكان الطرف الوسيط الذي تحدث مباشرة مع الدكتور سعد الكتاتني، وأحد قيادات الجيش، لكنها باءت بالفشل وأسفرت عن اعتقال بشر بعدها.

وقال: "في حال وجود مصالحة، أول من سيحاربها هم شباب الإخوان أنفسهم، لأننا لا نريد للتاريخ أن يتكرر ثانية، والقيادات التي كانت تقود الفترة الماضية أخفقوا في خطوات كثيرة. ونحن كشباب نطالبهم بالتنحي جانباً، وتقديمنا لتحمل المسؤولية الآن، لإدارة التحرك ومناهضة الانقلاب. فالمسار البديل هو كما حدث في كل الثورات، التي انتهت إلى أعمال شغب بسيطة ومستمرة ومتفرقة، للتخلص من حكومة الانقلاب. وهو ما سيجري العمل عليه بعد نهاية الانتخابات الداخلية للإخوان، والرؤية التي ستضعها القيادة الجديدة، وموضوع المصالحة لن يكون فيها تماماً".

خطاب للاستهلاك المحلي

واعتبر حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، أن الحديث عن المصالحة بين الدولة والإخوان هو للاستهلاك المحلي، وليس هناك توجه جاد لهذا الحل. فالنظام عازم على مواصلة استخدام الإخوان كفزاعة تعوق المسيرة الديمقراطية، وتبرير الاستبداد والقمع الأمني في مواجهة من يخرج على سلطة الفرد التي يجري تكريسها. ورأى أن الأزمة في جوهرها داخل النظام السياسي الذي يدخل في صدام مع شباب ثورتي 25 يناير و30 يونيو، والمتظاهرين ضد التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير.

وأكد على ضرورة عقد مصالحة مجتمعية شاملة لا تستبعد أو تهمش إلا من حمل السلاح وحرض على فتن طائفية. وبالتالي ينبغي تقوية المجتمع المدني وتعددية الأحزاب السياسية، وعدم اضطهاد الصحافة والرأي العام المعارض، لأنه لا يمكن مواجهة الفساد في ظل حكم الفرد الواحد.

يشير الكاتب الصحفي عبد الله السناوي، إلى أنه طبقاً لإعلان خارطة الطريق في 3 يوليو، هناك بند خاص بالمصالحة. والدستور يفرض على مجلس النواب ضرورة الانتهاء من قانون العدالة الانتقالية، وإجراء مصالحة وطنية، وتعويض أسر الشهداء، وفق المعايير الدولية في دورته الأولى وقبل أغسطس المقبل. وهذا ما يفسر حديث المصالحة، طبقاً للاستحقاق الدستوري.

ويوضح أن هناك نزعة لدى الأجهزة الأمنية، تسعى إلى إدارة الأزمة وفق القواعد القديمة، التي أرساها مبارك وكرّسها بحرفية شديدة رئيس جهاز المخابرات حينها عمر سليمان. القواعد التي تسمح بوجود جماعة الإخوان لتنشط في المجتمع والحياة السياسية، ويغض الطرف عن مخالفة القانون والدستور، مقابل تطويعها وفق حدود وشروط لا يمكن تجاوزها.

يؤكد السناوي أنه لا يمكن فهم تصريح مجدي العجاتي، الذي تزامن مع رئيس الكتلة البرلمانية الداعمة للنظام سعد الجمال، إلا إذا كانت إشارة من جهات أمنية راغبة في ذلك. لكن الحديث عن المصالحة يغيب عنه وجود استراتيجية لتحقيقها، لحسم التناقضات القائمة سواء بين الإخوان والمجتمع أو مع الدولة بجميع مؤسساتها. ويقف عائقاً في سبيلها، الجيش والشرطة والقضاء، الذين سقط منهم ضحايا، ولا يحلها مجرد قرار إداري من الدولة، لا تنهي فيه الخصومة مع الأطراف كلها، وفتح المجال العام، وتحسين الحالة الديمقراطية في المجتمع وخصوصاً الشباب.

صحافي مصري مهتم بالقضايا السياسية وبتاريخ الإسلام والإسلام السياسي.

التعليقات

المقال التالي